صورتي
القاهرة, Egypt
http://www.goodreads.com/mennafawzi اول تجربة نشر من مدونتي رواية "في أرض الحلم" في المكتبات الان

جميع حقوق النشر محفوظة وغير مسموح بالنقل !
سيتم نشر اسم و لينك الحرامية في قسم "امسك حرامي"

"حبيبة في ارض الحلم".. قصة رومانسية طريفة علي حلقات .(تم حذفها.. موجودة كاملة في كتاب " في أرض الحلم " في المكتبات)

حقوق الملكية يا حرامي!

الأحد، 29 أبريل، 2012

صحراء المُخْمَل الأحمر

تَقبع في سكون صحراء المُخْمَل الأحمر..
تَحلُم بعودة أنفاسه لخَوَاء مُحيطها..
تعرف أنه لن يعود.. 
تتدَثر بالمُخْمَل الأحمر الذي مازال يحمل رائحتهُ 
وتتضَرع أن تكون تلك إسبالة جِفنيها الأخيرة ..
فَتَلحق بِه..



الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

حُرية رُقية (14)


وصل صادق و نوال بعد رحلة قصيرة الي لك المدينة التي يتوقعان ان يجدا صغيرتهما بها.. بعد دخلا الفندق و استقرا في الحجرة..قالت نوال:" نبتدي منين؟"
صادق:" انا بحاول تاني مع عمر لكن موبيله مقفول"
نول:" مش مهم .. هنلاقيها احنا.. هو الكرنفال ده قد ايه يعني؟ ان شاالله  نمشي نبص في وش بنت بنت "
صادق:" طيب .. ناخد نفسنا بس و ننزل علطول"
اومأت نوال برأسها موافقة.. كانت محقة .. لم يكن العثور علي رقية في الكرنفال صعبا ان تحليا بالصبر و النظر الجيد.. ولكن ليست تلك  المشكلة علي الاطلاق .. المشكلة هي ان رقية لم تذهب مع الكرنفال للمحطته تلك! و لتكون الصورة و اضحة اكثر.. لو ان والدي رقية و الكرنفال في الشرق.. فان رقية الان في الغرب 
                      ***
"كنت تفضل ان اكون غبيىة ؟ ها؟ اخبرني الان من تكون انت؟"
كان ذلك رد رقية علي عمر و هما يقفان قرب درجاته البخارية خارج الفندق
عمربهدوء:" انا عمر يا رقية كل ما قلته لك عني صحيحا.. اسم خالد هو اسم اختلقته مثل اسم سارة.. "
رقية مستنكرة :" لم اختلقت لك اسما؟ انت لست مطاردا من قبل احد!"
عمر:" الم اخبرك اني تركت عملي؟؟ انا ايضا مثلك لا اريد احدا ان يعرف مكاني"
رقية :" ولم؟"
عمر :" لن اخبرك .. انه امر خاص.. عليك احترام خصوصياتي.. انا لم اسألك عن قصة جايك الذي نهرب منه "
رقية:"  حسنا و لكن كيف تفسر ان اسمك في الجوازبالفعل  خالد ؟؟"
صمت عمر لبرهة..
ثم قال:" لنقل اني اعمل في مهنة تقتضي ان احمل هويات متعددة.. وخالد هي احداهن"
رقية وقد بدأت تشعر ان عمر علي وشك الاعتراف :" لا اعرف مهنة تقتضي ذلك سوي  ان تكون نصاب!"
اما عمر فقد وجد ان الحديث بدأ يقترب جدا من سره ..فقال:" لن اخبرك .. انه امر خاص.. اقول لك اني لست نصابا و لست متورطا في اي امر غير مشروع.. عليكي ان تثقي في كما وثقت انا  فيكي حين قلت لي مثل ذلك!"
اغاظ رقية بشدة افلاته من الرد.. ما اغاظها اكثر انه لم يكذب!
قالت :" كيف تتوقع  ان اثق بك وانا لا اعلم اي هوية من هوياتك هي حقيقتك؟ كيف اعرف ان كل ما حكيته عن نفسك وعن حياتك  هو حقيقي "
عمر:"و مالذي يهمك فيما حكيته لك عن حياتي؟  رقية .. في جميع الاحوال انتي لا تعلمين عني شيئا  سوي ما ظهر مني منذ ان التقينا علي القطار.. اريدك ان تراجعي في ذهنك ما رأيتيه مني من لحظة ان طردت الفتي الاسكتلندي من الكابينة من اجلك حتي هذه اللحظة.. و بعدها عليكي ان تقرري ان كنت استحق الثقة ام لا.. كل ذلك هو عمر .. هويتي الحقيقة"
كانت رقية علي وشك القول:" وضربك لجايك ورجاله  أكان حقيقيا؟" و لكنها لم تستطع.. لم ترد ان تعلمه انها تعرف..ان واجهته الان  فهذا يعني الفراق.. والفراق الان هو اخر شيء تريده..
صمتت تماما ..ثم قالت ": اريد افطارا.. انا جائعة"
عمر:" اهذا يعني ان ثقتك بي قد عادت؟"
رقية:" لا.. ولكن يعني ليس لدي حلا اخر سوي ان اعتمد عليك.. ولكن سيبقا بيننا الحرص!"
عمر مبتسما بسخرية وباسلوب مصري اصيل وهو يصعد علي الدراجة :" يا واد يا حريص.. اموت انا في الحرص"
لم تبتسم بل نظرت اليه بامتعاض.. ثم همت بالركوب خلفه.. فرفع هو كفه بامتعاض يوقفها و قال:" البسي الاول"
رقية بغضب:" شايفني عريانة!"
عمر:" بالنسبالي ..ايوة.. كده عريانة! البسي الجاكت!"
رقية:" لأ .. "
عمر:" همشي و اسيبك!"
رقية:" امشي.."
عمر:" هيجيلك جايك"
رقية :" يجي.."
عمر:" طيب ...سلام"
وانتطلق بالدراجة ..
بالفعل انطلق! وقفت رقية مبهوتة.. لقد تركها فعلا... ها هي تري الدراجة تصل حتي نهاية الشارع.. كيف  تركها؟؟
وقفت بضع دقائق مذهولة... ثم بدأ الرعب يتسرب اليها.. هاهي وحيدة.. بلا نقود.. بلا مأوي.. وجايك يحوم في القريب..
لا يمكن ان يكون عمر بتلك الندالة ابدا.. هي غير مصدقة!
مر عليها بضع دقائق وهي تحاول استعاب الامر.. تركها بكل تلك البساطة؟
بينما تقف مذهولة نما الي مسامعها صوت الدراجة البخارية عن بعد فالتفتت لتجد عمر علي متنها يقترب.. وقف امامها تماما .. نظر اليها دون كلمة .. قامت رقية بارتداء السترة ثم ركبت خلفه  دون كلمة هي الاخري..
قاد الدراجة و ابتسامة النصر تحتل وجهه.. توجه بها الي محل شطائر قريب  اطلاته رائعة الجمال..
تناولا الطعام في صمت ..ولكن رقية قطعت الصمت
قالت :" كل ما فعلته كان منذ حادثة فتي القطار كان حقا بنية صافية؟ فعلت كل ذلك لانك ملاك مثلا؟"
عمر:" مازال الامر يشغل رأسك ؟ حسنا   اعترف ان بعض المواقف كان لي فيها غرض ما.. ولكن لم يكن ابدا ايذائك او الاضرار بك هو الغرض"
رقية :" حقا ؟ مثل ماذا؟"
عمر:" لن استطيع ان اخبرك الان.. ولكني لكي تعرفي اني حقا اسمي عمر و ان تلك هي هويتي .. وان كل ما حكيته عن نفسي لك كان حقيقا... "
رقية:" وذاك اليوم.."
نظر عمر اليها في انتظار ان تكمل ..
اكملت ببعض التردد:" ذاك اليوم حين بقينا سويا في الصباح و تحدثنا .. قبل ان نمر بكشك التقبيل .."
صمتت ثانية..
عمر:" اجل؟"
رقية:" اعني.. لقد تحدثنا كثيرنا عن انفسنا.. اعني يومها شعرت اني اعرف عنك الكثير.. هل هناك شيئا مما قلت وقتها يعود لخالد او غيره من الهويات؟؟"
ابتسم عمر و قال :" قلت لك الهويات الاخري ليست سوي اوراق استخدمها عند الحاجة .. وما حكيته عن نفسي ذاك اليوم يعود لعمر السيوفي وهو انا.. لم اكذب في حرف.. "
كان يتحدث و هو ينظر في عينيها بعمق .. نظراته اخترقت قلبها ..ايمكن ان يكون غير صادق؟ لا يمكن !
كانت سارحة في عينيه حين قال فجأة وكأنه تذكر امرا :"سأريكي شيئا"
اخرج عمر حافظته و اخرج من جيب صغير بها ورقاة مطوية بعانية ثم فردها..  واعطاها لها..
امسكت رقية الورقة ..كانت ما يشبه خطابا.. مكتوبا بخط طفولي مضحك..
هزت رأسها متسائلة.. فقال بالمصري:" ده جواب لأمي كتبتوا  بعد ما ماتت بسنة وانا عندي سبع سنين ..كنت فاكر انه ممكن يوصلها.. عمتي خدته مني ولما كبرت وفهمت سألتها عليه و خدته منها.. انا محتفظ بيه عشان الكلام اللي فيه بيفكرني باحساسي بامي.. وخايف مع الوقت الاحساس ده يتنسي و يضيع .. لما بحس اني ابتديت انسي او بحس انها وحشتني ..بقراه عشان يرجعلي الاحساس تاني"
رقية باستنكار شديد وقد ادركت انها علي و شك الخوض في امرا مؤلم:" طب وانت بتديهولي ليه؟ انا مالي"
عمر:" عشان فيه تفاصيل عن حياتي .. عشان تصدقي اني انا عمر.. وان عمر مش شخصية مزورة زي بقية الاوراق اللي معايا"
امسكت رقية الخطاب و قراءت..


"حبيبتي ماما..
انا عمر.. وحشتيني جدا... عايز اسلم عليكي و ابوسك بس... وكمان احضنك... بس...   انا عارف..   عمتو قالتلي مش هينفع تيجي تاني..     انا كبير و عارف..     عشان انتي خلاص عند ربنا في الجنة ..    وعشان  الجنة عند ربنا  حلوة اوي..     مش بيخلي حد يمشي منها  ..    بس  يا ماما ينفع تقولي لربنا  انك بس هتيحي عند عمر ابنك  تبوسيه و تسلمي عليه بس ..   قوليله اني مش همسك فيكي ..    مش هشبط و لا هعيط   ... انا كبرت و بطلت اشبط...  لما كنت بشبط فيكي وانتي بتسبيني في الحضانة كنت صغير... متخافيش مش هشبط فيكي ... عمتو قالت اني كبرت خلاص و مينفعش اعيط... تعالي بس سلمي عليا و ارجعي عند ربنا تاني..  بابا  كمان بطل عياط.. انا شفته لما كان بيعيط..بس هوة مشافنيش...  لما تيجي يا ماما هتلاقينا كلنا  شاطرين و مش بنعيط.. بابا بيروح الشغل في لندن و بيبات هناك كتير... عارفة لندن دي فين؟ لندن دي بعيدة جدا... لازم نركب طيارة..  مينفعش بالعجلة... عمتو قالت مينفعش بالعجلة... انا عايز اركب الطيارة و اروح  عندك... بس انا خايف اجي عند ربنا  الجنة ميرضاش يخليني امشي انا كمان... هسيب العجلة هنا ازاي؟   الواد حمادة  دايما بيتخانق معايا عشان ياخد لفة.. اخاف اسيبها  لحسن ياخدها... طب  هي الجنة ينفع نروحها بالعجلة؟  انا عارف انك مش هينفع تردي بجواب.. عمتو قالت كده..  انا بس عايزك تستأذني ربنا و تيجي تسلمي عليا بس..  انا كمان و انا بصلي هدعي ربنا انه يخليكي تيجي بس ابوسك... عمتو بتعلمني الصلاة... و القرءان.. لما تيجي هقراللك و ارقيكي  زي الشيخ  اللي بيجي يوم الجمعة...تصبحي علي خير..
ابنك عمر السيوفي "


اخذ عمر الورقة من رقية سريعا حتي لا تفسد من دموعها التي سالت انهارا في صمت...
نظرت اليه وقد نسيت كل ما يتعلق به من مشاعر سلبية.. كل ما تري فيه الان هو عمر الطفل الذي فقد امه و كتب اليها جوابا يدمي القلب من براءته وحزنه.. كان يجلس هلي يمينها من الطاولة..فردت ذراعيها و هجمت عليه لتضمه... سيطر عليها عمر و ابعدها برفق قائلا:" انا لم اريكي الخطاب لاستدر عطفك... اردت ان اشاركك جزء هام من ذكرياتي علك تصدقين اني لم اكن اكذب في شأن هويتي..  انا اخفي امورا عليك ... مثلما تخفين انت علي..  ولكن اقسم لك اني لن اسمح لشيء ان يمسك باي ضرر"
رقية وكأنها لم تسمعه.. كانت غارقة في مشاعر الحزن و التأثر التي اثارها  الخطاب:" عمر ...انا لا  اعرف ماذا اقول.. وانا التي كنت اظن اني عشت طفولة تعيسة...  انا اسفة...  كم كنت طفلا جميلا ورقيقا... اقسم اني لو كنت موجودة و قتها لكنت تبنيتك... انا حقا اسفة لانك فقدت امك... انا لا اعرف...حقا.."
عمر:" توقفي يا رقية! توقفي ... الامر ليس بهذا السوء... لقد كان لي عمة رائعة  كرست حياتها لي و فعلت لي  ربما ما لم تكن لتفعله امي"
رقية :" ولكن الخطاب مؤلم جدا"
عمر:" انا من كتبه و اعلم اني لم اكن اتألم.. كنت اشتاق لامي..  مازلت اشتاق لها.. ولكني تعلمت ان اتأقلم مع الاحساس.. اتذكرها بذكري حلوة.. صورة تجمعنا.. هكذا.. الحياة تستمر..  الم تقراءي الجزء الخاص بالدراجة؟ لقد فضلت البقاء مع الدراجة كي لا يأخذها حمادة الوغد علي ان اذهب الجنة لامي ولا اعود ابدا"
قالها ضاحكا ليخفف من وطاة تأثرها.. كانت دموعها تؤلمه و تضايقه... فكر ساخرا:  هو من توفت امه  وهاهو يبذل جهدا لرفع الحزن بسبب الامر عن رقية.. حقا مستغلة!


اعطاها منديلا وقال:" كفاية عياط بقي.. تموتي انتي في العياط..ما تصدقي اي فرصة"


ضحكت و سط دموعها ، ثم رفعت كفها بمعني انها انتهت و هي بخير..
ربع ذراعيه علي الطاولة واقترب و هو يتاملها..
رقية وقد سد البكاء انفها فخرج صوتها مخنوفا:" ايه؟ بتبص كده ليه؟"
عمر:" علي قد منا مبحبش اشوفك بتعيطي.. علي قد ما شكلك عنيكي و هي مدمعة بيعجبني"
رقية:" مبتحبش تشوفني بعيط ليه؟"
عمر وقد افاق علي سؤالها من غيبوبه جمالها:" لأ عادي .. انا مبحبش اشوف اي بنت بتعيط.. بتأثر"
رقية:" اي بنت؟"
عمر:" ايوة اي بنت؟ كنتي فاكرة انتي بس مثلا؟"


ضربته رقية بغيظ علي صدره بكفها و قالت:" حنين انت اوي"


عمر وهو ينظر ليدها :" انا متأكد ان اللي انتي مخبياه عليا انك اصلا مش انجليزية وجاية من حواري مصر"
رقية :" وكمان خفيف!" نطقتها "هفيف"..
ثم عادت لتنطقها صحيحة بالخاء فتعلثمت و خرجت :" خخيف" حاولت تكرارها و فشلت فانفجر كلاهما ضاحكين.. ضحكت رقية ملء قلبها و لوهة نسيت حقيقة عمر و ضيقها منه .. نسيت كل شيء سلبي و مؤلم.. كانت تقضي لحظة سعيدة مع عمر ..فقط ! دون ان تذكر شيئا اخر.


                                                         ***


سارت نوال تتأبط ذراع زوجها وهم يجوبون انحاء الكرنفال الذي نصب علي مقربة من الفندق الذي نزلا به، كان علي وجيهيما علامات الانبهار.. اعداد الشباب الرهيبة و كل تلك الاكشاك المنصوبة وكل الصخب و المرح..


نوال:" هنلاقيها ازاي يا صادق في وسط كل ده؟"
صادق:" هنلاقيها .. هنلاقيها.. ماورناش حاجة غير ندور... تعالي هناك كده عند المحل ده .. يمكن تكون هناك و بالمرة اجيبلك ايس كريم...  ده اللي انتي بتحبيه ..فاكراه؟"
نوال:" ده وقته يا صادق.. ايس كريم ايه بس و احنا في الهلمة دي؟"
صادق:" وماله ؟ ما حنا كده كده هنروح عنده ندور عليها .. هيعطلنا الايس كريم في ايه؟ تعالي بس"
وجذبها من يدها و اتجه  نحو المحل.. سارت معه و علي وجهها شبح ابتسامة رضا


                                              ***


جلس مروان في الكنبة الخلفية من سيارته الفخمة بينما كان السائق علي كرسي القيادة، لم تكن السيارة تتحرك بل تقبع في سكون علي احد الطرق الهادئة المحاطة بالاشجار الكثيفة و برغم الظلام بدت سيارة اخري مطفاءة الانوار تقترب من سيارتهما، ترجل منها شخصا و اقترب من سيارة مروان.. فترجل سائق مروان بدوره حاملا حقيبة سوداء وقال حين سلمها للرجل الاخر:" السيد يخبرك ان تلك هي الدفعة الاولي و لك مثلها حين تكون الفتاة بين يدينا"
الرجل الاخر وهو يشير برأسه نحو السيارة:" ولماذا لا يحدثني السيد بنفسه؟"
السائق:" لا يريد تواصل مباشر.. العيون في كل مكان وهو يريد اسمه بعيدا عن اي شيء"
الرجل:" حسنا اخبره.. اني استعديت .. وقمت باستمالة الاشخاص اللازمة لاتمام الامر.. ولكن هؤلاء ايضا لهم سعر"
السائق:" حسنا سأخبره.. وداعا الان"
حياه الرجل بهدوء و سار نحو سيارته
بينما ركب السائق السيارة و اخبر مروان بكل كلمة دارت بينه وبين الرجل..
ابتسم مروان وتقطر منه الغرور و هو يتمتم:" هكذا يكون اللعب"


***


قبيل الليل وصل عمر و رقية الي جهتهما ، تلك المدينة التي تعتقد رقية ان بها صديقة قديمة لها . كانا كلاهما مرهقا بشدة فاقترح عمر البحث عن اول فندق للمبيت وفي الصباح يبدءا رحلة البحث عن الصديقة او سكن او اي ما ترغب به رقية..  لكن النوم اولا.


رقية :" ليكن اقرب فندق لا تكن دقيقا في الاختيار.. ان لم يعجبنا الليلة لنغيره غدا.. ولكن اريد النوم"
عمر:" حسنا.. لنسأل عن اقرب فندق"


و بالفعل دلفا الي الاستقبال .. كان فندقا صغيرا لا يمكن ان نقول عنه راقيا ..
وقف كليهما امام الموظف
تحدث عمر بينما منعت رقية نفسها من النوم برأسها علي الكاونتر
عمر:" نريد حجرتين من فضلك ..لليليتين او اكثر"
الموظف:" اهلا بكما.. ليدى حجرتين متجاورتين باطلالة رائعة .. اريد اثباتات الشخصية بعد اذنكما"
كان عمر يحمل جواز سفر باسم زيدان هذه المرة فقدمه للموظف و قال:" ان صديقتي هنا فقدت جواز سفرها ، اعلم اللوائح و لكن هل اسديتنا خدمة و تغاضيت عن ..."
قاطعه الموظف:" سيدي لا اعتقد انه ممكن .."
قاطعته رقية بنفاذ صبر وبعض الحدة:" اعطنا حجرة لعينة و احدة.. ولكن المطلوب هو السرعة!"
نظر اليها عمر، مندهشا بينما تحرك الموظف بسرعة لاتمام حجز الغرفة
رقية لعمر مفسرة:" سأسقط من التعب و انتما تتجادلان حول الجواز اللعين.. لننم كيفما اتفق .. لم اعد اهتم"
عمر بخبث:" وماذا عن الحرص الذي ذكرت انه سيظل بيننا؟"
رقية بنبرة تهكمية :" سأنام الان و ليعود الحرص في الصباح"
ابتسم عمر و قال وهو ينظر اليها بعمق:" اخبرتك قبلا ان ليس عليك ان تحملي هما وانا معك"
رقية:" اجل.. اعرف.. فانا لست نوعك المفضل"
عمر:" وحتي لو انك ما افضل بالظبط.. انا لست و غدا "


"اعرف"
القتها له رقية  مقتضبة و سريعة  وكأنها تستكثر عليه ان تمدحه، ان اعتبرنا ان تأكديها علي انه ليس و غد هو مدحا


حين صعدا في المصعد كانت رقية تتأمل عمر الذي كان سارحا تماما.. حسنا يجب ان تكون صريحة مع نفسها و تعترف بداخلها.. انه يعجبها.. شكلا عل الاقل.. تلك الوسامة التي تنبض بالرجولة.. حسنا و ان اتت علي ذكر الرجولة فعليها ان توافيها حقها في تصرفاته.. يعجبها كيفية تصرفه.. كيف تشعر معه انها بعيدة عن اي سوء..تذكرت مدح ديكس له .. ابتسمت حين تذكرت كيف امسك بها و هددها.. ان كل ما يفعله يعجبها بشدة.. ولكن كيف تغفر له ما فعله؟ حتي تلك الحظة لم يحاول ان يخبرها الحقيقة.. لقد اقتربا جدا من الموضوع اثناء الحديث و لكنه لم يتطرق له ، بل هرب من الحديث.


عمر:" اتظنين انك ستجدين صديقتك بسهولة؟"
رقية:" لا ادري.. كل ما اعرفه هو اسمها كاملا"
عمر:" اظن ان البحث عن مسكن لك سيكون اسهل من ايجادها"
رقية:" بامكاننا فعل كليهما"
كانا قد وصلا للحجرة ودخلا بعد قام عمر باعطاء بقشيشا للموظف الذي اوصلهما
رقية بامتعاض:" ما هذا؟ انها سيئة جدا.. ضيقة و كئيبة"


عمر:" لقد قلت لا تكن دقيقا في الاختيار.. الان تعترضين؟   نامي يا رقية.. انها ليلة واحدة غدا لنذهب لفندق اخر"


اومـأت رقية برأسها في بؤس شديد، مما جعل عمر يقول:" حسنا.. اتريدين المغادرة الان لنبحث عن اخر؟"


فؤجت بعرضه ونظرت اليه لتتأكد انه لا يسخر منها و حين رأته صادقا جدا قالت:" لا .. مش للدرجة دي..بكرة نروح و احد تاني"
عمر باصرار:" لو مش عاجبك ندور علي و احد تاني دلوقتي"


هزت رأسها نفيا و ابتسمت... كان ينتقد من يدللونها  ويفسدونها بجعل طلباتها مجابة ، وهاهو صار يفعل الامر نفسه معها بنفسه.


تأمل عمر الحجرة ثم قال:" مفيش مكان غير اني انام هنا" و اشار الي مكان بالارض قرب السرير


رقية :"انا هدخل الحمام و علي السرير علي طووول"


بالفعل دلفت للحمام ، بينما قام عمر بترتيب مكان نومه علي الارض.. وضع لحاف وجده في خزانة الملابس استلقي عليه وفرد رجليه المرهقة ريثما تخرج رقية من الحمام.. وبعد دقائق عديدة خرجت وقد ارتدت ملابس اخري وشعرها مبلل وهناك رائحة رائعة تفوح من الحمام.. يا مغيث!
رقية لعمر مندهشة و ضاحكة:" طب المرة دي انا مش بعيط ..بتبص كده ليه؟"
عمربابتسامة غامضة:" دي حاجة شخصية مش هقدر اقولهالك"
رقية :"مش مهم انا اصلا مش مهتمة.. بص زي ما تبص.. انا هنااااام"


وبالفعل قفزت من فوقه لتصل للسرير واستلقت و تدثرت وتقلبت الي ان و صلت لاكثر الاوضاع راحة و اغمضت عينها، تاركة عمر يصارع نفسه ويكبتها كي لا يخرج منه اي قول او تصرف متهور.. فهو ان استطاع الا يكون وغدا  فعلي اقل تقدير سيخبرها انه و اقعا في حبها.. لذا و ضع كفيه علي وجهه و اخذ نفسا عميقا .. و لكن النفس دخل الي صدره معباء بتلك الرائحة الساحرة..
"هي دي ريحة ايه؟"
عمر سريعا و كأنه يحاول اغلاق فمه قبل ان يقول شيئا اخر..
رقية بصوت ناعس:" ريحة ايه؟ "


عمر:" الريحة اللي مالية الاوضة دي؟"
رقية:" مش عارفة بس اكيد الاوتيل المقرف ده مش بينضفوا كويس.. انا مش شامة حاجة"
عمر :" لا دي ريحة حلوة.. زي صابون "


رقية وصوتها ناعسا :" اه ده اكيد الشاور كريم بتاعي.. ريحته تحفة .. انا عارفة.. تصدق اني ممكن كنت اكسرلهم البيت علي دماغهم  لما كانوا بيجيبولي و احد تاني غلط.. الخدامين اللي دادي بيجبهم كانوا اغبيا جدا.. تصدق اني جبت الكريم ده  معايا و انا بهرب و مجبتش تليفوني"


عمر:" رقية.. انتي بتنامي و ابتديتي تقوللي اسرار.. عشان بعد كده متقوليش اني استغليت الموقف و سيبتك تقعي بالكلام.. اظن مفيش اجدع من كده"


انتبهت رقية لدرجة انها رفعت رأسها عن الوسادة قليلا ثم اعادتها و قالت:"اديك عرفت حاجة مهمة  اهه.. كان عندنا خدامين اغبيا و انا مش معايا تليفون.. بس ده سر .. لو حد عرفه هتبقي كارثة"


ضحك عمر علي سخريتها ونهض مسرعا كأنه يهرب منها و دلف الي الحمام بدوره..ولكنه كان مخطئا حين ظن ان ذلك هروبا ، فقد حاوطته رقيه داخل جدران الحمام الضيقة.. كل جدار هو صورة لوجهها.. هناك.. ملابسها معلقة علي شماعة في ظهر الباب ، فرشاة شعرها وبعض خصلاته بجانب الحوض.. و الكريم الساحر ورائحته علي رف زجاجي صغير بجانب الدش.. فتح المياه علي رأسه عله يفيق منها.. يجب ان يفيق من رقية !


حين خرج و جدها راحت في نوم عميق، اجبر نفسه الا يلقي عليها و لو نصف نظرة و استلقي بقربها علي الارض و ظهره لها..الا انه لم ينم.. امضي ليلته يفكر بها .. يفكر في جمالها..في طريقتها و هي تتحدث.. تضحك.. تبكي.. يفكر في غمازتيها  ثم يلهي نفسه عنهما و  يفكر فيما سيحدث لا حقا.. يفكر في الاخطار التي قد تواجهها بسبب مروان ..يفكر في ابيها و ماذا ستكون خطوته التالية لاستاعدة ابنته .. يفكر في المستقبل مع رقية.. كانت ليلة مرهقة لعقله المسكين.


استيقظت رقية قبله في الصباح لم ترغب في ايقاظه بدي عليه الارهاق، لذا نهضت وذهبت لشراء بعض الطعام و القهوة و مرت علي احد اكشاك الصحف ابتاعت دليل الهواتف و العناوين الخاص بالمدينة.. اثناء سيرها و قيامها بتلك الامور كان هناك شعورا غامضا يجتاحها.. ليس شعورا سيئا.. هو شعور غريب وسببه ما حدث اثناء خروجها من الحجرة.. كان عمر نائما بينما كانت تستعد للخروج .. وحين اقتربت منه برفق و هدوء لتسحب نقودا من جيب سترته الموضوعة قربه، تحرك واصدر همهمات حتي ظنت انه استيقظ و لكنها ادركت انه يتحدث و هو نائم..لقد كانت الهمهمات و اضحة.. فسرتها بوضح.. كان ينادي اسمها ..
يقول :" رقية... تعالي الي... رقية... احب شعرك.. رقية"


افزعها الامر في البداية و خصوصا و هي تري ذراعيه يضمان بعضهما و كانه يحتضن شيئا.. انه يحلم بها .. يضمها في حلمه.. ويذكر شعرها.. تراجعت وخرجت من الحجرة مصدومة .. و لكنها بعد ان  سارت قليلا و هي تفكر في الامر,, وجدت ان هناك شيئا ما يسعدها في ذلك.. هي اذن في خياله.. من يحلم بشخص انه يضمه مؤكد هو يرغب في ذلك في الحقيقة.. اذن في نهاية الامر هي النوع الذي يفضل.. في نهاية الامر هو معجبا بها لدرجة انه يحلم بها.. شعرت بالرضا حين وصلت بتفكيرها لتلك النقطة.. و لكنها استمرت تفكر.. ايكون سبب ثورته علي المهمة و مروان و ابيها انه و قع في حبها؟  و لكنه مازال انسان مخادع.. بدأ مهمة ليخدعها! و ايا كان سبب عدوله عن المهمة لا يعفيه من الذنب.. عليه ان يكفر عن ذنبه!..
سارت عائدة بذلك الشعور الغير و اضح.. لكم سيرضيها ان تتأكد ان عمر فعلا يحبها.


ايقظ عمر صوت الباب و هي تغلقه بعد ان دخلت.. رفع رأسه و قال منزعجا:" كنتي فين؟؟"
رقية:" جبت فطار"
عمر بضيق:" ليه بس خرجتي لوحدك؟"
رقية:" عادي منا رجعت سليمة اهه"
عمر:" يا رقية من فضلك بعد كده بلاش التصرفات دي.. انتي مش طفلة.. قدري المسؤلية شوية"
رقية:" خلاص يا عمر.. "
اسند رأسه علي الوسادة و زفر في ضيق
فقالت:" كنت جعانة و كان شكلك تعبان.. محبتش اصحيك.. جبتلك معايا فطار"
فسأل:" و كلتي؟"
رقية:" هاكل لوحدي؟ "
عمر:" مش قلتي جعانة و معرفتيش تستني"
رقية بابتسامة رقيقة جعلت ضيقه منها يتبخر في ثانية:" لأ جبت الاكل معايا عشان ناكل مع بعض"


تري ما سبب اعتدال مزاجها هذا الصباح ؟ فكر عمر وهو ينهض ويتوجه للحمام.. يتوجس حين تعامله بلطف شديد..


حين خرج وجدها قد رصت علب الشطائر علي الطاولة الصغيرة قرب نافذة الحجرة و جلست علي المقعد الصغير.. جلس علي المقعد الاخر امامها..
قالت بمرح:" اتيت لك بالقهوة.. و هاهي شطائرك"
واشارت الي العلبة ناحيته..
كان صامتا مرتابا.. ما بها؟ لم هي لطيفة؟
قالت:" هل نمت جيدا"
اومأ برأسه وهو يضع السكر في القهوة..
رقية:" بدي عليك الارهاق.."
عمر:" اجل.."
رقية:" كنت تهمهم مثل الملبوسين"
توقف عمر عن تقليب القهوة  فجأة و رفع عينه ونظر اليها
رقية:" هل كنت تري كابوسا؟ بدي عليك انك تحلم بشيء ما"
عمرباقتضاب :"لا.."
رقية:" غريب الاطوار انت.. تتحدث اثناء نومك و لا تتذكر احلامك"
عمر بتردد:" ماذا كنت اقول؟"
رقية:" لا ادري .. همهمات غير واضحة"
تنفس عمر الصعداء..
الا انها اكملت:" و كأنك تنادي شخصا.. بدي علي صوتك الحنين الشديد"
ابتسم عمر بجانب فمه وقال:" ربما افتقد شخصا و حلمت به.. لا ادري.. العقل الباطن له اسراره"
رقية بدلال و هي تلاعب خصلات شعرها بيدها:" اجل.. ولكن اسراره تنكشف ان كنت من المتحدثين اثناء نومهم "
عمر متشككا :" لماذا اشعر اني قلت شيئا جعلك تشعرين بالتفوق الان لانك صرت تعرفين سرا عني؟"
ابتسمت بخبث و نهضت دون كلمة ودلفت الي الحمام
تابعها و هي تذهب ثم قال بصوت عالي لتسمعه بالداخل :" المرء لا يحاسب علي حديثه اثناء النوم... انا بريء مما سمعت ايا كان"
ابتسمت رقية ابتسامة عريضة و هي تنظر الي نفسها في مرآة الحوض و تستمع لكلامه .. الموقف حقا يثير ضحكها..
اما عمر فقد و ضع رجله علي الاخري و اسند كوعه علي ركبته وهو يحك ذقنه مفكرا.. ماذا قال؟ مؤكد قال امرا ما وهو ما وضعها في هذه الحالة المزاجية.. لو كان ذكر شيئا عن ابيها او المهمة لوجد نفسه يواجه اعصارا غاضبا.. هل قال شيئا عن مشاعره نحوها؟ لقد كبت الامر بداخله طوال فترة استيقاظه.. هل تسللت مشاعره و انفجرت خارجة في غفلة منه حين سقط في النوم؟؟


فجأة نفض الافكار عن رأسه.. عليه الا يعشم نفسه و يضع امالا عالية قد تتسبب في سقطة حادة تودي بقلبه وتحطمه.. يجب عليه الا يفكر في معني ذلك! في معني  ان سر سعادة رقية هو انها قد تكون سمعته يتحدث عن مشاعره نحوها.. عليه الا يظن ابدا انها قد يكون بداخلها اي مشاعر نحوه .. تلك مجازفة كبيرة قد لا يحتملها قلبه ان اتضح انها لا تعبأ به  ..كما انه لن يستطيع مواجهتها بالحقيقة.. لن يتمكن من اخبارها انه كان في  مهمة لتحطيم قلبها..صحيح انه عدل عن الامر وهو نادما لكونه قبل تلك المهمة من الاساس  و لكن ذلك  قد لا يكفيها لتغفر له،  و لن يتحمل رده فعلها ان علمت.. مؤكد ستتركه و ترحل .. وفي ظل كل ما يحيط بها  اخطار لا يستطيع تركها بمفردها  .. لذا  يكفيه فقط ان يبقي بجانبها، يساندها و يحقق لها احلامها و يبعد عنها كل ما قد يؤذيها.. يكفيه ذلك في الوقت الحالي!


خرجت من الحمام وعلي وجهها نفس الابتسامة الغامضة ثم جلبت دليل العناوين و الهواتف و جلست امامه علي الطاولة كانت تتحرك بتؤدة و ثقة وهي تراقبه نظرات ثاقبة.. كانت تحاول ان تعبث به و بثقته بنفسه.. وضعت الدليل و ربعت ذراعيها علي الطاولة و هي تجلس مما جعل شعرها يميل الي الامام فحركت رأسها للخلف بدلال لتعيده وهي مازلت تراقبه
فقال:"في حاجة؟"
رقية وهي تحرك كتفيها :" حاجة زي ايه؟"
عمر:" بتبصيلي كده ليه؟"
رقية:" مانت طول الوقت بتبصلي.. حد اعترض عليك؟"
عمر:"قصدك ان السبب الي بيخليكي تبصيلي.. هو هو السبب اللي بيخليني ابصلك؟"
رقية بعدم اكتراث:" فسرها براحتك.. لاني اصلا معرفش السبب اللي بيخليك تبصلي و مش مهتمة اعرفه .. انا دلوقتي ورايا حجات اهم"
وفتحت صفحة الدليل و تظاهرت بالانشغال


قال عمر في رأسه.. يا بنت المجانين؟؟ لقد كانت في قمة اللطف قبل خمس دقائق.. دخلت الحمام و خرجت سخيفة.. قدرتها علي التحول مخيفة.
مالم يعرفه عمر هو ان رقية تواجه صراعا داخليا مع نفسها.. كل كيانها يميل اليه ..بينما ذلك الصوت يؤرقها و يخبرها انه مخادع.. ترغب بشدة في معرفة حقيقة مشاعره نحوها  وتخشي بشدة لحظة المواجهة بالحقيقة.. وتضارب مشاعرها يظهر في اسلوبها معه.. فهي تريد ان تختبر اعجابه ومشاعره .. بينما يملؤها الغيظ منه احيانا.. و في احيان اخري لا تشعر سوي بالراحة و الرضا لوجودها معه.. الموقف معقد و اكبر من قدرتها علي الفهم.


عمر:" طب عايزة تروحي اوتيل تاني؟"


رقية:" خليها اخر حاجة.. ندور الاول علي ماي صحبتي.. و علي بيت ليا.. خليني احس اننا بننجز حاجة.. و اخر اليوم نشوف اوتيل احسن شوية"


عمر:" زي ما تحبي"
رقية:" هل اتصل ديكس؟"
عمر: لا ادري .. اغلقت هاتفي "
رقية مؤنبة:" و لم اغلقته؟! لابد ان ديكس قلقا جدا علي الان"
عمروقد صارت نبرته غليظة:" ولم عليه ان يقلق و انت معي؟!"
رقية:لانه دوما يقلق علي..لانه يهتم لامري"
عمر ببعض الحدة :" لن يهتم لامرك اكثر مني! عليه ان يدرك انك معي.. اي منتهي الامان!!"
رقية:" من منا المغرور الان يا سيد سوبر مان؟ الامر لا يتعلق بك اساسا.. انه يتعلق بصداقتي بديكس والتي توجب علينا الاطمئنان علي بعضنا البعض!"
عمر:"حقا! لم اري تلك الصداقة حين كان يلاحقك الفتي المخمورفي الحفل.. لم اراها حين شربت المخدر في المياة الغازية.. لم يكن هناك ديكس او غيره.. فقط كان هناك عمر!  لقد عانيت الامرين منك تلك الليلة ليأتي صديقك اليوم التالي و يضحكك بحديثه التافه وكان شيئا لم يكن ..وفجأة يصبح هو من كنت بحاجة اليه.. وهو الصديق الحقيقي الذي يهتم بك"


نظرت له رقية وفمها يرسم حرف نون مقلوبا ثم قالت :" لم عليك ان تذكرني طوال الوقت بذلك الامر؟ هل تدرك كيف يؤلمني ان استرجع تلك الليلة؟..الا تعرف كم يخيفني ان اتذكرذلك الاحساس بالشلل؟  فكرة ان يكون هناك اشخاصا بهذا الانحطاط تفزعني.. اليس لديك ادني قدر من مراعاة شعور الاخرين؟؟"


نظر عمر الي عينيها المليئة بالدموع وادرك انه بالغ في رد فعله.. لقد انفجر فيها بدون ادني داعي..المها دون ان يشعر.. نفث عن كبته و غيظه فيها.. لم تستحق ذلك ابدا..


عمر متمتما:" انا اسف يا رقية.. انا لم.."


نهضت مسرعة و دخلت الحمام و صفعت الباب في عنف..


تبعها عمر ووقف يحدثها عبر الباب المغلق:" رقية.. لو سمحتي اخرجي نتكلم.. انا اسف... مكنتش اقصد"


رقية من الداخل بصوت بائس يحاول اخفاء البكاء:" اذهب يا عمر الان.. انا بخير و ليس هناك ما نتحدث عنه.. فقط احتاج البقاء بمفردي قليلا"


عمر:" ولكني اشعر بالضيق لاني قلت ذلك.. انا اسف .. لقد استفزني ان تتحدثي عن ديكس وكأنه الوحيد الذي يهتم بك.. اعني انا ايضا اهتم.. ضايقني ان تذكريه.. اعني... ليس هذا مبرر لقولي .. ولكنه السبب في ان اقوله.. لقد ضايقني حديثك عنه"


فوجي بها تفتح الباب وقد تغيرت نبرتها تماما من البؤس للحدة و اكتست شراسة قاسية ملامح و جهها ، وقالت:" اخبرني اين ذكرت انا انك غير مهتم بي؟؟؟ ها؟؟ اين قلت انا ان ديكس هو الوحيد الذي يهتم؟؟؟ انا فقط قلت انه قد يكون قلق علي بحكم صداقتنا.. انا لم ات علي ذكرك!  لم تضع نفسك في مقارنة؟ وهل يجب ان تكون الوحيد في الكون الذي يهتم بي؟ هل علي ان اكون معدمة الاصدقاء و اكتفي بوجود سموك في حياتي كالصديق الوحيد؟!! هل انت حقا مريض بحب الامتلاك لهذه الدرجة؟؟ اسمع جيدا! انا لست ملكا لاحد.. اخر شخص حاول ان يعزلني عن العالم تركته و هربت منه الي الابد.. ولن اسمح لغيره !"


ثم توجهت الي حيث تركت حقيبتها الصغير و جلبتها بعنف و توجهت للباب..


عمر يلحق بها قائلا :" الي اين ؟؟"


رقية:" سأعود لا حقا احتاج للهواء!"


تركها عمر تخرج فهو يري انه ان حاول ان يمنعها سيزيد الموقف سوءا.. امسك جبهته و اعتصرها بأصابعه وهو ينفث غاضبا.. ركل الباب بقدمه في قوة و عصبية شديدة.. ثم جلب سترته و مفتاح الحجرة و خرج بدوره بعصبية..
حين خرج الي الشارع تلفت حوله الي ان ميزها تسير بسرعة عن بعد.. مشي في نفس الاتجاه يتبعها و لكنه لم يلحق بها.. كان فقط يريد ان يري انها بخير..ظل يتبعها عن بعد..  ياله من احمق! كيف ضايقها هكذا؟ كان حقيرا حقا


تابعها و هي تسير كانت تتحرك بسرعة و عصبية ..ويبدوا انها تمسح دموعها ايضا.. من الواضح انها ايضا كانت تكبت غضبا او مشاعر ما و انفجرت بدورها في عمر.. صحيح ان ما قاله كان يفتقد الذوق و الحساسية الا ان حزنها و غضبها العنيف مبالغ فيه ايضا.. كلاهما كان متوترا و قد وجد منفسا فانفجرا في بعضهما البعض.. هكذا فسر عمر الامر.. تري ما بها؟ ما الذي يوترها في الاساس؟
حسنا سيتبعها دون يلحق بها لبعض الوقت حتي تهدأ لعل السير يمتص غضبها و يهديء عصبيتها.. ثم سيلحق بها و يعتذر لها.. سار بالفعل خلفها لبعض الوقت..
اما هي فكانت تسير سارحة تماما.. لم تعرف لم صاحت بوجه عمر.. انه يضايقها بشدة.. لا يعجبه ان يظهر احدا اهتمامه بينما هو بدوره يخفي اهتمامه.. لا يهمه ان يؤلمها بتذكيره لها بحادثة المخدر فقط ليذكرها ان له فضلا عليها.. لقد اثارت غيظه و غضبه بذكرها لديكس بتلك الطريقة.. هي ادركت ذلك.. و لكن رده عليها كان اعنف من اللازم.. لم تستحق منه ذلك ابدا.. بكت حين صعبت عليها نفسها و شعرت بالقهر لقسوة عمر معها.. و اثناء شرودها و امتلاء عينها بالدموع لم تنتبه لمواد البناء الحديدية المرصوصة امامها علي الارض و لا للافتة المؤقتة بجانبها و التي تطلب من المارة ان تحذر من العراقيل علي الارض.. لذا شعرت بقدمها تصطدم بقوة بشيء صلب و جسدها الخفيف مع سرعتها يطير في الهواء لتسقط علي ظهرها متألمة بشدة..
حين رأها عمر عن بعد تتجاهل لافتة التحذير ادرك انها شاردة و توقع ان تتعرقل او تصدم قدمها لذا اسرع ..بل ركض نحوها ..و قبل ان يقترب رأها تطير و تسقط علي الارض.. هرع اليها و قد بدأ عمال المبني الذي سقطت امامة يلتفون حولها.. كانوا يتحدثون بلغة اهل البلد التي لا تجيدها رقية .. فحاولت ان تخبرهم باكية بالانجليزية ان قدمها بها مشكلة.. ولكنها لم تفهم ردودهم.. شعرت بالدوار و بالفزع... كيف ستصل لعمر.. هي حتي لا تذكر اسم الفندق الحقير.. الالم شديد جدا..  انهم يخاطبنها و لكنها لا تفهم.. تردد : قدمي... قدمي..  وتشير الي قدمها.. الالم يشتد.. احدهم يطلب منها امرا ولكنها لا تفهم.. يشير الي قدمها و لكنها لا تفهم.. ستفقد الوعي.. ليست واثقة من الالم ام الخوف ..وفجأة  بين الاصوات ميزت ذلك الصوت الذي بعث فيها الروح من جديد.. كان يلهث و يتحدث نفس لغتهم.. كان يبعدهم وخمنت انه يطلب الا يمس احدا قدمها المتالمة.. حين تلاقت عينهما لم يحتاج عمر ان يتحدث اليها.. كم الذعر الذي رأه في عينها و التعلق الشديد به و فرحتها برؤيته كان يغني عني اي حديث.. اكتفي بقوله:" لا تخشي شيئا .. انا معك الان.. الاسعاف في الطريق"
في المستشفي تحدث عمر الي الطبيب الشاب.. ثم تحدث الطبيب الي رقية بالانجليزية التي تشوبها لكنة بلده  قائلا:" لقد التوي كاحلك .. ليس امرا خطيرا..كما ان هناك بعض الكدمات الخفيفة في يديك و ظهرك .. ستحتاجين للراحة و لا تجهدي القدم.. الممرضة ستضع لك رباطا ضاغطا وجبيرة متحركة بامكانك خلعها عند النوم.. و الدواء كتبته مع السيد عمر.. ان تألمت عليك بالمسكن ..اتمني لك شفاءا سريعا.. كوني حذرة المرة القادمة"


ثم ربت علي كتفها في حماس و ابتعد سريعا.. نظرت رقية الي عمر وقالت بصوت واهن بينما تفرد قدمها للمرضة لتضع الرباط:" كيف وجدتني؟"
عمر و هو ينظر اليها:" لم تغيبي عن عيني لحظة.. "
رقية:"تبعتني؟"
عمر:" فقط لاتأكد انك بخير.."
رقية:"اشكرك علي وجودك.. لقد خفت كثيرا وانا وسط الناس لا افهم شيئا و الالم يقتلني"
عمر:" رقية.. انا اسف لقولي ما قلت.. لن ابرر و لن اشرح فقط اقبلي اعتذاري"
رقية:"قد تكون و غدا في حديثك احيانا.. و لكن يغفر لك ما تفعله دوما من اجلي.. لذا اعتذارك مقبول" قالت اخر كلمة بابتسامتها العذبة التي اذابت قلبه.
فتحت ذراعيها لكي تضمه ..تردد لوهلة ثم ضمها اليه.. ياه ه ه   عليهم ان يضيفوا "عناق رقية" الي قائمة "افضل الاشياء في الكون"
رقية و هي تربت علي ظهر عمر بامتنان :" شكرا لك"
قالت الممرضة:" انت الان جاهزة يا انسة رقية.. شفاءا سريعا"
استندت رقية الي عمر و هي تنزل عن سرير الكشف.. وسارت بجواره تستند اليه.. اثناء خروجهما مروا مرة اخري بالطبيب الشاب.. فابتسم بترحاب و قال :" انتيهتي يا مريضتنا الجميلة؟ تصحبكما السلامة"
عمر:" اشكرك حقا يا دكتور.."
الطبيب:" اسمي فيليب.. و ينادوني فيل.. انا من اصل عربي مثلكما"
عمر:" حقا؟ سرنا لقائك" و ابتسم ابتسامة صفراء لم يكن في مزاج للتعارف علي احد
الا ان فيل استطرد:" تفضلا الي مكتبي لا اريد ان اتعب مريضتي.."
عمر:" ليس ضروريا.. علينا الذهاب "
فيل:" هل تمزح .. لن اترككما ابدا.. انا لا اصدق اني مع اشخاص من اصل عربي ..هيا ادخلا " واشار الي باب مكتبه ، و بالفعل دلف عمر و اجلس رقية علي كرسي جلدي و جلس جوارها
"امي من اصل لبناني.. للاسف لا اجيد العربية ببراعة.. ولكن اخبراني من اين انتما؟"
قال فيل و هو يأتي ببعض الحلوي و يقدمها لهم ..
رقية:" نحن مصريان"
فيل:" زوجين؟"
رقية:" لا..مجرد اصدقاء"
عمر:" مصادفة رائعة يا فيل ..نشكرك علي كل شيء.. هلا ذهبنا يا رقية ؟"
فيل:" هل تقيمان هنا؟"
عمر :" لا نحن في زيارة قصيرة و سنرحل غدا"
فيل:" عن اي رحيل تتحدث يا سيد؟! مريضتي الجميلة يلزمها الراحة .. هل تنزلان في فندق؟"
عمر:"اجل.."
ظل فيل ينظر الي عمر في انتظار اسم الفندق بينما حدق فيه عمر مترددا الي ان شعر بالحرج و قال:" فندق (--)"
رقية:" انه فندق حقير .. سنغيره علي اي حال"
فيل:" انا خبير بالمنطقة بامكاني ان اردتم ان اتي لكم بغرف ممتازة في فندق رائع قريب من هنا و بسعر خيالي.. لدي معارف عديدة"
تهللت اسارير رقية وقالت :" حقا؟ هلا تفعل لنا هذا؟"
عمر متحرجا: حقا لا داعي ..نحن لسنا بحاجة لذلك"
رقية لعمر هامسة:" اتركه يأتي لنا بغرف افضل.. كف عن الاعتراض مرة"


قام فيل علي الفور بعمل اتصال ما..كان يستعرض في الحديث امامها و يبين اهميته لدي الشخص الذي يحدثه و يتفاخر بأن طلبه قد اجيب فورا.. وبعد ان انهي المكالمة التي استمرت بضع دقائق.. قال:"حسنا يا اعزائي هناك حجز لكما في افضل غرفتين في فندق (--) "
تحمست رقية و شكرت فيل.. بينما شكره عمر باقتضاب وهو يرمق بطرف عينه  رقية التي تبتسم في سعادة.. لم يروقه فيل هذا.. لا يرتاح اليه..
فيل:" هل لديكما سيارة؟"
عمر:" لدي دراجة بخارية"
فيل:" هنيئا لك بها.. و لكن مريضتي لن تركب دراجة بحالة قدمها تلك"
للاسف ادرك عمر ان فيل محقا..
ولكنه فوجيء به ايضا بقول:" حسنا .. تلك هي الخطة.. ستذهب انت يا عمر لتأتي بمتعلقاتكما من الفندق القديم و كذلك الدراجة وتسجل الخروج ، بينما الانسة المريضة تبقي هنا مرتاحة..سأنتهي من عملي في خلال نصف ساعة و سأقلها في سيارتي الي الفندق الجديد و لتلحق بنا هناك "


وعند هذه النقطة رأي فيل وجها جديدا لعمر..فقد نهضا واقفا  حتي انه بدي لرقية  انه اضخم و اطول من المعتاد وقال بنبرة حملت الكثير من التحذير ووضع الحدود :"لا! .. نشكرك  و نقدر اهتمامك  ولكن خطتك لا تناسبنا .. رقية لن تذهب معك"
عقد فيل حاجبية مستنكرا و قال باسلوب مازح غلف الجدية :" لقد فهمت انكما صديقين فقط.. لم تخبرني انك ابيها"
فقال عمر بنفس اسلوب فيل:" وانا فهمت انك طبيب .. لم تخبرني انك خبير تخطيط حياة المرضي"
لم يعلق فيل علي عمر بل وجه حديثه لرقية ساخرا:" اي نوع صداقة تجعله يقرر لك ما تفعلين و ما لا تفعلين؟"
نهضت رقية مستندة الي عمر وقالت:" نوع الصداقة الخاص بنا" وابتسمت و هي تربت علي يد عمر
خفق قلب عمر.. لم يصدق.. كان يتوقع ثورة منها لتدخله و لكنها ابهرته بردها..
قلب فيل المكبوس شفتيه و قال :" ان كنتما سعيدين .. هذا شأنكما.. كنت اريد المساعدة"
رقية لفيل:"ما زال بامكانك المساعة .. سننتظرك لتنتهي ثم توصلنا معا للفندق لنأتي بالاغراض.. ثم تذهب بنا للفندق الجديد.."
قال عمر معترضا:" سنذهب بتاكسي يا رقية"
رقية:" كيف نذهب بتاكسي و ابن عروبتنا موجود؟ هو لن يتخلي عنا .. اليس كذلك؟" قالتها باتسامة رائعة جعلت فيل يجيب محرجا:" بالطبع.. بالطبع بمكانكما الاعتماد علي"
ثم قال وهو يخرج :"سأذهب لانهي عملي ..انتظرا هنا ..لن اتأخر"
قال عمر حين خرج فيل:" ما حاجتنا اليه يا رقية.. لم طلبت منه ان يقلنا؟؟"
رقية :" ولم لا؟ ان عرض المساعدة لم لا نأخذها؟؟  سيوفر علينا ثروة  كنا سننفقها في التاكسي.. كما انه  يجب ان يكون معنا في الفندق الجديد بنفسه لكي يوصي علينا .. لم لا تفكر في مثل تلك الامور؟"
عمر:" لا احتمله انه ثرثار و لزج.. كما اني لا ارتاح له.. انه متطفل .. اعرف نوعيته الذين يفرضون انفسهم.. هل رأيت كيف تجراء و افترض انه سيقلك بسيارته؟"
رقية:" لا اري جرأة في الامر.. اري شهامة ولاد العرب"
عمربالمصري مستنكرا:" انتي عبيطة يا رقية؟!"
رقية:" لا بس بحب استعبط.. ادينا اهو جالنا توصيلة .. و توصية مخصوص.. الاستعباط مفيد جدا ساعات"
عمر:" صدق اللي سماكي مستغلة!"
رقية :" مين الي سماني كده؟"
عمربيأس :" واحد ربنا كتب عليه الشقا"
ضحكت ضحكة جميلة جعلته يبتسم كالابله..
قال:" للاسف اضطررنا لاستخدام جواز سفرك .. الان تم تسجيل دخولك المستشفي رسميا"
رقية:" وهل رجال ابي... اعني جايك سيبحث في سجلات المستشفيات؟"
عمر:" لندعوا الله الا يصل به ذكاءه لذلك"
مرت لحظة صمت و رقية شاردة الا ان عمر قطعها و قال:" ليس عليك اخفاء ان هروبك هو من ابيك.. تأكدي اني اعرف انك تهربين من ابيك المستبد و الزيجة المفروضة عليكي من الفتي مروان"


نظرت له رقيه و ضيقت عينيها وهي تتفحص وجهه لعلها تري اي بادرة اعتراف ثم سألت:" خمنت ذلك؟"


عمر:" انك لم تهتمي باخفاء بعض التفاصيل.. ان اي طفل في السابعة كان ليجمهم معا ويستنتج القصة بسهولة"


اسلوبه في عدم الافادة يبهرها.. هو الان لم يؤكد ان معلوماته محض استنتاج  ..تفادي الكذب .. بارع حقا!  منعت نفسها من سؤاله شيئا اكثر مباشرة.. لم ترغب في المواجهة الان  علي ايه حال.
قالت ببرود:" لن اؤكد لك ان كان تخمينك صحيحا ام لا"
عمر ساخرا:" لا احتاج تأكيدك.. انا اعرف"
لم ترد عليه.. لو ردت سيكون هو من جلبه علي نفسه!
عبس و جهها و اعتراها الضيق.. ان الاسرار و عدم الثقة ترهقها جدا.. ليت الامر غير معقد هكذا.. زفرت في ضيق.
عمر:" ايه اللي قلبك فجأة؟"
رقية باقتضاب:" لا شيء.. اذهب لتري لم تأخر فيل.. استعجله.. قدمي تؤلمني واريد الاستلقاء"


نهض عمر بسرعة و حمل كرسيا خشبيا ووضعه امامها ثم جلس علي احدي ركبتيه و حمل قدمها برفق ووضعها علي الكرسي.. ثم نظر اليها و سأل بحنان:" هكذا افضل؟"


كادت رقية ان تبكي.. كيف يكون بهذه الرقة التي تذيبها؟ انها تكره تأثيره عليها.. و كأنها تفقد سيطرتها علي نفسها.. هي الان غاضبة منه .. نعم! يجب ان تكون غاضبة! كيف يمكن ان يتحكم في مشاعرها.. فقط بنظراته ؟ .. لقد انقلبت في لحظة لراضية عنه بشدة!  كيف فعل ذلك؟؟ 
عمر:" رقية؟ هكذا افضل ام ماذا؟"
اومأت برأسها ايجابا دون كلمة..
فقال:" سأذهب لا ري اين ذهب الطبيب الممل"


                    ***
كان من البديهي ان تجلس رقية في الامام بجوار فيل وهو يقود.. فالكرسي الامامي يتحرك للخلف و يترك مساحة امامه لقدمها .. لذا جلس عمر في الكنبة الخلفية و استمع صامتا في غيظ لحوار فيل الممل عن نفسه و عن امه واصوله الشامية.


وبعد زيارة قصيرة للفندق السابق وصلوا للفندق الفخم الذي حجز لهما فيه فيل.. وقف فيل امامها يتباهي بالاحترام و التبجيل الذي يصدر له من موظف الاستقبال


قال :" هيا اعطوني جوازات السفر وصديقي هنا سيتمم لكما الحجز لاحقا .. فقط اصعدا الان كل علي غرفته و استريحا و لا تحملا هما"
تبادل عمر و رقية النظرات ..
فقال فيل:" هيا اين الجوازات؟؟"
رقية :" لا ادري اين هو جوازي؟"
فيل منزعجا:" ماذا؟؟ ضاع؟ و لكني رأيت عمر يستلمه من الموظفة في المستشفي مع الاوراق الاخري"
عمر:" اعطيته لها بعدها.. هل اضعتيه ؟ انت دوما مهملة يا رقية؟"
رقية و قد استلمت الخيط منه:" اجل يبدوا اني اضعته.. "
فيل:" اوه انها مشكلة كبيرة.. ابحثي جيدا لعلنا نجده"
تظاهرت رقية انها تبحث في حقيبتها الصغيرة.. و لكنها فؤجت بيد فيل تندس معها بقلق شديد و تبحث .. وبالتالي وجد جواز السفر بعد لحظة..
تظاهرت رقية بالاندهاش و الفرحة... بينما وقف عمر يكاد ينفجر من الغيظ و الضيق..
وفيل يقول بحماس:" ياه حمدا لله .. انا يدي ذهبية.. الحظ كله فيها.. لذلك انا طبيب ناجح" وضحك ضجكة رأها سخيفة
اخذ فيل جواز رقية و عمر و قدمهما للموظف ببعض التعالي قائلا:" هؤلاء اصدقائي اريدهم ان يكونا في قمة الراحة.. اتم انت ادخال البيانات و ارسل لهما الجوازات لاحقا"
ثم التفت لعمر و رقية اللذان كانا يتبادلان النظرت القلقة و قال:" اليس لديكما حقائب؟""
هزت رقية رأسها نفيا..بينما كان عمر شاردا في المصيبة التي وقعت للتو.. تسجيل جواز رقية  سيجلب عليهما المصائب سيجدونهما بمنتهي السهولة ان خطر لهما البحث في فنادق المدينة.. بل يكفي ان يكون احدا له احد المعارف في جهاز الشرطة في تلك البلد وسيظهر اسمها و الفندق و الحجرة ببحث بسيط علي شبكة الانترنت الخاصة بالشرطة .
قال فيل :" هيا لنصعد اذن بالمريضة الي حجرتها و لنتأكد انها مرتاحة "
صعدوا في المصعد و رقية تستند علي عمر وفيل يحاول ان يسندها بدوره و لكن عمر لم يعطيه الفرصة  كاد ان يرفعها تماما عن الارض ليبعد فيل.
دلف ثلاثتهم الي حجرة رقية ثم اجلسها عمر علي السرير، بينما هي تتأمل الحجرة و تبدي اعجابها و تشكر فيل علي انقاذهما من الفندق الاخر، حين كان عمر يضع حقيبة ظهر رقية علي كرسي في الحجرة التفت ليجد فيل يفرد لرقية رجلها علي السرير ثم يدثرها بالغطاء
فيل:" لا تتحركي اليوم علي الاقل.. وغدا بامكانك الحركة ان استطعتي و لكن لا تجهدي نفسك.. سأكون قريبا و امر عليك غدا.. هيا لادهن لك الكريم الان قبل ان اذهب .. انه مسكن و معالج.. سيشعرك بالراحة كثيرا"
ثم فتح كيس الدواء و اخرج الكريم ثم جلس علي طرف السرير بجوار قدمها
عمرمتهكما و قد بدأ رأسه يسخن:" هل تقوم بتلك الخدمات لكل مرضاك يا دكتور؟"
فيل مبتسما وهو ينظر لرقية  بينما يضع الكريم علي قدمها المصابة و يدلكها:" فقط ابناء عروبتي"
 ثم اخفض صوته و قال لها :" الجميلات منهم"
ابتسمت رقية وهي تتخيل رد فعل عمر ان سمع تلك الجملة.. بل تمنت ان يكون سمعها..
لم يسمع عمر و لكنه رأي فيل يخبرها امرا بصوت خفيض فتبتسم له ، هذا ما كان ينقصه !
عمر وهو يري فيل قد انتهي ووضع الرباط و الجبيرة ودثر قدم رقية باللحاف:" شاكرين لكل ما فعلت معنا يا دكتور فيل.. فرصة سعيدة.. لنترك رقية ترتاح الان"
فيل:" عزيزي عمر.. ناديني فيل .. ثم ان لا داعي للشكر.. انا متحمس لاني قابلتكما.. احن كثيرا لكل ما هو عربي.. و ما افعله تعبيرا عن امتناني لقبولكما صداقتي"
كاد عمر ان يخبره انه لا يرد من وجه شيئا ة انه لا يقبل صداقته .. الا انه التزم حدود الذوق و الادب فالرجل حتي الان لم يفعل شيئا سيئا..
رقية:" طبعا علينا ان نشكرك.. وصداقتك شرف لنا"
نظر اليها عمر محذرا من خلف ظهر فيل .. فتجاهلته رقية تماما وقالت باصرار:" بل يسعدنا ان تكون صديقا لنا!"
فيل :" الشرف لي انا.. " ثم امسك بكفها و ربت عليه برقة و قال:" سأترك ترتاحين الان و سأمر عليكي غدا.. اتمني لك شفاءا سريعا"
ثم اخرج بطاقة انيقة و اعطاها لها قائلا:" هذه ارقامي الخاصة بامكانك الاتصال بي ان احتجت شيئا في اي و قت"
انتزع عمر منه البطاقة بأسلوب سلس و قال": لا تقلق! لن يكون هناك داعي للاتصال بك"
فيل:" الارقام معكما علي ايه حال.. اراكما غدا"
وحيا عمر الذي اوصله لباب وقال و هو يخرج:" اتركها ترتاح انت ايضا.. هي تحتاج للاسترخاء حتي يعمل المسكن"
ربت عمر علي كتفه ومنع نفسه من ان يدفعه بقوه و قال وهو يضعط علي اسنانه و يبتسم ابتسامة صفراء:" لا تشغل بالك  براحة رقية وهي معي.. كن مطمئن!"
رد له فيل الابتسامة و قال :"حسنا.. الي اللقاء" و خرج.. بينما اغلق عمر الباب خلفه و سبه و لعنه بدون صوت.
نادته رقية:" عمر.. "
هرع اليها قائلا:" ايوة.. تريدين شيئا؟؟"
رقية:" احتاج لحقيبتي.."
جلب لها الحقيبة وسمعها تقول و هو يناولها لها :" لطيف فيل.. الفندق و الحجرة رائعان"
عمر :" رقية.. لا تذكري لي فيل مرة اخري حتى اجد حلا لكارثة جواز سفرك المسجل.. و ارجوكي كفي عن التقرب له لاننا في غني تماما الان عن صديق فضولي متطفل يجلب المشاكل مثله!"
رقية:" انا لم اتقرب له.. انا ابدي امتناني له.. الم تري ماذا فعل من اجلي"
عمر متهكما:" اجل .. اجل.. وخاصة ان ابداء الامتنان هي اكثر سمة تميز شخصيتك"
رقية محذرة:" هل ستعود لاسلوب الحديث الحقير مرة اخري؟"
عمر مهدئا:" لن اعود لشيء..انا لدي ما يؤرقني الان بزيادة.. لن ادخل معك في جدل.. سأذهب لحجرتي الان و استلقي.. احتاج للهدوء.. حاولي انت ايضا الراحة كما اوصاكي فيل"
حمل حقيبة ظهره و خرج شاردا..


وجدت رقية نفسها و حيدة في الحجرة.. للمرة الاولي منذ ان تركت بيت ابيها تكون في حجرة مستقلة تماما.. احساس رائع.. ولكن ينقصه شيئا.. ذلك الشيء الذي يحاوطها دوما.. الذي لم تنم ليلة من دونه منذ ان هربت ..ذلك الشيء هو.. وجود عمر!
كيف ستنام وهو غير موجود قربها؟ ماذا ان احتاجت شيئا؟ كما ان قدمها مصابة من الاولي الا يتركها.. كيف تركها وذهب ليرتاح بعيدا عنها؟؟ بدأ شعور غريب بالوحدة يتسرب اليها.. لم تشعر به ابدا منذ ان هربت  بخلاف تلك الليلة المشؤمة بعد ان افاقت من المخدر و تشاجرت مع عمر فتركها قرب الفجر ورحل.. هي حتي لا تعرف رقم غرفته حتي تتصل به.. كيف لم يهتم حتي بأن يتأكد انها تستطيع الوصول اليه ان احتاجته؟؟
هل ضيقه من فيل جعله ينتقم منها بهذه الطريقة؟ هي تعترف انها استمتعت برؤية وجهه المغتاظ من تصرفات فيل .. ولكن ليس لدرجة ان يقرر اهمالها وهي مصابة..
ثم انه قد...
قطع افكارها دقات علي الباب مما جعلها تتوجس ثم اتاها  صوت عمر يسأل:" ادخل؟"
عقدت رقية حاجبيها في عدم فهم و قالت:" ادخل"
فتح الباب بالمفتاح و دلف الي الداخل اقترب منها واعطاها ورقة مطوية وقال:" ده رقم الاوضة بتاعتي.. ولو انك مش محتاجة تتصلي.. شايفة الباب ده؟"
واشار الي الباب الداخلي في الحجرة و اكمل:" ده الباب الي بيوصل اوضنا ببعض.. هسمعك لو ندهتي"
ثم ذهب الي ذالك الباب و قام بفتحه بالمفتاح ليريها انه يفتح علي باب اخر مفتوح علي حجرته..
عمر:" انا رحت اشوف اوضتي فين عشان اجيبلك رقمها .. لقيت الدكتور صديقك حاجزلي اوضة في دور تاني خالص بعيدة.. غيرت الحجز ودفعت زيادة و جيت جنبك عشان لو احتجتي حاجة"
اعطاها مفتاح غرفتها و قال:" خلي بقي ده معاكي.. انا كنت خدته معايا عشان لما ارجع متقوميش تفتحيلي.. انا هروح واسيبك ترتاحي بقي.. مش هقفل بابك اللي بنا عشان متقوميش تفتحيه.. هقفل بس بابي انا عشان تكوني علي راحتك.. لما تعوزيني اندهي او اتطلبيني في التليفون"
وضع الهاتف اقرب ما يمكن اليها .. وكذلك و ضع زجاجة ماء..
كانت تنظر اليه في صمت.. لقد (كبسها كبسة قوية) حتي ولو امام نفسها.. لقد ظلمته و افترت عليه في رأسها بشكل قاسي.. هاهو يفند كل ظنونها و يطيح بها بعيدا..


ملس علي رأسها في حنان و قال:" يلا نامي شوية.."
ثم تركها و ذهب عبر البابين الموصلين بين الحجرتين..وكما قال بالضبط  ترك بابها و اغلق بابه هو..
ابتسمت في بلاهة بعد ان خرج.. دوما يبهرها بشكل او باخر


ثم قالت عابسة وهي تحدث نفسها:" ولكنه لم يحل لي مشكلة البقاء وحيدة! "