صورتي
القاهرة, Egypt
http://www.goodreads.com/mennafawzi اول تجربة نشر من مدونتي رواية "في أرض الحلم" في المكتبات الان

جميع حقوق النشر محفوظة وغير مسموح بالنقل !
سيتم نشر اسم و لينك الحرامية في قسم "امسك حرامي"

"حبيبة في ارض الحلم".. قصة رومانسية طريفة علي حلقات .(تم حذفها.. موجودة كاملة في كتاب " في أرض الحلم " في المكتبات)

حقوق الملكية يا حرامي!

السبت، 11 يونيو، 2011

اللصة :: (13)



نستطيع القول ان الوضع اصبح مستقرا.. نعم مستقرا الي حد كبير..
اذا استبعدنا اولائك الذين يطاردون جو وقد يصل الامر الي التهديد ويرغبون في امتلاك شهد.. نعم هو مستقر
اذا جنبنا اغارة زوزو المتلاحقة علي رأس شهد، وبث فيها ما يجعل شهد في توتر و ترقب دائم .. نعم هو مستقر
اذا تغاضينا عن القلق المستمر من عودة عدوي الذي يسيطر علي شهد و جو برغم ان الاخير ينجح في اخفائه.. مؤكد مستقر
اذا قلنا ان رغبة شهد دوما في خنق زوزو، ورغبة جو الملحة ازهاق روح حمادة هي "لعب عيال" ..فالامر بالفعل مستقر..

وبذكر حمادة... كان الشاب المسكين يبذل ما في وسعه حتي يتلاشي غيرة صديقه ،وقد صار واثقا منها.. الا انه دائما ما يجد نفسه في موقف لا يعرف كيف وصل اليه.. وينتهي به الامر بنيل قدرا من سخط وغضب صديقه الغيور العصبي..

ما لم يعرفه حمادة.. هو ان تلك المواقف كانت غالبا من تدبير شهد.. فقد ادمنت رؤية جو وهو يتمييز غيظا.. كانت تسعد بشدة حين يكون علي وشك تحطيم وجه حمادة .. حين ينهرها بسبب امرا يصيبه بالغيرة.. حين يغضب و يمسك بذراعها في انفعال ثم ينظر الي عينيها و لا يجد ما يقوله فيتركها في عنف..

احينا كانت تخشي علي نفسها منه.. ليس من غضبه.. فهي اصبحت واثقة انه لن يؤذيها يوما.. ولكنها كانت تري في عينيه نظرات عجيبة ، وكأنها ثمرة فاكهة حلوة شهية يمني نفسه بتناولها.. ربما كانت صريحة مع نفسها وادركت ان ذلك الامر يرضيها بشكل ما ويشبع غرورها.. و لكنها كانت تخشي ان يتخطي حدوده .. وطالما تذكرت حديث زوزو عن اسلوب جو الذي يستميل الفتيات بسلاسة وهدوء..

ما لم تعرفه شهد .. ان جو كان يبذهل جهدا جبارا في السيطرة علي نفسه، كان يتذكر حديث حنان عن ذلك العذاب.. والذي يذوقه الان.. وكثيرا ما كان يقول لنفسه لم عليه ان يخضع نفسه لكل تلك القيود؟.. شهد في النهاية ملكه.. لمن عليه ان يحافظ عليها؟! ولكنه يعود الي فطرته التي تفيض بالرجولة..لا يمكن ان يتخطي حده معها ابدا.. فكونها ملكه لا يعني ان يحط من انسانيتها و كرامتها .. كما ان شهد صارت تعني له الكثير.. لن يقبل ابدا ان يضايقها و لو بكلمة اوحتي نظرة.. لذا صارت اعصابه كيان ملتهب ، متوتر دوما.. حقا ما وصفته حنان ..هو بالظبط ما يحدث..
لا يمنع كل ذلك من كونه مازال مسيطرا.. يعتمر بداخله ما يعتمر .. و لكن ثباته الخارجي كان جزءا من تكوينه.. بل انه احيانا في لحظات الصفاء كان يتعمد ان يعابث شهد ، ويستمتع بردود افعالها البريئة و نظراتها المذهولة المرتابة حين يبدي لها اي تعليق او تصرف قد تعتبره هي خارج عن حدود الادب.. وربما ترد رد عصبي متوتر يبعث علي الضحك تحاول ان تبدوا فيه ثابتة ، قادرة علي الدفاع عن نفسها..
كان يترك لنفسه احيانا مساحة لكي ينفث عن حرارة شوقه اليها.. ربما غازلها.. تأمل ملامحها عن قرب.. حدثها بحنان.. او حتي مرر يده سريعا ليلامس بشرتها.. كانت ترتبك و تتبعد عنه في تخوف.. فيبتسم في خبث و يكف عن الامر..

ما لم يعرفه جو.. ان شهد كانت تنتظر تلك اللحظات بشوق.. برغم ما تبدي من تَمَنُّع لا لشيء سوي ان تضع حدودا،  الا انها كانت تشعر بسعادة بالغة حين يثني علي جمالها و يتغزل فيها..
لم يعرف ايضا شيئا عن شعور شهد بالضيق الشديد من وجود زوزو التي تظهر دوما دون سابق انذار.. كانت تصاب بحالة من الغليان و الذي يظهر بوضوح في ردودها التي تصيب وتؤلم.. و لكن جو كان يظن ان الامر مجرد كيد نساء لا علاقه له به..

هكذا كان الوضع مستقرا... شهد تذهب يوميا  للعمل لدي حنان.. صارت افضل في اداء مهام الوظيفة، كما توطدت علاقتها بحنان ، واصبحت تكن لها معزة كبيرة.. تكررت عزومات حنان التي تجمع شهد و جو، اصبحوا اقرب الي عائلة صغيرة..  في ايام اخري كانت حنان تقل شهد الي البيت بعد يوم عمل وتعفي جو من المشوار.. كانتا تنمان علي جو طوال الطريق.. فتسعد شهد بالحديث عنه و تبتسم و هي تستمع لقصص بطولاته السابقة.. وترتبك وتتعلثم في الرد حين تفاجئها حنان بكلام مباشر او غير مباشر يخص مشاعر جو او مشاعرها..

اما جو فقد صار يمل جدا وجوده بالعمل و يشتاق للعودة للمنزل حيث تكون شهد.. كان لا يأكل العشاء الفاخر عند عطا فدائما تكون معدته ممتلئة من و جبة رائعة اعدتها شهد و تناولاها معا قبل ان يخرج.. نعم !.. شهد اصبحت تقتل وقتها الممل في المنزل في اعداد الطعام بعد ان تعود من العمل.. كانت تحاول اتقان الطعام وتنتظر ردة فعل جو عليه حين يأكل.. وتبتسم في فخر حين يثني عليه..
برغم تفاوت مواعيد عملهما.. الا ان تلك الساعات من اليوم و احيانا من الليل التي يلتقيان فيها، تسعدهما كثيرا و تساعدهما علي تحمل مشاق اليوم..
كان جو في عمله يواجه الاخبار عن عدوي ببرود شديد.. ولكنه في اعماقه..  في نهاية الامر تعب من انتظار لحظة المواجهة تلك الي بات واضحا انها اتية لا محالة.. هل عليه ان يقتله فعلا ان رأي منه تهديدا علي حياة شهد؟ كان الامر يؤرقه بشدة سرا.. ولكنه كان محسوما.. سيتخلص من عدوي الي الابد ان حاول ايذاء شهد!

ومن جهة اخري بدأ صبره ينفذ علي اولائك من يهدودنه ليترك لهم شهد.. و اولائك اللزجين الذين يلحون عليه.. وهو مابين هذا و بين ارشادات الخواجة الصارمة بعدم افتعال مشاكل سببها شهد.. كان الضغط عليه من كل اتجاه .. ولكنه بقي صامدا ..
***
"مالك قالب وشك كده؟!"
كانت هذه شهد تحدث جو اثناء سيرهما معا للبيت بعد مر واصطحبها من العمل.. كان جو يبدوا عليه الكدر بالفعل..
جو:" مصدع بس.. منمتش كويس"
كان هذا اليوم هو نصف يوم عمل لشهد ككل اسبوع.. فتخرج مبكرا ، لذلك يكون الامر شاقا علي جو حين يذهب لاصطحابها..
شهد:" طب مكنتش حقك صحيت عشان تيجي توصلني.. كنت كملت نوم لحد بليل معاد ما بتخرج.. هو انا يعني هتوه؟"
لم يرد كنوع من الاحتقار لتلك الفكرة الغبية.. فهو لا يتركها ابدا لتسير بمفردها..
عادت لتقول بعد ان دققت النظر اليه لوهلة :" لأ .. مش صداع.. في حاجة معصباك"
 لم يعلق علي قولها بل قال مقترحا:" متيجي نعمل حاجة.."
شهد:" حاجة ايه؟؟!!"
جو سارحا :" مش عارف... حاجة نتبسط فيها.. نبعد عن القرف شوية.."
شهد في عدم فهم:" نتفسح يعني؟؟"
جو:" هنتفح فين يا حسرة.. في السوق عشان نقابل طوب الارض ويقلبوا لي مزاجي.. انا عايز حاجة جديدة"
ضحكت شهد وقالت ساخرة:" ناقص تقولي تعالي نسافر الساحل في الويك إنز"
نظر اليها وقلب شفته السفلي متصعنا التقزز و قال:"الويك انز؟!! اسمها الويك إنز؟!! الله يسامحه اللي علمك.. اسمها ويك إند.. ثم وليه لأ هو حنا اقل من اللي بيسافروا الساحل.."
لمعت عيني شهد و قالت:" مرة المعلم مرعي وداني هناك في جو زي ده كده مش صيف اوي.. يا خراشي علي الخيرات اللي طلعتلوا بيها  من القصور و الفلل اللي هناك.. انا ممكن افتحلك الفيلا الي تعجبك تغير فيها جو زي مانت عايز.. فرصة هيكون كله مهجور دلوقتي.."
جو:" هو الداء مش هيطلع من دمك.. خلاص قفلتيني مش عايز اتهبب في حتة!!"
شهد:"يا سلام.. شريف اوي  وسيرة السرقة بتقفلك من كتر الشرف.."
كان جو سارحا ثم قال بابتسامة :" الي قدامك ده عنده حتة ارض في الساحل.."
شهقت شهد و قالت:" اييييه! كذاب.."
جو:" و النعمة الشريفة.. مش بس في الساحل.. في الصعيد كمان.. "
شهد:" دانت من الاعيان بقي.. و سايبني اقولك يا جو حاف كده... بعد كده هقولك يا يوسف بيه"
جو:" نفسي اخطف رجلي  اعد علي البحر كده و الرملة وانسي الدنيا شوية.. "
شهد:" تخطف رجلك؟!!! ده الساحل ده بعيد ياما.. دي بلد تانية.. زي اسكندرية كده.."
ابتسم جو من سذاجتها و قال بحنان:" همة تلات ساعات بالاتوبيس.. "
عقدت شهد حاجبيها في تفكير..

***

"بذمة ابوك كل الارض دي ملكك؟؟!"
كانت شهد تسير علي في مكان صحراوي و تتعثر في الرمال فتمسك بذراع جو و هي تنظر الي المساحة الشاسعة..
جو:" مش كبيرة زي مانت متخيلة.. ده صاحب الارض الي جنبها بيملك يجي عشرين مرة ضعفها.. هي المصلحة انه لما يجي يبني في ارضه يشتري ارضي عشان يضمها عليها .."
لم تكن شهد تهتم كثيرا بشرح جو للموضوع.. كانت تتأبط ذراعه و تنظر للبحر غير مصدقة انه  اقنعها ان يتركا كل شيء و يركبا اول مواصلة لهذا المكان الرائع.. كان لون البحر ساحرا.. و الرمال النظيفة البيضاء تتخلل قدميها الحافيتتين.. ناعمة، دافئة ، و لذيذة..
كان جو يكمل حديثه:" ساعات كده بقرف من كل حاجة.. و اقول  لو بعت الارض دي و خدت تمنها و رحت علي الارض اللي في الصعيد .. بنيتلي فيها بيت.. و بيقيت زي العمد كده.. وارجع و اقول .. اسيب حياتي وشغلي هناك ؟!!"
رفعت عينيها اليه و هو يتحدث في حماس عن احلامه  في بيع تلك الارض.. كم يبدوا رائعا.. وجدت نفسها تتحسس ذراعه باصابعها.. دون ان تشعر.. مما جعله يتوقف عن الحديث و ينظر اليها.. تعلقت عيناهما ببعض .. ابتسمت فابتسم..
تمنت ان يضمها اليها.. بل عقدت امالا كبيرة ان تلك اللحظة ستكون في خلال ثانية او اثنين علي الاكثر.. و لكنه خذلها ..بل ابعدها  عنه برفق .. متظاهرا انه يعبث في شعرها و يدفعها كنوع من المزاح.. برغم الاحباط الشديد كان يجب ان تجاريه في هذا التظاهر بالمزاح فدفعته ضاحكة.. او متظاهرة بالضحك.. و بدأت معركة بينهم من الدفع و التشابك بالايدي.. كان جو بالطبع منتصرا و شهد تصرخ في مرح.. الي ان انحنت و حملت بعض الرمال الناعمة في قبضتها و القتها عليه.. بعد ان تخطي الصدمة ونفضها عنه.. فعل مثلها .. وهكذا بدأت حرب الرمال..حتي صارا كليهما جزء لا يتجزأ من المكان برماله و اتربته..
نظر جو الي البحر و قال :" متيجي ننزل.."
شهد:" مش معايا هدوم تانية.."
جو:" هتنشفي! الشمس تنشف البحر نفسه ."
شهد:" مبعرفش اعوم و عمري ما نزلت البحر.."
جو مندهشا:" عمرك؟!!! لا دانتي فايتك كتير.."
سحبها من يدها.. و برغم ذعرها .. الا انها استسلمت له تماما كانت تثق به.. و لم يحتاج هو ان يطلب منها الوثوق فيه..
كان شعور المياه علي ارجلها في البداية رائعا.. ثم بدأت تتوتر حين وصلت مستوي المياه الي اعلي من وسطها.. كانت ممسكة بيد جو و تقفز معه عند قدوم الموجة..كما اخبرها ان تفعل  .. كان تشعر بقدر بالغ من الاثارة حين تصعد بها الموجة لأعلي و تعود للذعر حين تهبط بها مرة اخري.. ثم بدأت تصاب بالذعر الشديد حين صارت المياه في مستوي كتفها و رقبتها.. تمسكت بذراع جو كطفلة مذعورة.. ضحك و قال :"امال هتعملي ايه؟ لما يبقي ملكيش طول.. انا كل ده و المية لسة عند وسطي.. لازم ندخل جوة اكتر.."
كان  يتعمد  اخفاتها.. فقد صدر منها رد الفعل الذي اراده بالظبط.. جذبت نفسها اليه و تعلقت برقبته و هي تلهث و تنظر للمياة في خوف..
فصاح متظاهرا بالضيق:" هتخنقيني!..افف.. تعالي كده"
 جعلها تدور حوله و تمسك به من الخلف و ظهره اليها .. وكأنها طفلة تركب ظهر ابيها.. كان ظهره عريضا وقد شعرت شهد بالامان في هذا الوضع ، وفي نفس الوقت كان هناك مساحة لجو لكي يسبح و يستخدم ذراعيه..
بعد ان هدأ ذعرها من المياة و اطمأنت انها بأمان .. بدأت تدرك حقيقة الامر.. خفق قلبها في عنف.. هاهي تحتضنه بين ذراعيها.. وتمسك به وتضمه اليها.. لكم تمنت هذا قبل قليل.. بل هذا افضل مما تمنت بكثير.. ازاحت التوتر و الخجل عنها متعمدة ففي جمع الاحوال هي بعيدة عن عينيه التي توترها.. اراحت رأسها علي كتفه واسمتعت بالمياه وكانها علي ظهر بارجة من العضلات..

اما جو فقد كان يسبح بهدوء و يترك نفسه و شهد ينسابا مع الامواج الهادئة بعد ان تخطيا منطقة (قلبة الموج) .. لن احكي عن سعادته.. و لا عن شعوره بأنه لو مات الان ..سيموت سعيدا لا يريد شيئا اخر من الدنيا.. وضع يده علي ذراعها الملفوفة عليه من الخلف و كأنه يثبت مسكتها و لكن في واقع الامر كان فقط يريد ان يلامس يديها.. لم تمانع هي .. لدرجة انه شك انها راحت في النوم..
فقال بهدوء:" شهد؟"
اصدرت صوتا هائما من الخلف فوق كتفه حيث رأسها: " همم"
جو:" انتي نمتي؟"
شهد وكانها نامة:" لأ بس المية حلوة اوي.. اسكت بقي..و سيبني اتمتع.."
ربت علي ذراعها و لم يبعد يده.. ابتسم و اكمل سباحة..
لم يدريا كم مضي عليهم من الوقت.. قضيا الوقت في صمت كل منهما مستمع بذلك القرب الحميم و المياة والجو الرائع..

فجاة قالت شهد:" الشمس هتروح.. مش هننشف!"
انتبه جو الي انها محقة:" فدار وسبح بها الي نحو الشاطيء و لكن قبل ان يصلا حيث صارت الامواج قاسية قرب الشاطيء.. جذبها ليمسك بها باحد زراعيه بقوة  و عاد بها اخيرا..

جلست علي الرمال تنظر للسماء في محاولة لتجد افضل وضع لتلحق الشعاع الباقي من الشمس..
ولكن هيهات ان الوقت قد اقترب من الغروب  حتي النسمات تحولت لهواءا باردا..

مشكلة جو كانت بسيطة .. فهو قد خلع (التي شيرت) و بنطاله و بقي بشورت داخلي قبل ن ينزل الي الماء.. ولكن شهد كانت بكامل ملابسها المكونة من (تي شرت) و (وبنطلون) بالاضافة الي شعرها الغزير المبتل..
قال جو وكانه يحدث نفسه بجدية: " كده هيجيلك برد.. برد ايه؟ ده التهاب رئوي اقل واجب!! و لو قلنا مش مشكلة و طلعنا الطريق عشان نركب  حاجة.. مش هينفع بمنظرك ده.. " واشار الي (التي شيرت) الذي ترتديه.. فنظرت الي نفسها حيث يشير و جدت ان البلل قد جعل (التي شيرت ) الابيض شفافا لدرجة ان ملابسها الداخلية واضحة كوضوح الشمس التي كانت هنا قبل قليل و لم تلحق بها ..
وضعت يديها علي صدرها في حركة تلقائية .. فالقي اليها (بالتيشيرت) الخاص به الغير مبتل ..
قال:" طب كحل مبدئي.. البسي ده"
 امسكت به شهد ثم نظرت حولها و قالت بغباء:" فين؟"
قال جو في غيظ:" هيكون فين يعني؟؟! في الاوتيل السبع نجوم؟؟!! هنا.. انا هدور و شي.. اخلصي عشان الدنيا لو ضلمت مش هنعرف نوصل للطريق اللي برة من اساسه"
توجست شهد قليلا و لكن خوفها من بقائهما في هذا المكان القاحل في الظلام كان اقوي من اي شكوك او توجسات..
ما ان اعطاها ظهره حتي انتظرت لبضع ثواني للتأكد من انه لن يستدير لها .. ثم غيرت (التي شيرت ) في سرعة قصوي
 شهد بعد ان انتهت قالت :" خلاص"
استدار و تفحصها بدقة عند منطقة الصدر.. مما جعلها تضيق بالامر وتقول بعصبية:" ايه؟؟ بتبص كده ليه؟؟"
جو بانفعال:" اتنيلي علي عينيك.. مانتي كنتي قدامي اربع ساعات في البحر مجتش جنبك.. ايه؟ بشوف الهبابة دي شفافة زي التانية و لا لأ!"
صمتت شهد بعد ان احرجها..
فعاد ليقول وهو يرتدي بنطاله:" طب مش كده احسن؟ نقدر نمشي لأول الطريق ونركب ميكروبص يوصلنا لاي حتة  ناكل فيها و بعدين ناخد الاتوبيس  و نرجع .. علي منوصل للمطعم يمكن تكوني نشفتي شوية.."
شهد بنبرة لائمة :" اه نشفت من البرد... وانت هتمشي من غير حاجة من فوق كده.. هتعيا! قلتلك كانت فكرة غبية و انت اصريت ننزل المية برضه!"
جو:" يا لهوي علي ور النسوان.. مانتي كنتي قاعدة ساكتة بقالك اربع ساعات .. جاية تتكلمي دلوقتي... اقسم بالله .. دول كانوا احلي اربع ساعات قديتهم في حياتي من ساعة ماعرفتك! ...عارفة ليه عشان مسمعتش فيهم صوتك!"
شهد:" طب خلاص هخرس خالص و متفكرش لسانك ده يخاطب لساني تاني ابدا!"
نهضت من مكانها وتحركت ماشية بعصبية و بيدها فردتي حذائها و باليد الاخري ملابسها المبتلة.. تعثرت عدة مرات في الرمال الي ان لحق بها جو و مد ذراعه اليها.. تأبطتها في غيظ و علي وجهها كل علامات الاستياء منه..

وبعد رحلة شاقة وباردة ووسط نظارت  الكثير من الناس للشاب العاري الجزع.. وصلا الي كافتريا  تابعة  لاحد الفنادق الحقيرة الرخيصة .. و التي تأكد جو انها تستخدم غالبا في الدعارة  ، حيث انه عندما سأل عن امكانية ايجار حجرة ، لم يطلب احدا منهما اي اثبات زواج..
جو لشهد:"انا اجرت اوضة.. احنا نطلع كل واحد يستحمي احسن الملح اكلني خلاص.. و فرصة نحاول ننشف الهدوم.. و ناكل وبعدين نتكل علي الله"
قلبت شهد شفتيها في عدم اكتراث.. فهي مازالت لا تحدثه..
ماان ادخلا الحجرة حتي توجه جو للشرفة ، تاركا لها الحجرة باكملها حتي تكون علي حريتها. قام بنشر (تي شيرت) شهد علي احد الكراسي وجلس علي الكرسي الاخر.
فوجيء بها تناديه من داخل الحمام  بعد فترة وتطلب منه ان يناولها (التي شيرت) ..
جو:" انتي مش مبتكلمنيش؟! اطلعي انتي خديه؟"
لم ترد بل مدت يدها في اصرار من فتحة الباب الصغيرة جدا..
قال:" و من امتي الثقة دي.. مش دايما عاملة فيها ابلة حريصة"
شهد بغيظ من خلف الباب:" هحرص من ايه؟! منا كنت قدامك اربع ساعات في البحر مجيتش جنبي!"
 ابتسم و قد ادرك  ان قوله علي الشاطيء اغاظها.. فمد يده اليها عن بعد بال(تي شيرت) وقال محدثا اياها من خلف الباب: " لا بس دولقتي حاجة تانية.. احنا بنكلم في هدوم مقلوعة وملبوسة وحكاية ..."
قاطعته بسحب الملابس من يده بعنف وصفعت الباب في وجهه..
ضحك في خبث.. و عاد الي مكانه في الشرفة..
***
جلست شهد بدورها في الشرفة تتابع المارة في الشارع الضيق الحقير حيث يطل الفندق.. كان جو بالداخل يفعل ما فعلت هي قبل قليل..
لا حظت امورا مريبة ، و نساء عجيبة الشكل تدخل و تخرج .. ادركت ما ادرك جو قبل قليل .. هذا الفندق مريب بشدة.. قطع تفكيرها شخص يجري قادما من اخر الشارع .. و صاح بشيء غير واضح لحراس الفندق الواقفين علي البوابة.. مما جعلم يهبون من اماكنهم و يتبعثرون جريا الي الداخل وكأنه حذرهم من امرا ما.. ثم سمعت جلبة في الداخل و اقدام كثير تجري في طرقات الفندق و علي السلالم.. حسها الاجرامي اخبرها ان الامر لا يبشر خيرا.. دلفت مسرعة لداخل الحجرة و طرقت الباب علي جو قائلة:" جو .. لازم نمشي من هنا دلوقتي.."
فقال: من الداخل" هو انت مش عاملة مبتكلمنيش؟ ثم نمشي ليه دلوقتي؟"
لم تدري بم ترد و لكنها قالت بجدية:" مش وقت اسئلة دلوقتي.. اطلع بسرعة .. لازم نمشي"
خرج اليها و هو يكمل ارتداء ملابسه و قال:" ليه؟"
سمعا صوت سارينة سيارة الشرطة.. و كأي شخصين  مثلهما .. كان التصرف سريعا فهما لم يتوقفا لتقبل المفاجأة او للارتباك.. بل اسرعا معا الي الشرفة.. حيث انه معروف ان في مثل هذه الحالات السلالم اختيار غير موفق..
قفزت شهد اولا و صعدت علي الماسورة الجانبية -والتي ميزت مكانها فورا- الي السطح في سرعة .. و تبعها جو .. وصلا الي سطح الفندق.. اشار لها جو في سرعة الي سطح المبني الملاصق.. و بالفعل توجها اليه .. قفز جو اولا ثم مد يده ليعاونها..  وقفا يلهثان لثانية .. ثم اقترب جو من الباب المؤدي لسلالم المبني الذي هم علي سطحه.. انه باب حديدي مغلق بقفل.. كيف سينزلان؟؟ .. المواسير الان بعد تجمع المارة في الشارع  امرا غير وارد..
وقف حائرا يدرس المسافة بين سطح ذالك المبني و المبني التالي.. كانت ابعد كثيرا من السابقة.. قد يجتازها هو لكن ربما لا تستطيع شهد.. اما شهد فقد امسكت بالقفل تتفقده.. ثم بحثت عن شيئا ما في الحطام المبعثرة في كل مكان .. و اخيرا وجدت ضالتها..  تابعها جو في صمت محاولا فهم ما تفعل...  وجدها تدس ذلك الشيء المعدني الرفيع في ثقب القفل..  عالجته بطريقة ما و.. "طك" وقع مفتوحا!  نظرت اليه في تفاخر.. و لكنه لم يعلق بل دفع بها امامه لينزلا السلم في خفة مسرعين .. و قبل  ان يخرجا من مدخل المبني.. وقفا ليهندما نفسيهما و خرجا بهدوء.. شهد متأبطة ذراع جو... مشيا بهدوء و سط المارة المحتشدة و الشرطة المحاصرة للمبني الفندق..
سمعا عبارت علي غرار.." الله يحرقه فندق".. "كل يوم البوليس هنا" .. "ربنا يتوب علي المنطقة من لاشكال دي" ..
ابتعدا عن ذلك الشارع في سلام ..

قالت شهد:" طب مانت صايع اهه.. و النبي انا وانت نعمل عصابة عسل.. انت الاكشن و الحركات و انا الفتح و التسليك"
جو:" بس يا بت"
شهد:" تنكر ان لولا صوابعي الحلوة دي.. كان زمانا محبوسين في السطوح لحد ما حد كان لمحنا و رحنا في سين و جيم"
لم يرد ليغيظها..
فقالت بغيط:" علي فكرة انا لسة اصلا مبكلمش معاك.. متكلمنيش تاني!"
ضربها علي راسها من الخلف ضربة خفيفة و ابتسم في حب..

رن هاتفه.. اخ انه الخواجة..
"انت فين يا جو؟؟"
جو:" انا تعبان قوي يا ريس و مش قادر اجي الليلة؟"
الخواجة:" نعم؟! من امتي؟ و مقلتش من بدري ليه؟"
جو:" كنت فاكر اني هقدر اجي.. بس مش قادر.."
الخواجة:"جو.. انت مش عاجبني!"
جو:" تعبان يا ريس!"
الخواجة:" بكرة تكون موجود في معادك.. مش عارف هفضل اديك فرص لحد امتي؟"
جو:" انا بتاعك يا ريس.. وعمري ما اخذلك"
الخواجة:" بكرة تكون موجود!"
جو:" امرك يا ريس"
وانتهت المكالمة
زفر جو في ضيق و قال :"يظهر حنان عندها حق"
شهد:" بتقول ايه؟"
جو:" تخيلي اني موجود كل ليلة.. ولا مرة مرحتش.. و بعد كل اللي عملته عشانه.. بيتعصب عليا عشان بقوله تعبان!"
ضحكت شهد ضحكة طفولية و قالت:" هو الخواجة بتاعكوا ده بيعرف يتعصب؟!"
ابتسم جو للملاحظة التي هي في محلها و قال بنصف ابتسامة ساخرة:" يعني اتعصب علي قد ما بيعرف.. يعني قال تلات كلمات زيادة عن الكلمتين الاساسي بتوعه.."

ابتسمت شهد و هي تنظر حولها و قالت في قلق:" متيجي نسرع شوية المنطقة هنا لبش قوي و كل شوية يعدي نجوم و دبابير.."
بالفعل نظر جو حوله كان تواجد الشرطة كثيفا.. لذا دفع بها لشارع جانبي مظلم وسارا به حتي و جدا نفسيهما في طريق رملي شبه ممهد..
شهد:" انت عارف احنا فين؟"
صمت مفكرا و هو يتلفت حوله:" غالبا اخر الطريق ده يطلعنا علي الطريق الصحراوي نفسه.. نركب منه اي حاجة.."
شهد:" غالبا؟!! يعني مش متأكد؟!"
جو:" هيحصل ايه يعني.. ادينا هنجرب,, مش احسن من المنطقة اللبش دي"
شهد:" انا عارفه انا كان ايه الي خلاني اوافقك علي المشوار المهبب ده؟؟"
قال في خبث:" الكام ساعة بتوع البحر يستاهلوا التعب"
لم ترد.. كانت بدأت تتعب من السير.. مشي بها مسافة طويلة الي حد ما .. و ما جعلها اصعب انه دخل بها في الرمال مرة اخري..كان طريقا ممهدا داخل الصحراء.. وفجأة ظهر لهما رجلان بدو يحملان سلاحا..
الرجل ملوحا بسلاحه:" بتسووا ايه هنا؟.. ارفع يدك انت و هي لفوق"
رفعت شهد يدها بسرعة و الصقت نفسها بيوسف، وكذلك فعل يوسف بهدوء..
فاقترب الرجل منه و و قام بتفتيشه.. و اخذ منه حافظته وهاتفه.. ثم و جه سلاحه لشهد و قال :" طالعي اللي معاكي.. ما تخليني افتش الحريم".. فاخرجت شهد من جيبها بضع نقود.. واعتطها له..
فقال الرجل:" بتسووا ايه هنا؟ عايزيين حشيش؟؟"
  قال جو بهدوء:" احنا هاربانيين و عيب لما ولاد الكار يرفعوا سلاح علي بعض.. انا سبتك للاخر علشان البسك الغلط ويبقالي عندكوا حق عرب"
الرجل:"ولاد كار كيف؟؟"
جو:" السلاح اللي انت ماسكه ده و بتهددني بيه.. من عند الريس عبود.. و انا كمان من طرف الريس عبود"
عقد الراجل حاجبيه و قال:"الريس عبود في مصر.. ايش جابك هنا؟؟"
جو:" جيت اشم هوا.. البوليس كبس علي اللوكاندة" قالها هو يشير الي شهد
ابتسم الرجل في خبث و قال:"ممم عُشّاج"
همت شهد بالاعتراض علي سمعتها التي تلطخت بالوحل للتو... الا ان جو اسكتها بضربة كوع..
فقال جو:".. الله ينور عليك.. هات الحاجة.. و قولي اطلع الطريق منين؟"
الرجل:" لا.. ايش دراني انكوا مش جواسيس الحكومة؟ قدامي.. هتيجوا معايا؟"
جو:" معاك فين يا شيخنا؟؟ احنا لازم نرجع القاهرة.. الريس عبود هيزعل جدا لو عرف.."
الرجل:" ما لي دخل.. حديثك بيكون مع الشيخ فريج.. قدامي"
جو:" انت كده هتركب غلط كتير قوي.. انا معاك للاخر... "
بالفعل قادهما الرجلان مشيا مسافة اخري طويلة  داخل الصحراء حتي كادت شهد ان تبكي..
الى ان لاح امامهم ما يشبه المخييم.. ووسطه مبني بدائي من دورين..
تحدثا الرجلين البدو مع حراس المخييم.. بقي منهم الصامت في الخارج بينما  مر الاخر معهما بالاضافة الي حارسين اخرين من حراس المخييم ..
طلب منهما احد الحراس  ان يتبعوه..
قالت شهد بصوت خفيض:" هو واخدنا فين؟ انا رجلي اتكسرت.كانت شورة مهببة"
جو:" ششش هنا اامن مكان نداري فيه .. ومش بعيد يوصلونا"
صمتت شهد بدون ان تفهم..  البيئة المرتابة و السلاح والحراس  لا تشعرها بالغربة ولا تخيفها.. بل علي العكس بالنسبة اليها افضل من البشر الطبيعية و الشرطة.. تحاملت علي نفسها في السير حتي وصلا الي ساحة ذلك المبني حيث يجلس شخص بدا عليه من هيبته انه هو الشيخ فريج.. كان مجلس عربي حول نار كبيرة في المنتصف.. بعض الاشخاص يجلسون معه حول النار بعضهم يبدوا عليهم انهم من البدو او كما يطلق عليهم (العرب) و البقية اشخاص في ملابس عادية..
تقدم الرجل الذي قبض علي جو و شهد من الشيخ و اخبره عن ما لديه..
رفع الشيخ رأسه وقال":الريس عبود حبيبي.. ايش امارتك انك من رجاله؟"
جو:" اخر وارد للسلاح جالكوا من عندنا كانت بعد اتفاقية مع الخواجة.. 80 صندوق.. و الامارة عربيات التوصيل مشيت 30 كيلو وسط الشجر اللي بين طريق الرايح و طريق الراجع.. دي كانت فكرة الخواجة عشان الكمين"
ابتسم الشيخ و قال:" وكانت فكرة مبتكرة! اهلا اهلا بالرجال من طرف زين الرجال"    
ثم نظر الي شهد و داعب ذقنه و سأل:" و مين الحلوة؟
لف جو ذراعه علي كتفها وكانه يثبت ملكيته و قال:" انا يوسف علي فكرة.. ودي شهد.. بتاعتي.. اشتريتها من الخواجة.."
الشيخ:" يازين ما اخترت يا يوسف.. ما كنت اعرف ان الخواجة الندل بيبيع حريم؟؟ ليش ما قال.. كنت سبقتك" و اطلق ضحكة قصيرة لا معني لها..
جو:" احنا لينا عندكوا حق عرب يا شيخنا.. رجالتك قللبوني.. انا سيبتهم بمزاجي.. "
صاح الشيخ بالرجل الذي قبض عليهما:" رد حاجته يا ولد!"
اخذ جو منه الحافظة و الهاتف و هو ينظر اليه نظرة شماته و كانه يقول:" مش قلتلك!"
ثم قال الشيخ:" اقعد يا يوسف.. اقعد.. العشاء جاي.. ليك عندنا حق"
جو:" لا.. لو ممكن توصيلة لمصر.. نبقي كده خالصين"
جذبت شهد ذراعه لتلفت انتباهه اليها، ثم اشارت الي فمها بما يعني.."لنأكل اولا"
فهمس :" من امتي الفجعة دي؟؟!! يا بنتي خلينا نروح احسن.."
شهد بصوت هامس ايضا ووجه بائس:" جعانة.. مكلتش من الصبح.. هيغمي عليا"
القي نظرة جانبية الي الشيخ الذي مازال يعبث في ذقنه وينظر ناحيتهم، ثم قال لشهد:" مش مرتاح للراجل ده! نمشي احسن!"
شهد بعصبية تقترب من البكاء وصوت خفيض:" امشي انت! انا رجلي ورمت و جعانة وعطشانة.. و كل اللي احنا فيه دا اصلا بسبب افكارك.. انا مش هتحرك من هنا غير اما استريح و اكل!!"
نظر جو للشيخ مرة اخري و عاد ينظر لشهد ثم نفث في غضب ودفعها لتجلس علي الوسائد الملقاة علي الارض قائلا:" طيب اتهببي!"
ثم جلس بجوارها..
فقال الشيخ عن بعد:" لا لا  انتو ضيوفي و بنحتفل بيكوا الليلة.. تعالوا هنا قربي"
فقال جو:" لا .. احنا قطعنا مجلسكوا.. خلينا هنا وخليكوا علي راحتكوا "
الشيخ في اصرار:" لا ابدا.. مجلسنا يتشرف بيكوا..قوم تعالا انت و الحلوة"
قام مع شهد و توجها ليجلسا قربه حيث اشار اليهما..
همست شهد:" هو ده شيخ ايه يعني؟؟ راجل بتاع ربنا؟؟ امال بيعرف اشكال معلمك السو دي ليه؟؟"
جو:" بتاع ربنا ايه يا هبلة.. ده اكبر تاجر حشيش في الساحل.. شيخ هنا يعني زي معلم كده.. الريس عبود بيوردله هو عصباته سلاح اد كده..ده زبون كبير اوي"
شهد و هي تلوك قطعة لحم:" و النبي افتكرته راجل كويس"
كاد جو ان يجن من برودها و غباءها.. هاهو يجلس قلقا فهو هنا لا حول له و لا قوة ، محاطا بالاسلحة التي لا يضمن اصحابها، لا يملك اي سلاح.. لا يدري كنه او طبيعة اي شخص موجود هنا.. نظرات الشيخ لشهد لا تعجبه..  و هي تجلس بمنتهي البرود تأكل و تتحدث في امور تافهة وغبية..
قال الشيخ:"هتبيتوا هنا الليلة و الصبح عربية بترجعكم مصر، السفر بلليل كله مخاطر و كماين"
جو:" لا طب خلاص احنا هنتصرف.. بس ممكن توصيلة للطريق نفسه"
الشيخ بحدة:" ابدا !! ما يصير! انتوا ضيوفنا و ليكوا حق عندنا.. ما نترككم علي الطريق ابدا.." ثم اكمل بنبرة حازمة:" هتباتوا الليلة .. و بكرة تسافرواّ"
قالت شهد:" و ماله.. نريح و النهار له عنين.. كماين البوليس دي بتقلبلي معدتي.."
نظر اليها الشيخ و قال:" سلامتة معدتك يا حلوة.."
قال جو مقاطعا و قدأ بدأ يغضب:" و هنبات فين يا شيخنا.."
الشيخ مشيرا الي المبني الوحيد في المكان:" الحلوة جوا في داري مع الحريم.. وانت هتلاقي هنا افخم خيمة جاهزة عشانك!"؟
هل الرجل يخطط لشيء ما غير مريح بخصوص شهد... ام ان جو صار مرتابا فيما يخصها؟!!
قال جو هذه المرة بحزم:" لا يا شيخنا.. شهد مبتفارقنيش! ومبتغيبش عن عيني.."
الشيخ:" كيف يعني؟ عايزين تناموا في خيمة واحدة؟؟!! عوايدكم بتاعة مصر ما بتصير عندنا.. احنا هنا عرب..الحريم في الدار و الرجال في الخيام"
جو:" هو مش انت بتنام يا شيخنا في الدار برضه و لا ايه؟!"
قال احد الرجال في الجلسة مدافعا بحماس:" الشيخ فريج اب لكل واحدة.. "
قال جو وقد انتهز فرصة ان حديثه موجه لشخص غير الشيخ فريج فاخرج فيه انفعاله المكبوت:" ماليش فيه!  شهد مبتفارقنيش.. وعشان عوايدكم ..مش هنام في خيمة .. هنفضل قاعدين كده برة هنا جنب النار للصبح.. اظن دا ما يضايقكش عوايدكم في حاجة؟!!"
قال الشيخ فريج بعند:" بكيفكم.. البرد هياكلكم.. وهتندموا"
ومن بعدها لم يوجه و لا كلمة او حتي لفتة لاي منهما .. تجاهلهما تجاهل تام..
تكلمت شهد بعد ان تابعت الحديث في صمت قائلة:"الشيخ باين اتقمص ... مسبتنيش ليه انام جوة مع الستات؟ مش كان زماني فاردة ضهري..."
جو:" انهي ستات؟ انتي شفتي بعينك ان في ستات جوة؟!"
شهد:" يعني هو الراجل هيكدب؟؟.. شكله كبارة ومحترم! و هيقول كده ليه يعني؟!!"
جو في عصبية:" انت بتستعبطي يا بت؟! "
لاحت علي شفتي شهد شبح ابتسامة.. فعلا كانت تتصنع السذاجة.. فهي منذ ان جلسا بقرب الشيخ و لاحظت نظراته الغير بريئة اليها.. ادركت سر توتر جو.. وكما تشكك يوسف من امر النوم في الداخل.. تشككت هي الاخري.. ولكن اعجبها بشدة تمسكه الشديد بموقفه برغم انهما محاطان برجال الشيخ و اسلحتهم.. لم تكن قلقة بالمرة فهي تعلم ان معها اكثر الرجال رجولة.. لم تعبأ بنظرات الشيخ و لا اسلحة الرجال و لا الصحراء و لا شيء.. هي مطمئنة انها في ايد امينة..
بعد ان انتهي المجلس و الطعام.. قام الشيخ يحي بعض من ضيوفه و يودعهم ، ثم القي تحية مساء مقتصبة ليوسف و شهد و توجه لداخل ذلك المبني الذي قال عنه داره.. انفض الناس المجتمعة..كل ذهب لحاله او لخيمته بينما بقيا شهد و يوسف بمفردهما في وسط المخييم امام النار..
سرحت شهد تتأمل الوضع.. رأت في الامر رومانسية حالمة.. ها هي تجلس مع جو في الهواء الطلق.. فوقهما سماء رأئعة تكاد تلمس نجمومها من شدة الصفاء.. وامامها نارا تشبه تلك التي بداخل قلبها.. عبثت باصابعها في الرمال النامة تحتها .. برغم الظرف الذي هم فيه.. كانت سعيدة
يوسف باهتمام:" بردانة؟"
شهد:" شوية.."
يوسف :" طب تعالي.."
كان هو مستندا بظهره الي جذع نخلة.. مد ذراعه نحوها يحثها علي الاقتراب منه..
فقالت شهد بساخفة ونظرة مستنكرة:" نعم؟! اؤمر؟!"
يوسف:"تعالي يا بت.. تعالي بدل ما اقوم اجيبك!"
ذهبت قربه وجلست بجانبه واسندت ظهرها الي جذع النخلة.. فقام بلف ذراعه حولها و ضمها اليه قليلا..
صمتت شهد في محاولة للسيطرة علي قلبها الذي كان يخفق في هيسترية.. كم هو رائع الاقتراب منه.. كم تشعر بالدفء بقربه.. ودت لو اراحت رأسها علي كتفه كما يفعل العشاق.. و لكنها منعت نفسها.. بل حتي جعلته يظن انها غير مرتاحة لهذا الوضع.. فهي تؤمن دوما بحتمية وضع حدا له..
شعر جو ان هذا الوضع و ترها و لكنه لم يبالي.. الليلة ليست ليلة ارضاء شهد.. تشبثه بها هكذا يجعله اكثر اطمئنانا و اقل توترا.. كان قلقا وخائفا من اي خسة او غدر من اي شخص في هذا المخييم .. هكذا يشعر انه يخبئها  و يكنّها ..كما ان الجو باردا حقا و قد بعث قربها منه الدفء في جسده..

تابع كليهما النار في صمت.. ثم قطعه جو قائلا:"تفتكري يا شهد ينفع الواحد يغير كل حاجة في حايته مرة و احدة"
شهد:"اسأل اي بنت من اللي بتبيعوا و تشتروا فيهم.. فجاة كله بيتغير مع المالك الجديد.. السكن و الشغل و العيشة  و كل اللي اتعودت عليه.. عادي و بتعيش و تكمل"
صمت و لم يرد..
شهد:" متكلم حمادة تطمنه علينا حتي يبقي حد عارفلنا طريق"
جو و قد استدار اليها برأسه محدقا بها:" و ايه اللي فكرك بسي زفت.. حتي واحنا في اخر الدنيا في الحوسة دي ما بيروحش عن بالك؟!"
شهد:"طب بلاش حمادة كلم حنان"
جو:" لا هكلم زوزو!"
شهد بغيظ و حدة:" كلم اللي تكلمه.. انا مالي.. انا غرضي ان يبقي حد عارف احنا فين.. قدر مارجعناش؟!"
ضيق ذراعه  ضاغطا عليها عدة مرات متتالية و هو يقول:" بتعلي صوتك؟! بتعلي صوتك؟!"
في كل مرة كانت تصطدم بوجهها في صدره... الي ان وضع يده اخر مرة علي شعرها و تحسسه بينما وجهها مدفون في صدره.. استسلمت شهد للامر.. كانت تسمع صوت دقات قلبه..و كأنها تحدثها.. اخذت نفسا عميقا وعبئت صدرها و انفها برائحته..ثم ابعدت رأسها بصعوبة.. ونظرت الي وجهه و قالت:" جو.. انت زودتها اوي!!"
ضربها علي رأسها من الخلف ضربة خفيفية و قال :" انت هتحاسبيني؟؟!.. انا اعمل اللي انا عايزه..قال زودتها قال! يا بنتي انتي ملكي.. اعمل اللي علي كيفي.. ابيع و اشتري فيكي.. ابهدلك.. امرمطك.. اعمل كده.. او كده... او كده"
كان يقول "كده" تارة و هو يعبث في شعرها فيبعثره.. وتارة يعبث في وجهها بيده ليضايقها.. وتارة يخبطها علي رأسها.. و هي تداري و جهها ورأسها بيديها لتحميهما من مزاح الصبيان السخيف..

ثم ثبت كتفيها  ليبقيها معتدلة امام و جهه و قال بخبث:"او حتي  ابوسك.."
اتسعت عينا شهد و قالت بعصبيه تداري ذعرا:"لا علي فكرة.. لو فاكر اني بعزك و مش هأذيك تبقي غلطان.. "
ضحك ساخرا وهو مازال ممسكا بها علي نفس الوضع:" هتعملي ايه؟ اخرك ايه يعني؟"
شهد:"افتكر كويس عملت ايه في عدوي"
فقال بنفس السخرية الباردة:" عدوي دا عيل اي كلام..  انت دلوقتي مع جو.. وريني اخرك"
وبدأ يتظاهر بأنه سيقترب منها..
فجأة تحولت نبرتها العصبية المتعالية الي نبرة مسكنة وبؤس و قالت:" خلاص يا جو.. عندك حق انا فعلا ملكك وانت من حقك اي حاجة.. لو ده يرضيك اعمله.. انا راضية ضميرك و شهامتك"
افلتها من يده و قال في شماتة:" ما كان من الاول!"
ابتعدت عنه  بمسافة قصيرة وجلست تتمالك اعصابها..
فقال شامتا :"مانتي لو من الاول تفهمي حجمك.. ومتبوقيش معايا ..كنت رحمتي نفسك من البهدلة دي"
ثم مد زراعه مرة اخري و قال:" تعالي تاني اتهببي هنا.. الدنيا برد و انا كنت مدفي"
ترددت كثيرا،  فقال:" تاني؟؟.. عايزة تتبهدلي تاني؟"
فقامت بتؤدة و جلست بجواره مرة اخري.. فربت عليها في حنان شديد بعد ان ضمها اليه..
صمتا تماما وسرحا في النار..
كان جو يفكر في ان و جودها بقربه يجعله لا يذكر للدنيا هما.. ها هما في موقف غير آمن تماما و قد كان قلقا مرتابا قبل قليل.. الا انها جعلته يمازح و يعابث و يستمتع .. واي استمتاع .. هذا الاسلوب و ردود افعالها عليه يجعل الامر رائعا..
اما شهد فقد هزها الامر هذه المرة كثيرا.. ان جو دوما يربكها بتلك التصرفات.. احيانا تدرك انه مزاح، و احيانا مثل الان تظن به الظنون و تخشي علي نفسها منه.. ثم يجعل منها اضحوكة في النهاية..
ظلا صامتين يستمتعان بالدفء الذي ينبعث من داخلهما .. كانت لحظات رائعة مثل تلك التي مرت بهما ظهرا اثناء السباحة... ود كل منهما علي حدة الا تنتهي ابدا.. ساد الصمت الي ان ذهبا في النوم علي هذا الوضع..اراح جو رأسه للخلف مستندا الي النخلة بينما اراحت شهدد رأسها علي كتفه.. لو ان هناك تعريفا يمزج الامان مع الحنان مع الدفء مع السعادة  ، لكان  ما تشعر به الان..

استيقظ جو بعد فترة من اثر البرودة.. شعر انه علي وشك التجمد..فتح عينيه ليجد ان شهدغير موجودة.. دار بعينه حوله علها تكون نامت بعيدا.. الا انها لم تكن في اي مكان..
انتفض قلبه!
اين هي؟ هل حدث ماكان متوقعا؟؟
ماذا عليه ان يفعل؟ كيف سيهاجمهم؟ لا سلاح لديه؟؟
 كان يفكر و هو متوجها بسرعة نحو المبني الخاص بالشيخ..
ادرك ان الامر انتحاريا و لكن لا يهم.. لن يتركها حتي لو مات في سبيل الامر..
فجأة سمع صوت "بسبسة"، استدار علي امل ان يجد شخصا شهما متخفيا سيساعده.. و لكنه و جد شيئا اخر، انها هي.. لقد ميزها في الظلام علي ضوء النار.. سليمة معافاة .. تقف بعيدا و علي وجهها ابتسامة عريضة..
الشكر لك يا رب..
ذهب اليها مسرعا و قبل ان ينطق رفعت يدها و ارته مفتاحا.. انه مفتاح سيارة..
قالت وهي ترتعش من البرد:" لو قعدنا هنا هنموت من البرد زي الشيخ ما قال.. "
ثم لوحت بالمفتاح في يدها و قالت:" نستلف عربية لحد اول الطريق!"
كان يرتعش هو الاخر .. اخذ منها المفتاح و ذهبا حيث تقف عدة سيارات اغلبها ذات الدفع الرباعي المناسبة جدا للصحراء.. ميز السيارة من اسمها علي المفتاح.. ركبا و انطلقا..
شهد:" بس هنعرف الطريق ازاي؟"
جو:"همشي و را الطريق المتمهد.. "
شهد:" اياك متكونش شورة مهببة جديدة"
جو:" بت..انتي جبتي المفتاح ازاي.؟!
شهد بفخر:" زي ما فتحتلك القفل في السطوح"
جو:" متقولي خلصي"
شهد:"صحيت لقيت نفسي هجمد وانت كلك عبارة عن حتة تلجة... قلت اما انط علي بيت الشيخ اضربلنا بطانية..  و انا باخد جولة جوة لقيت المفتاح.. قلت انها فكرة احسن من البطانية.."
جو غاضبا:" انتي عارفة الي انت عملتيه ده غباء و كان ممكن يقلب بغم لولا انك محظوظة بس.."
شهد:" في شغلي مفيش حاجة اسمها حظ ! يا شاطرة يا خايبة.. وانا شاطرة اوي... بس مسألتش يعني ليه انا قلت ان العربية فكرة احسن؟"
جو:" ليه ؟"
شهد:" اصلي ملقتش جوة حريم.."
***
اخيرا في البيت بعد رحلة شاقة.. جلس ممدا علي السرير بينما افترشت شهد فرشتها.. كل منهما يئن من آلآم  في اماكن متفرقة من الجسم ..لقد تركا السيارة علي اول الطريق ثم استوقفا ميكروباص، الذي اوصلهما لمكان الاتوبيس فاستقلاه للقاهرة بعد ان انتظراه كثيرا..
كانت مغامرة عجيبة.. و قد زاد فيها شغف كل منهما بالاخر.. 

هناك 9 تعليقات:

  1. لم تكن قلقة بالمرة فهي تعلم ان معها اكثر الرجال رجولة.

    رووووعه بجد
    مستنيه الجديد
    غادة

    ردحذف
  2. تحفة كالعادة يا غاليتي
    pink ocean

    ردحذف
  3. فصل من أمتع الفصول التي قرأتها في الرواية كلها يامنة

    تسلم إيديكي♥

    هوووبا..

    ردحذف
  4. انا مش عرافه اوصفلك ازاي شعوري اول لما لقيت ان الحزء الجديد نزل ،،،، دنا كنت هتشل من الفرحه و الله ،،، و الفصل ده رووووووووووووووووعه رووووووووووعه مش عارفه اقولك ايه بس كل اللي اقدر اقوله ان انتي احسن مؤلفة شفتها في حياتي و بجددد اتمنالك التوفيق من كل قلبي ......... و ارجووووووووكي متتأخريش علينا :) .....
    تحياتي :)
    lonely eso

    ردحذف
  5. الحلقة تحفففففففففففففة الوصف والاحداث فوق الممتاااااااااازة
    جويرية

    ردحذف
  6. بجد احلي حلقة قراتها انا دلوقتي في قمة السعادة

    ردحذف
  7. حلقه تحفه وتجنن ورائعه جدا وخلتنى متشوقه اكتر انى اكملها متتأخريش علينا بالله عليكى بجد نفسى اعرف الى هيحصل وبجد انتى مؤلفه جامده جدا
    asmaa

    ردحذف
  8. الحلقه دى عامله زى الويك انز فعلا .. اديتنا راحه من كل المشاكل الى قبل كده .. تهدى الاعصاب على حق .. ده انا قريتها يجى 3 مرات من جمالها ..وشهد دى كمان لما كل الناس هتتجنن عليها كده .. امال جو بقى ربنا يكون فى عونه معاها ليل نهار كده فى وشه ..

    ردحذف
  9. انا حاسة كده انه انا كنت مكان البت شهد :-) اصل انا متغاظة منها اوى زى زوزو كده . ياااااااه الحتة بتاعت البحر دى بجد تحفة انا حاسة انا الى كنت فيها اللله عليكى بجد انتى احسن كاتبة شفتها:-)

    ردحذف