صورتي
القاهرة, Egypt
منة فوزي .سيناريست وبحب احكي حواديت

جميع حقوق النشر محفوظة وغير مسموح بالنقل !


حقوق الملكية يا حرامي!

8/12/2011

اللقاء..



دلف الى المكان.. مشي بثقة وتؤدة.. يعلم ان بعض الاعين عليه.. هناك من يتسائلون "لمَ اتى؟" ، "هل سيتحمل؟" .. حيا بعض من التقت اعينهم بعينيه.. ابتسم لهم ابتسامة و اثقة و اخترق انظارهم المندهشة بنظراته الثابتة.. يعلم ما يقول بعض الخبثاء منهم داخل رؤسهم و ربما همسوا به لمن يقفون بجوارهم " سنري احداثا مثيرة الليلة!"..
لديهم كل الحق! كان يعلم ان اي عاقل سيأبى ان يأتي لهذا الجمع الليلة .. لم يكن هناك تماما داع لحضوره .. وخصوصا و هو يعلم انها ستكون هناك.. وليس بمفردها .. بل مع من تزعم انه حبيبها.. كيف تجروء؟! كيف تجروء ان تسمي شخصا غيره بهذا الاسم؟! كيف تجروء ان ترفع عينيها و تنظر بحب لرجل اخر؟ ان تهمس بشفتيها باسلوبها المحبب اسما غير اسمه؟! لقد تربت بين يديه.. عرفها طفلة في المدرسة.. كان هو ايضا طفل.. بينهما عامين.. امضت حياتها كلها معه.. كيف تجروء الان ان تأتي بهذا الغريب ليدخل حياتها وتكملها معه؟!! قالوا انها اعلنت انهم علي وشك خطوة الخطوبة... لم يصدق! اراد ان يري بعينيه الامر.. و يري هذا الشخص.. كما انه اراد ان يلقنها درسا.. ان يريها انها لم تعد من اهتمامته.. انها يمكن ان تتواجد علي بعد مترا منه و لا يلحظها .. ولا يهتم ان كانت مع احدا  ام بمفردها..فكما قال.. لم تعد من اهتمامته!

اقترب منه احد الاصدقاء وهو صاحب الدعوة و المكان..صديقا قديما وعادته ان يدعو الجميع الى مثل تلك التجمعات حيث يلتقي الاصدقاء القدامي و الجدد ويمضون وقتا ممتعا ويحافظون علي روابط الصداقة. تذكر هو اخر مرة منذ ما يقرب من عام حين حضر هذا الحفل.. كانت هي معه تتأبط ذراعه.. تحي الجميع بمرحها المعتاد و تهمس في اذنه ببعض نميمة الفتيات عن الاشخاص الموجودين.. ثم تبتسم ساخرة وتقول:" دع الخلق للخالق!".. كانت مرحة تحب الضحك.. ولطيفة مع الجميع.. لدرجة انه كان يلومها علي كثرة تبسطها.. تذكر انهما تشجارا في تلك الليلة لانها ضحكت وتحدثت اكثرمن اللازم مع احدا لم يكن علي علاقة قوية بهما.. تذكر ايضا ان الجدال انتهى باعتذارها .. لم تكن عنيدة..

رحب به الصديق المضيف و الذي حاول اخفاء اندهاشه من أنه قَبِل الدعوة واتى بالفعل.. قال للصديق بمرح:" الا يوجد جميلات الليلة؟.. اري نفس الوجوه القديمة؟ ما من جديد؟!"
ابتسم الصديق و قال مازحا:" عزيزي انا لا اصادق سوى الجميلات.. لن تجد سواهن هنا.. حتي و ان كانت وجوه قديمة"
فجأة تبدل و جه صديقه و هو ينظر الي نقطة ما قرب المدخل.. التفت ليري ماذا هناك.. وجد ما كان يتوقع.. انها هي تدخل الي نفس المكان بعد مرور عام و لكن في ذراع احداًغيره!
امسك الصديق ساعده و ضغط عليه قائلا في اسلوب يميل للتوسل:" ارجوك! لا تثر المشاكل.. انتما اكبر من ذلك.."
ربت علي يد صديقه المتشبثه به و قال :" اطمئن! لم تعد من اهتماماتي.. لن تُثار اي مشاكل"
تجنب النظر إليها و الي يد ذلك الحيوان الضخم الموضوعة علي ظهرها.. تجنب النظر الي ابتسامتها العريضة .. هل هذا يعني انها سعيدة؟ تجنب النظر الي شعرها الجميل.. هل صار اقصر؟ لقد غيرت شيئا به.. نعم انه اقصر و مليء بالتدرجات.. لطالما احبت التدرجات ولكنها كانت تخشي ان يغتال المصفف شعرها الطويل.. لذا لم تجرؤ ان تفعلها.. يبدوا انها صارت اجرأ!  تجنب النظر الي ما ترتدي.. واضح ان "الطرطور" الذي معها لا يمانع كل هذا العري.. معه لم تكن تجرؤ ان تنظر فقط لمثل هذا الفستان ان مرا امامه في نافذة احد المحال.. الواضح الان انها صارت تجرؤ و تجرؤ..
تجنب النظر اليهما تماما بعد ان نجح في التقاط نظرة سريعة خفية علي الحبيب الجديد.. شاب عادي .. لا يستحقها!
ادار ظهره اليهما و تشاغل بالمشروب في يده و بحديث ممل مع بعض الصديقات..
كانت تقف وسط بعض الاصدقاء ايضا  وتقوم بتعريف حبيبها- كما تطلق عليه - علي من لم يعرفه بعد.. تضع الابتسامة علي و جهها وتعمل علي إبقاءها .. تتحدث بلطف.. تتاكد من انها تقف ملتصقة به.. حبيبها.. تتأكد من أن يده تضمها.. وان نظراته المحبة لها لا تتوقف.. وتتعمد ايضا ان يري كل من بالمكان ذلك! يجب ان يعلم الجميع انها تحب.. وأن لديها حبيبا.. شابا رائعا .. يستحقها اخيرا.. و يستحق كل الحب الذي في  قلبها.. تعمدت ان تأتي به الي ذلك الحفل حيث يتجمع كل من تعرف في محيط الاصدقاء.. يجب أن يعرف الكل.. انها سعيدة اخيراً .. تتنفس الحرية مع شخص طبيعي.. يحبها ولكن لا يملكها... هي معه و لكن بلا قيود.. وأنها إختارت أن تتزوج مستقبلياً ذلك الشخص.. وأنها ستعيش معه احلى ايام عمرها القادم .. لتعوض ما فاتها في السنوات الطويلة الماضية..
يجب ان يعرف الجميع!
يجب ان يعرفوا كلهم!
يجب ان يعرفوا ليخبروه! سيصل إليه كل ذلك.. و سيدرك انها تعيش بدونه.. يمكنها التنفس بدونه بلا الم.. وان قلبها لا يتمزع كلما مرت بأي مكان، لانها مرت معه قبلا بكل مكان حولها.. سيعرف انه بامكانها تناول الطعام دون ان تعود لاخراجه بعدها، لان معدتها لاتزال مضطربة متالمة.. سيصله انها سعيدة .. مبتسمة تضحك بصفاء من القلب.. فقد ملت بشدة البكاء..

ولكنها اخر ما كانت تتوقع و لم يأتي في مخيلتها قط.. أن تراه هو بنفسه .. يقف امامها يفصلها عنه امتاراً... يقف مع فتيات ..بينما تقف هي وحولها ذراع رجلا غيره!.. بحركة تلقائية ازاحت ذراع حبيبها في توجس وكأن وجوده حول كتفيها جُرمٌ ما .. ولكنها سرعان ما ادركت ان توجسها و خوفها هما رواسب عهد قديم .. مضي وانتهي!
استرقت النظرات الخفية اليه..  كان جانبه لها و نظره بعيدا عنها.. هل رأها؟ لم تعرف ان كانت تريده ان يراها ..ام لا؟؟
لقد اتت خصيصا هنا لكي يصل اليه ما ارادت ان يصل.. وها هو بنفسه امامها.. ماذا تريد اكثر من ذلك؟!! اما زالت تخشاه؟؟!!
لن تتحمل الموقف ان يراها مع غيره.. هل سيتهور؟ طالما كان متهورا عنيفا..
هل سيكتفي بالنظر ويتعامل كالكبار؟؟!! ربما اتي ليحيهم بهدوء.. ولكنها قد تصاب بالصدمة ان رأت ان الامر لا يعنيه.. او انه لا يهتم...
تذكرت حياتها الطويلة معه.. كانا زملاء في المدرسة.. وايضا جيران في الشارع.. لا تذكر متي تحديدا دخلت في نطاق ملكيته ..ولكنها لا تعي سنين حياتها القصيرة قبل وجوده فيها.. كان يضرب كل من يضايقها..  إن رغبت في لعب كرة القدم علي سبيل التغيير، فرضها علي كل من في الملعب و اشركها في المباراة.. وجعلها تسدد اهدافا.. وربما ضرب حارس المرمي ان حاول صد كرتها.. كان يجبر اصدقاءه ان يهتفوا باسمها تشجيعا ان احرزت هدف..
كان يأتي لها بكل ما ترغب من حلويات من  الكشك في اخر الشارع.. ويسمح لها  ان تقود دراجته الكبيرة..فقد كانت دراجتها اصغر قليلا..
في حفلات عيد ميلادها  السنوية كان يأتي لها بالدمي التي كانت تصرح له انها تحلم بها عند نافذة المحل الشاهق علي الناصية.. حينما قدم لها ولد ما من الجيران نفس الدمية يوم ميلادها .. كان غضبه عارما وقام بضرب الفتى.. وافسد الحفل ، فاشتكى والديها لوالديه وتمت معاقبته اسبوعا..
كان دوما يمشي معها بعد المدرسة الي البيت يتحدثان و يمرحان.. حتي صار الامر مع الوقت إلزاميا.. لم يكن يسمح لها ان تسير بمفردها... ويتشاجر معها ان فعلت.. وهكذا تغلل في حياتها تدريجيا.. وصار يتحكم في كل شيء.. كانت سعيدة به و تحبه حبا كبير نما مع السنين ..فقد كبرا معا .. كان دوما يسبقها في خطوات الحياة.. دخل كلية التجارة قسم انجليزي قبل ان تدخل بعامين .. و تخرج قبل ان تتخرج هي بعامين، و صار موظفا كذلك قبلها.. كانت تتأقلم مع التغيير وتتقبله... فبعد دخوله الجامعة تعلمت ان تتقبل وجود فتيات "صديقات" لا تعرفهن هي في حياته ، وتجد اساميهن علي هاتفه واصواتهن بجواره ان حدثته علي الهاتف.. بينما حين دخلت هي الجامعة ـ والتي هي نفس الكلية -  اصر ان يذهب معها في اليوم الاول ليعلن سيطرته التامة امام كل من تسول له نفسه ان يقترب منها.. وبعد عامين تخرج و تركها في الكلية .. ولكن بعد ان ترك انطباعا في نفس كل من الجامعة انه لا يسمح لذكر ان يتقرب اليها..
حين صار موظفا في بنك صار مشغولا... لذا لم يكن يخرج معها كثيراً.. و لكنه كان يأمرها بأنه إن لم يكن هو معها عليها الا تخرج!
اصابها الملل و الاحباط ولكنها كانت تصبر فهو حين يظهر اخيراً في نهاية الاسبوع كان يعوضها عن ما فات..
بدأت تمل  وتضيق من كثرة الفتيات في حياته.. و كلما امسكت امراً مريباً عليه.. افتعل مشاجرة تجعلها مخطئة وتنتهي  باعتذارها هي له..

تفاقمت  المشاكل حين تعينت بدورها في بنكٍ اخر.. وصارت تتأخر في العمل و قد لا ترد علي هاتفها لانها مشغولة،  كما صار لها زملاء من الشباب.. ومجموعة جديدة من الصديقات لا يعرف عنهن شيئا سوى في لقاءات عابرة.. اصبحت لقائاتهم ومكالماتهم سلسلة من المشاحنات والمشاجرات.. كان  هو يشعر انها تخرج عن طوعه.. و هي تشعر بالاختناق.. بالاضافة الي ثقتها فيه وفي اخلاصه لها  صارت مهزوزة..
الي ان خرجت في يوم مع زميلاتها في العمل احتفالا بترقية احداهن وقد قررت الا تخبره... هي ستبقي لبعض الوقت و ترحل فلا داعي لافتعال مشكلة من لا شيء.. كما انه اكثر من مرة حذرها أن تختلط بواحدة معينة منهن خارج حدون العمل.. فابتعدت عن الشر ولم تخبره..
اثناء وجودها معهن و جدته يدخل نفس المكان و معه فتاة ما.

كان مشهداً مريعاً.. هي تصيح به وبفتاته في جنون بينما هو يصرخ في وجهها لانها خرجت دون علمه وخصوصا مع تلك الفتاة التي حذر منها.. صاحا ببعضهما حتي انبحت اصواتهما.. وانتهت العلاقة بعدها في حديث هاتفي عصبي وسريع.. صرح كل منهما للاخر انه فاض به الكيل من المشاكل و لم يعد يتحمل..

وها هي هنا الان مع ذلك الذي تقول عنه حبيبها.. زميلها في العمل.. شاب طموح و يريد الزواج منها.. ولنضع خطوطا تحت "الزواج"!
لم يذكر لها هو الزاواج يوما.. وكأنه يعتبر ان الامر بديهي.. وكأنها ستتواجد تلقائيا في منزل الزوجية حين يمتلك واحدا..

رمقته بنظرة اخيرة .. هل فقد بعض الوزن؟ كلعادة لا يهتم بصحته! كالطفل يحتاج من يطعمه.. اين امه؟؟ مؤكد مشغولة بصديقاتها في النادي كما هو الحال دوما.. كانت لتكون حماة بشعة!
اقتربت منها صديقة تسلم وتقبلها .. همست في اذنها:" انه هنا.. لمحته يرمقكما خلسة"
ابتسمت في رضا..فقد رءاهما .. وطبقا للصديقة: نظر خلسة ..و النظر خلسة هو اهتمام..
تشبثت بذراع حبيبها.. واتسعت ابتسامتها.. فليعلم انها سعيدة .. جدا.. اسعد واحدة علي الارض!
كانت تود ان تلتقي عيناهما حتي تقذفه بنظرة باردة تفحمه.. ولكنه كان حريصا الا يلتفت نحوها..
ارادت إحدى الخبيثات أن تحرك الامور لتجعل الليلة مثيرة.. بعد ان امضت بعض الوقت تتحدث اليه وتتضاحك معه.. نظرت نحوها و قالت متصنعة الاندهاش:" اليست تلك هي؟!!" ثم نادت باسمها.. فالتفتت هي نحو الصوت بينما هو بتلقائية التفت حيث تشير الفتاة الخبيثة..

والتقت عيناهما.. للمرة الاولى بعد فراق دام شهورا.. ربما لمحته  او لمحها عن بعد في الشارع بحكم الجيرة،  ولكن لم تلتق عيناهما قبل الان..
تسمر كليهما لوهلة.. نسيت هي كل شيء عن النظرات الباردة و القاسية.. نسيت كل شيء عن إخباره انها سعيدة.. فقط تذكرت كم تفتقده.. شعرت بالام في التنفس.. وبقلبها يعتصر.. اما معدتها فحدث و لا حرج.. وكأن كل جسدها يلومها و يعاقبها علي فراقه..
اما هو فكان الاسرع في الافاقة من صدمة التلاقي.. ابتسم ابتسامة باردة و لوح بيده بهدوء يحيها ونظر الي حبيبها المزعوم و اؤمأ برأسه له كنوع من التحية الرسمية..فبادله الشاب نفس التحية..
قالت الخبيثة بصوت عالي عبر المكان:" ما بك يا فتاة؟.. لقد افتقدتك كثيرا .. الن تأتي لتلقي علي التحية.. ام ان الامر صار من وجد احبابه نسي اصحابه؟!!" و غمزت مشيرة الي حبيبها الواقف بجانبها..
ارتبكت قليلا و لكنها تماسكت و قالت ردا علي الفتاة:" اعذريني! لتوي دخلت  لم اراك ثم انشغلت معهم.." واشارت لمجموعة الاصدقاء التي تقف وسطهم..
امسكت بيد حبيبها و اخذت نفسا عميقا ثم جذبته و توجهت نحو الخبيثة.. حيث يوجد هو!
رحبت بها الفتاة الخبيثة المنافقة في حفاوة.. و سلمت علي حبيبها بحرارة.. قالت لها الفتاة:" طالما كان ذوقك جيدا.." مشيرة الي حبيبها الجديد.
لم يكن تعليقا مناسبا علي جميع المستويات.. لذا مرت ثانية من الصمت المتوتر بينهم جميعا.. ثم كسره الحبيب و تقدم منه ومد يده في  مصافحة رسمية معرفا اسمه.. فما كان منه ان تلقي يده وصافحه و ذكر اسمه بدوره مع ابتسامة باهتة.. ثم توجه اليها بدورها ومد يده.. مدت يديها ببطء  لتستقر في يده.. رفعت عينيها اليه.. صار التنفس اكثر من مؤلما..
بعيون تحمل نيران الغضب قال بصوت هاديء:" كيف حالِك؟ اري انكِ في احسن حال.."
اومات براءسها و قالت في خفوت:"اجل.. في احسن حال"
لم يرغب في ان يترك يدها.. لكم اشتاق الي لمستها.. و لكن الموقف لا يسمح.. ربت بيده الاخرى علي ظهر يدها وقال:" جيد.. انا ايضا باحسن حال"
تمتمت :" جيد.. جيد"
لسبب ما سأل حبيبها هذا السؤال الغير متوقع و الذي لم يسأله لأي شخص اخر من ضمن كل من قابلا:" كيف تعرفان بعضكما؟"
ارتبكت هي و لم تعرف بم تجيب.. بينما التفت هو و قال بهدوء:" نحن جيران و زملاء المدرسة.. و ايضا الجامعة"
صمت الشاب لبرهة ثم قال:" فانت اذن بمثابة اخ لها.. تشرفت بمعرفتك" فضحكت الفتاة الخبيثة ضحكة عالية ..
مما جعل الشاب يسأله مشيرا اليها:" خطيبتك؟"
اتسعت عينها من هول و قع السؤال.. و انتظرت الاجابة بقلق.. بينما تراجع هو ينفي التهمة عن نفسه قائلا:" لا هي صديقة مقربة.."
ابتسم حبيبها و قال معتذرا:" اسف ظننتكما معا.."
بينما ارتاحت هي و تنفست الصعداء..    هي فقط من حقها ان ترتبط بغيره.. هي فقط من حقها ان تقوم بحرق دمه!
قالت:" أتمني ان نفرح بك قريبا.. مثلنا!"
قال:"حقا؟ مبروك.. اطيب تمنياتي!"
مد يده لحبيبها و قال بتهذيب:" تشرفت بلقائك.."
ثم نظر اليها وقال:" بعد اذنكما.."
ورحل عنهما .. تابعته يبتعد غير مصدقة انه لم يبد أي إهتمام.. ثم استدارت للفتاة الخبيثة و رمقتها نظرة نارية علي افعالها.. ثم اخذت حبيبها و ابتعدت بدورها..
تظاهرت انها تستمتع بالموسيقي و تردد كلمات الاغنية وتتدندن معها.. اعتاد الضيوف دائما من صاحب الحفل ان تكون الموسيقي هي مختارات من الاغان القديمة والمفضلة  والتي تمثل ذكري الايام و السنين الجميلة .. كنوع من احياء ذكريات الجميع.. لذا حينما ترامى الي سمعها بداية تلك الاغنية.. شعرت ان قلبها يتوقف عن النبض.. انها اغنيتهما الخاصة!.. قديمة قدم الازل .. ولكن مازالت المفضلة لهما و تمثل ذكريات حبهما من ايام بعيدة جدا.. كانت اغنية اجنبية عاطفية هادئة.. طالما ظلت معهما.. والي الان هي في سيارتها و هاتفها و حاسوبها.. لا تفارقها.. تذكرت كيف رقصا معا عليها منذ سنة مضت في نفس هذا الحفل..
نظرت امامها لتجد رجلا غيره .. تستمع الي الاغنية مع احدا اخر! اشاحت بوجهها في ذهول و درات في المكان بعينيها تبحث عنه..
تشبثت عيناها بيعيناه حين و جدتهما.. كان يقف وسط مجموعة و لكن عيناه عليها.. بدا واضحا ان الاغنية و صلت لمسامعه هو الاخر.. و بحث عن من اعتادت عيناه ان ترى حين تستمع اذنه لتلك الاغنية.. انه ارتباط شرطي.. لا حيله له فيه..
لوهلة اصابها الدوار.. ما الذي تفعله هنا؟؟ من هذا الذي يقف قربها؟؟.. لم هي ليست هناك؟؟ في الناحية المقابلة من المكان ، حيث تنتمي.. الي جواره؟؟!
"أتودين الرقص؟"
كان هذا حبيبها اتاها صوته و كانه بعيدا من عالم اخر..
هزت رأسها نفيا..
وفي نفس اللحظة في الناحية الاخرى من المكان كان هو يرفض بلباقة طلب احديى الصديقات ان يراقصها..
فمهما حدث لن يمس غريبا ذكري تلك الاغنية حتي نهاية الكون..

نظر حبيبها اليها و قال بجدية:" هل لي أن اسال سؤالا؟"
رفعت عينيها إليه و قالت بتوتر:" اسأل كما تشاء.."
قال:" لقد ذكرت لي قبلا موضوع ذلك الشخص.. من كنت مرتبطة به قبلا.."
توترت بشدة وتابعته باهتمام في انتظار ان يكمل..
سأل:" اهو هنا؟"
لم ترد.. صمتت تبحث عن اجابة دبلوماسية..
سأل مرة اخرى:" أهو ذلك الشخص الذي سلمنا عليه ومعه الفتاة الرقيعة؟"
اومات برأسها..
قال بنبرة تميل الي الغضب:" الم تخبريني ان كل صلتك به انقطعت؟!"
 قالت:" نعم.. بالفعل.. ولكن مازال بيننا اصدقاء مشتركون.. و لم اتوقع ان يكون هنا"
قال وقد بدأ غضبه يزداد:" ولمَ لم تخبريني انه هو بدالا من أن تأخذيني من يدي لأذهب اليه و اسلم عليه؟؟ هل اتيت بي الى هنا لتريه اياني؟!!"
قالت:" لم ار في الامر داعي.. الموضوع ليس ذو اي قيمة حتي لاتحدث عنه.."
قال وقد احتد قليلا:" انت تكذبين! عيانك لم تفارقه... اتظينين اني احمق ساذج؟!"
اغضبها اتهامه فقالت:" غير مقبول ان تحدثني هكذا.. انا لا اكذب.. قلت لك لم اكن اعرف انه هنا !"
امسك ذراعها ببعض القوة وقال:" اتيت بي الي هنا لتثيري غيرته؟ اهذا ما اعنيه لك؟!! وسلية لأغاظة حبيبك؟!! "
نظرت حولها خشية من نظرات الموجودين و قالت:" لا تمسكني هكذا! الناس تنظر.. "
ترك يدها و قال بهدوء:" لديك كل الحق.. انا المخطيء في قدومي معك الي هنا! سأرحل الان!.."

كان هو يقف عن بعد.. مازال ينظر اليها.. لاحظ الحديث بينهما.. انها مشادة .. الامر واضح لايخفي علي طفل.. شعر بالتشفي لوهلة لان علاقتهما ليست علي ما يرام.. الي ان لاحظ حدة حبيبها .. انتفض كل جسده حين و جده يمسكها بعنف .. لأحد يفعل ذلك معها.. صغيرته.. حتي و ان كانت لشخص غيره.. غير مسموح لأحد ان يؤذيها!
قالت بتوسل:" لا.. لا ترحل الان!"
قال:" اسف.. لن ابقي لاهين نفسي و كرامتي اكثر من هذا.."
قالت:" ارجوك.. لا ترحل.. بامكانك ان تنهي علاقتنا ان اردت .. و لكن ليس الان!"
قال بغضب اكثر و قد استفزه قولها:" اهذا كل ما خطر في بالك؟! لا يهمك علاقتنا بقدر ما يهمك رحيلي الان؟!!"
ادركت سوء ما قالت .. ولكنه محق هذا ما تشعر به حقا.. كل ما تريده الان ان يراها الجميع مع حبيبها الجديد سعيدة.. خصوصا هو.. لا يهمها ان قطع حبيبها علاقته بها لاحقا.. طالما ان الامر ليس امامهم.. او أمامه..
امسكت بذراعه وقالت بهدوء:" اسمعني.. ادرك ان الموقف يبدوا سخيفا.. ولكن انا بحاجة لدعمك... كل من هنا لديهم رغبة ملحة في ان يشمتوا بي.. انت محق.. لقد اتيت بك لاجعل الجميع يراك.. ولكن ليس كما تظن.. فقط لافخر بك امامهم.. لذا لا ترحل الان... ارجوك"
دفع بيدها الممسكة بذراعه ببعض العصبية و قال بحدة:" هل قالو ا لك عني اني مغفل؟! لم اظن يوما انك قد تكونين بهذا القدر من الدناءة!!"
قالت بغضب:" عن من تقول دنيئة؟! اجننت؟.. نسيت نفسك؟ لقد كنت تهرول خلفي قبل شهر مضي حتي ارضي عنك!"
نظر اليها غاضبا مصدوما.. كما انها ايضا كانت مذهولة من نفسها.. متي صارت بهذه القسوة؟؟ ما الذي فعله ليستحق منها كل هذا.. وكانها تصب جام غضبها عليه.. حتي وان لم يكن له ذنب..
عادت لتمسك بيده و تقول:" اعذرني.. انا متوترة .. اسفة علي ما قلت"
دفعها بعيدا و قال بعصبية و صوت عالي:" ابتعدي.. متوترة؟! احقا؟! لم ؟ من اجل حبك الاول؟  ابتعدي يا... "
وقبل ان يدفعها دفعة اخري و يتلفظ .. كانت هناك يدا قوية تمسك بيده..
انه هو.. حامي حماها الابدي.. من دافع عنها طوال حياتها و ها هو الان يقوم بدوره المعتاد..
قال محذرا:" أن رأيت يدك تمسها بتلك الطريقة مرة اخري، سأقطعها لك!"
رد الحبيب بامتعاض:" قد يبدوا انك تتدخل في ما لا يعنيك..وقد اتشاجر معك من اجل ذلك.. و لكني ادرك الان اني انا من تدخل فيما لا يخصه من البداية!  لذا..أطمئن.. بل ان عيني لن تقع عليها مرة اخري.. لا يشرفني! ان كانت الحقيرة  لك؟..  وانت تستحقها؟ .. فانت حقير مثلها.. هنيئا لكما ببعض!"
قبل ان ينهي جملته تلقي لكمة قوية في وجهه.. وخرج مسرعا وسط مجموعة قررت حقن الدماء  و ابعاده، قبل ان يتلقي غيرها..
كانت هي علي وشك الانهيار.. لقد سبها حبيبها للتو.. امامه و امام الجميع.. ثم ضربه هو.. واصبح الامر فضيحة مدوية.. خسرت فيها كل ما خطط له..
نظر اليها و قال:" هل انت بخير.. هل اذاك الحيوان؟!"
قالت بعصبية تقترب للبكاء:" الا تدرك بعد اني لم اعد ملكك؟! هل كان عليك ان تظهر الان و تضربه.. ممارسا عاداتك القديمة؟!! الم يخطر لك اني قد اكون في وسط شجار احبة قد ينتهي بصلح رائع... ولكن كيف؟؟ كيف تتركني لحالي؟! لا .. بات عليك التدخل و ضربه!!!!!!"
نظر اليها مصعوقا و قال:" اي شجار احبة؟! هل اصبتِ بالصمم؟!.. لقد نعتك بالحقيرة! اهذا ما يطلق الاحبة علي بعضهم؟!!"
قالت:" لقد قال ذلك بسبب و جودك و تدخلك.. لقد ظن ان مازال بيننا شيئا .. وهو فعلا فعل حقير!"
قال:" اذن فانا الان المخطيء! انا من افسد علاقتك الرائعة!.. من تخدعين؟ انا اراقبكما.. لقد بدأ يحتد عليك و يمد يده قبل أن آتي.. لقد اتيت لكي امنعه من التمادي! وجزاءي هو سخطك؟! الا تعرفين الامتنان يا فتاة؟!"
قالت:" لقد اعترفت! فانت كنت تراقبنا منتهزا فرصة لتفتعل مشكلة... انت من تخدع! و لكن لن تخدعني.. انا احفظك عن ظهر قلب!"
قال ساخرا:" عزيزتي لأنك تعرفينني جيدا فانت تدركين اني لا احتاج ان افتعل مشكلة! ان اردت ان اضرب فتاك منذ لحظة دخوله وهو يضع يده عليك لفعلت دون تردد.. و لكن لأن الامر لا يهمني لم افعل.. "
صاحت:" و لكنك بالفعل ضربته!"
قال:" لانه تطاول علي فتاة في وجودي.. انت تعلمين موقفي في مثل هذه الامور .. غير مقبولة.. الموضوع لا علاقة له بك شخصيا!"
صمتت و قد اوقف الكلام حلقها.. لم تعد تملك ما تقوله.. هكذا دوما هي حواراتهم تنتهي بأن يحاصرها و ينتصر هو دوما دون ان تعرف بم ترد..

استجمعت شجاعتها ورفعت سبابتها في وجهه لاول مرة في حياتها وقالت محذرة:" استمع الي.. اريدك  ان تبتعد عن طريقي.. ان تعرف انك لم تعد تملكني.. ان تدرك اني سوف اكون مع غيرك  وانك ستتقبل الامر كرجل مهذب ..و..ان تتوقف عن النظر الي هكذا!"
كان بالفعل ينظر ساخرا الي سباباتها امام و جهه ثم ابتسم ببرود و سخرية و ورفع كفيه وحرك اكتافه بما يعني.." ايا كان لا اهتم "  وقال :" لك كل ما تشائي... فانت عِشرة عمر!"
ضربت قدمها في الارض غيظاً و توجهت للخارج.. قبل ان تصل للبوابة  تذكرت انها اتت مع زميلها في العمل – ومن كان حبيبها سابقا قبل لحظات- في سيارته.. و ان لا وسلية للعودة للمنزل لديها.. فعادت ادراجها تبحث عن احد الاصدقاء ليقلها..
رءاها تعود .. بدت عصبية مغتاظة .. اصابه الفضول الشديد ليعرف سبب عودتها.. ولكنه تعمد ان يبتسم ببرود في وجهها حين التفتت نحوه.. فما كان منها الا ان اشاحت بوجهها بعيدا.. رأها تحدث صديقتها.. ويبدوا ان الصديقة تعتذر لها عن شيء ما..
امسكت  بهاتفها و وخرجت الي التراس لتتحدث.. اقترب دون ان تراه ليستمع..
سمعها تحدث شخصا بدا انه اخيها الاصغر.. ميزه من الاسم.. كانت عصبية معه:
"اقول لك .. لايوجد من يقلني و ليس معي السيارة!... لا أبه ان كانت صديقتك معك.. انا اختك! فلتكن امامي الان! لن انتظرك حتي تقلها اولا.. لا اريد ان ابقي هنا.. تعال فورا! اريد الذهاب للمنزل الان!..  فلتأت بها اذن.. وسأذهب معكما لتوصيلها.. حسنا ..بسرعة!"

فوجئت بشخص يقتحم خلوتها و ويسحب الهاتف من يديها و يتحدث فيه قائلا:" لا تأت يا فتي.. نعم انه انا .. بخير ..كيف حالك انت؟.. سأقوم انا بتوصيل اختك ..لا شكر علي واجب يا فتي.. ما فائدة الجيرة ان لم تنفع في مثل تلك الاوقات.. فلتمض وقتا لطيفا مع صديقتك.. سلام"
اعترضت و تمتمت و ولكنه لم يهتم لما تقول.. قالت بعد ان انهي المكالمة مع اخيها :" لا اريد ان اذهب معك! كف عن فرض نفسك!"
قال:" للاسف.. لا يمكن التراجع الان لقد التزمت مع اخيك بكلمة.. "
قالت بعصبية :" لمَ تأخذ الامر بسخرية و استهزاء؟؟.. لم لا تتقبل فكرة اني لم اعد اخصك في شيء؟!!"
قال:" عزيزتي لو كان لدي ادني اعتقاد انك تخصيني في شيء.. لكنت ذبحت ذلك الفتي الذي اتيت به لحظة دخوله معك"
قالت:" اذن ابتعد عني الان.. لم تريد ان تقلني للمنزل؟؟! الا تدرك؟ لم اعد احتاجك!"
قال:" لانك جارتي و ذلك من اداب الجيرة! واعرف انك تجيدين الاعتماد علي تفسك! ولكنك الان بحاجة الي من يقلك للبيت.. لماذا لا تتوقفين انت عن الاعتقاد اني اهتم بك لشخصك؟"
تطلعت اليه بنظرات نارية.. ثم قررت الهدوء و قالت:" فليكن اذن .. ولكني لن اذهب البيت .. هناك اصدقاء في انتظاري.. الفتيات من العمل"
كانت تتحدث ببطء ضاغطة علي الحروف..
قال وقد نسي النبرة الباردة المتعمدة:" الان؟ ستبدأين الخروج  الان؟ ان بدأت الان، متي ستعودين؟"
قالت:" الديك مانع؟ و ان كان لديك فلتبقيه لنفسك؟ متي ابدأ و اعود هو شأني الخاص!"
قال:" وماذا عن ابيك؟ الان صار يسمح لك بالتأخير؟!! الم تجعلينا نهرول دوما في العودة حتي لا تتم معاقبتك علي التأخير"
قالت:" لقد استأذنته اليوم.."
ابتسم و قال ساخرا:" سيكون لي حديث معه.. فلو يعلم عن الفتيات التي صارت تصادقهم ابنته لما سمح لك بالذهاب الي العمل اساسا.. مؤكد تلك الفتاة اياها ستكون هناك..من غيرها سيسهر خارجا الي الان؟!"
قالت محذرة :" اقسم بالله لو تحدثت مع ابي.. سأخبر امك عن انك تدخن!!"
قال مندهشا وببعض السخرية:" اووه .. لا اصدق.. لقد صرت حقا جريئة.. لم تعودي تخشين شيئا"
قالت بثقة:" انت لم تر شيئا بعد!"
قال:" و لكنك مازلت لا تجيدين الكذب.."
نظرت اليه غير فاهمة ..
فقال:" اعلم ان لا يوجد من ينتظرك.. لا فتيات .. لم تستأذني ابيك.. لا شيء من هذا.. للتو قلت لأخيك انك تريدين منه ان يقلك لمنزل"
صمتت تفكر في  تبرير..
فاكمل:" ولكن ما يثير التساؤل هو.. لماذا؟ هل اخبرتيني كذبه الصديقات تلك لتثيري غضبي؟ ام لتريني انك اصبحت حرة؟"
قالت ببعض الارتباك:" ليس الامر كذبة.. بالفعل هن منتظرات.. و لكن لو كان اخي هو من سيقلني ..لم اكن اريد ان اثقل عليه وصديقته..فالمكان بعيد.. و يجب ان يوصل الفتاة..و..."
كان ينظر بعمق في عنينها..ثم قاطعها و هو يقترب منها و همس  بهدوء :" مازلتِ فاشلة في الكذب.."
ارتبكت تماما و سرحت في عينينه.. كم تفتقده..
كذلك هو نسي كل شيء عن الواقع.. نسي خلافاتهما.. نسي الجدال الدائر.. نسي الناس حولهما و نسي ..اين هم.. كل ما يراه هو عينينها و وجهها.. وجهها الذي احبه عمرا بأكمله.. تابع كل تغير دقيق حدث به علي مر سنين الطفولة و المراهقة و الشباب..
اشاحت بنظرها بعد ان احست انها علي وشك ان تلقي بنفسها بين احضانه..
قالت:"ولم تظن اني اريد اثارة غضبك؟.. انت لم تعد تهمني"
قال:" حقا؟.. هذا لم يكن رأي فتاك االذي اتي معك.. لقد رأي بوضوح ما تحاولين اخفاءه الان.. لقد رأي اهتمامك بي"
قالت:" كف عن تسميته فتي.. كما ان ما حدث بيننا هو بسبب تطفلك علينا وليس اهتمامي بك.. و غدا سأصالحه"
قال غاضبا:" سأسميه ما يحلوا لي.. بل سأطلق عليه لفظا بذيئا ان اردت.. من يمد يده علي فتاة لا يستحق ان يسمي رجلا.. ان اردت ان تتزوجي واحدا مثله انت حرة.. و لكن هذا لن يغيير رأيي فيه"
لم ترد عليه ..
فسأل باهتمام :" هل حقا ستصالحينه..بعد ان امسك ذراعك بهذا العنف و بعد ان نعتك بالحقيرة؟؟"
قالت:" نعم سأفعل.. اتفهم ان رد فعله هو نتيجة لسؤء تفاهم.."
قال حانقا:" حقا؟؟ فلتعلمي.. حتي وان رضيت انت..فاني لن اسمح له ان يَمسّكِ بتلك الطريقة .. او ان يسبكِ.. "
نظرت اليه نظرة بعمق.. اتلك نظرة انبهار؟؟ربما ممزوجة باندهاش من تصريحه..
اكمل  حانقا وهو يهرب من نظراتها:" سميه ما تشائيين.. اهتمام.. اخوة.. رجولة.. ولكن ذاك الامر لن يحدث! لن يحدث و انا علي قيد الحياة... بامكانه ان يشبعك ضربا حين اموت! ليته يقتلك و قتها حتي ننهي تلك القصة!"
ابتسمت للمرة الاولي منذ ان تحدثا.. الان شعرت به.. الان وصل اليها ما كان يكتمه ويدرايه خلف ستار البرود والسخرية.. انه مازال مهتم.. يغار.. يشعر بالضيق من زميلها.. يخاف عليها.. و وفوق كل شيء ..مازال يحبها..  هي الان متأكدة.. لقد انهار السد الذي صنعه واختفي خلفه طوال الليلة.. هي الان قادرة علي رؤية ما بداخله بوضوح..
تعلقت عيناه بشفتيها التي انفرجت منها ابتسامة فجأة.. يا الله... هل يمكن ان تغمره السعادة لمجرد ان رأي ابتسامتها؟.. ابتسم بدوره و نظر الي عينيها..
ثم قال:" مالذي يثير الابتسام الان؟"
قالت مبتسمة:" انت تعرف..  دوما تقول ما يثير الضحك حين تكون غاضبا"
قال:" ودوما تبتسمين حين اكون غاضبا..  فتثيريين غضبي اكثر"
قالت:" و لكنك لم تغضب اكثر الان.."
صمت لبرهة ثم قال:" لأني ادركت للتو كم افتقد تلك الابتسامة.. فتوقفت لاستمتع بها.. والوم نفسي علي كل ابتسامة اهملتها لكي استكمل غضبي.."
لم تصدق اذنيها انها تستمع الي هذا الكلام الذي يخرج منه..
استطرد:" وايضا اشعر بالندم علي كل ابتسامة - مثل تلك -  تبدلت بسببي الي وجه غاضب او عين دامعة.. كان يجب علي ان اعمل طوال الوقت علي ابقاءاها.. و ان اتأكد انها لا تتبدل ابدا.."
قالت:" للاسف.. لقد عملت جاهدة علي ان تنتهي هذه الليلة بابتسمة الانتصار علي وجهي.. ولكني فشلت"
نظر اليها مندهشا من رد الفعل..
فاكملت:" ولكنك كالعادة انت من انتصر.. و نجحت بسحقها.."
فقال:" و لكنك مازلت مبتسمة.."
قالت:" ليست ابتسامة النصر.. انها ابتسامة شيء اخر.."
قال:" و ما هو؟؟ "
قالت:" لدينا الوقت لنتحدث عنه.. الن تقلني للمنزل؟؟"
قال:" الان؟؟ تريدين الذهاب للمنزل الان؟.. لقد ظننت انك حرة.. و انك استأذنت ابيك اليوم في التأخير"
قالت:" انت تعرف اني لم اكن اقول الحقيقة.."
قال:" مازلت اعتقد ان علي التحدث الي ابيك.."
قالت في حيرة :" لماذا بعد؟؟ لن اسهر مع الفتيات.."
قال:" ليس عن الفتيات.. لدي موضوع اخر يجب ان احدثه بخصوصه.."
سألت:" هل يخصني؟"
قال:" علي الاقل يخص بعض منك.." وامسك يدها مشيرا اليها..
قالت بابتسامة عريضة:" يخص يدي؟؟ أليس  لي رأيا في الامر؟.."
قال:" من الان رأيك هو اهم شيء في الدنيا.. و لدينا طوال الطريق لاستمع اليه.. بل طوال العمر"

7/20/2011

كتاب "في أرض الحلم" لـ منة فوزي

انتظروا قريبا إن شاء الله .. كتابي "في أرض الحلم " (قصة حبيبة في أرض الحلم سابقا)..



تابعوا اخبار صدور الكتاب علي صفحة الفايس بوك
   
اضغط هنا >>  كتاب "في أرض الحلم" لـ منة فوزي   << اضغط هنا


7/18/2011

اللصة :: (20)



استلقت مني احمد محمود حسبما هو مذكور في اثبات الشخصية..علي اريكة مريحة وسط الحديقة  تتأمل السماء فوق تلك البقعة من بقاع الارض التي تسمي الصعيد.. و التي يملكها زوجها السيد\عبد الله محمود سالم.. ابتسمت وهي تعود بذاكرتها للوراء قليلا..
تري ذلك الشاب المرح صغير السن يقترب منها و يقول مداعبا عبارة غزل اواثنان  فينهره زوجها حتي و هو يعلم انه يمزح، ثم يسلم لهما ظرفا ويقول بمرحه المعتاد:"شغل و لا الموساد نفسه يعرف يكشفه.. عمايل اديا و حياة عنيا.." فيتفح زوجها الظرف و ينظر الي محتواه و يقول:" ايه يا واد الشطارة دي.." فيقول الشاب:" كده ممكن تسافروا.. تتجوزا .. تعملوا اي حاجة.."
فيربت زوجها علي كتفه في امتنان..
ولكنها تعود وتتذكر ان الامور لم تسر وفق ما خُطط لها .
برغم الجهد الذي بذل.. فهي تتذكر اكثر من مرة قفزهما للخارج من النافذة الخلفية لذلك المبني.. الذي وقفا في طابوراطويلا امامه قبلها في الشمس الحارقة حاملين اوراقا لا معني لها اعدها لهما صديقهما الشاب المرح.. فقط ليدخلا المبني  ويخرجوا من البوابة الخلفية له بعيدا عن الانظار .. ضحكت و هي تتذكر  كيف كانا يقفزان و يتجنبا رؤية امن المكان لهما.. كانت مغامرات مضحكة حقا.. كله من اجل ان يظن من يراقبهم انهم علي وشك السفر..
لقد نجحا في خداع الكل ..بالفعل ظن الجميع انهم مسافران.. ولكن لم تكتمل الخطة كما ارادا..

"شهد"
كان هذا صوت زوجها ينادي من داخل البيت البسيط ..
مني:"ايوة.يا جو."
عبد الله:" بتعملي ايه عندك؟"
مني:" مأنتخة علي الكنبة في الجنينة.. تعالي انتخ معايا.."
عبد الله:"جاي.."

كانت حقا احداثا درامية ..تليق بفيلم اكشن..

ولكن الجزء الرومنسي كان له دورا..

اتسعت ابتسامتها و هي تتذكر تلك اللحظة و التي ستظل تتذكرها الي الابد..
كان الموقف مرعبا بصورة بشعة...ذلك البغيض فاروق مصرا علي ان يصدمهم بالسيارة الكبيرة.. افلتا من السقوط اكثر من مرة بمعجزة.. الي ان قال جو فجأة:" مش هنقدر نكمل الطريق كده.. عربيته اجمد و اسرع! هيموتنا.."
شهد: طب ايه؟"
جو:" هننط!"
شهد مصعوقة:" ازاي؟"
جو مركزا نظره اليها في مراة السيارة  ليتأكد انها تفهم :"لما اقولك نطي افتحي الباب و نطي.. وحطي ايدك علي راسك ولفي جسمك مع الحركة "
كانت تثق به و لكن هل تثق الي درجة اتباعه في الجنون.. لو لم تكن تلك التهلكة فماذا تكون؟؟
بالفعل انتهز جو اول اصطدام اخر وانحرف بالسيارة نحو الحاجز الجانبي ثم صاح:" نطي!" وقفز معها..
قفزت هي بعده لتجد نفسها تسقط في الرمال الموجودة بعد الحاجز و تتدحرج مثله قليلا لاسفل..بينما السيارة هوت لاسفل ثم ..بووووم الانفجار..
اقترب منها جو و ابقي رأسها منخفضا.. حتي يتختفيا عن الانظرا ..راقابا السيارة تحترق وهم متوارين لربما كان احدا مارا و يلقي نظرة.. كان الطريق مهجورا و نادرا ما يمر به احدا.. ولكن الحرص واجب.. بعد ان اطمأنا الي ان احدا لا يتابع.. تسلقا صعودا و لكن من مكان ابعد قليلا من الحادث .. وما ان وصلا للطريق حتي نفضا الرمال عنهما و سارا مبتعدين.. يده تعانق يدها و علي وجهيهما ابتسامة لا مكان لها علي فمان للتو نجا صاحبيهما من الموت المحقق..
نظر اليها و قال مبتسما:" البقية في حياتك.."
لم تفهم. سألت:" في مين؟"
 فقال:" في شهد و يوسف.. من دلوقتي عايزك تنسي كل حاجة حصلت قبل اللحظة دي في حياتك.. من دلوقتي انا وانتي اتنين جداد.."
شهد بابتسامة ممزوجة بدهشة:"يعني ايه؟"
قال:" يعني مثلا شهد كانت ملك يوسف.. ده هيتغير.."
شهد بتوجس:" هتديني حريتي؟"
ضربها يوسف علي رأسها و قال:"هو ده اللي هامك؟.. ده بُعدك.. انت هتفضلي ملكي ..بس بطريقة تانية.."
شهد:" ايه بقي ان شاء الله؟هتكتبني علي نفسي وصولات امانة؟!"

جو:"لأ هكتب انا عليكي! "

توقفت شهد عن السير.. ونظرت اليه عاجزة عن الكلام..  لم تتصور يوما ان لحظة مثل تلك ستمر عليها.. كان اقصي امالها ان تعيش سعيدة في كنفه.. ملكا له.. و لكن ان يطلب ان يتزوجها؟!! ان تصبح حرة و في نفس الوقت تمضي عمرها بحانبه.. بارادتها و كامل حريتها.. الا تعامل كسلعة مربحة ابدا في حياتها مرة اخري؟؟!! لم تصدق.. دمعت عيناها و هي تنظر اليه.. تلك النظرة التي اذابته..
قال متصنعا الجدية :" اولا روحي انتي حرة.. تقدري تمشي لو عايزة"
فسارت شهد مبتعدة تمازحه..
فلحق بها قائلا:" وحياة امك؟! انسي! تعالي هنا.."
وقف امامها و امسك يديها وبيديه و قال:"بما انك بقيتي حرة .. اسمي يوسف، وعبد الله في البطاقة الجديدة.. وعندي بيت و ارض في الصعيد ناوي ازرعها.. حاليا مبشتغلش بس معايا فلوس.. بغير اوي و عصبي.. وبقدس الحياة الزوجية وبساعد في المنزل.. تقبلي تتجوزيني؟"
ابتسمت شهد وترقرت عيناها و لم تقوي علي الرد..
فقال هو :" هو عموما رأيك تحصيل حاصل.. انا عملتلك الشويتين دول بس عشان تحسي بنفسك.. كده كده هكتب عليكي.."
ثم انحني بسرعة  و ولف زراعيه حول ارجلها و حملها علي كتفه قائلا:" استعنا علي الشقي بالله"
صار رأسها متدلي خلفه وكأنه يحمل جوال بطاطس.. وهي تضحك و تضرب علي ظهره بقبضتيها..
مشي بضع خطوات .. ثم قال فجأة:"احنا كده يا شهد بالنسبة لكل الناس موتنا.. مبقالناش حد في الدنيا غير بعض.. زراعة الارض لسة في علم الغيب.. الدنيا مش واضحة قدامي.. برضه هتيجي معايا؟"
شهد:" ارد ازاي و انا متشقلبة كده؟"
انزلها و نظر بجدية الي عينيها فامسكت يده و قالت:" انا اصلا مكانش ليا حد في الدنيا.. وبقالي بس لما انت ظهرت.. هروح معاك لاخر الدنيا.."
ضمها اليه بحنان..
ثم عاد ليقول:" برضه ردك علي السؤال ده كان تحصيل حاصل..كده كده كنت هاخدك معايا!"
ثم انحني مرة اخري و حملها بنفس الطريقة.. وهي مازالت تضحك

افاقت من ذكرياتها علي يد حنونة تملس علي شعرها.. انه هو..
جلس بجوارها علي الاريكة و قال:" كنت سارحانة في ايه؟"
قالت:" بفتكر عرض الجواز بتاعك.."
قال:" انت هتعيشي؟! عرض جواز.. وهتمثلي بأة اني كنت عريس و بطلب ايد الهانم العروسة.. علي اساس ان كان ليكي رأي مثلا و او عندك اختيارات؟"
هي:" افرض كنت مشيت و سبتك وقت اما قلتلي اني حرة؟ "
لف ذراعه حولها و الصقها به و قال بهدوء:" كنا هنخش بقي في حوارات خطف بقي ...وكلام من اللي انتي واخدة عليه ده.. "
شهد:" لا انا زهقت اوي من الخطف.. شوف حاجة مختلفة.."
جو:" علي رأيك.. بقي ملل اوي.. انا مش عارف همة عاجبهم فيكي ايه؟"
شهد:" يا سلام مش عارف؟"
سرح قليلا ثم قال :" عارفة بجد كلهم عاجبهم فيكي ايه؟ سيبك من ان كل و احد بيطلع سبب هو مقتنع بيه ..  انتي يا شهد  فيكي ميزة باينة اوي بتشد خصوصا في وسط  ناس زي اللي كنا معاهم .."
شهد:" ايه بقي ؟"
جو:" براءتك.. اللي باينة في وشك مهما حاولتي تلبسي و اتمثلي..حتي واني بتهببي ترقصي .. شكلك بريء..ودي حاجة كلنا مفتقدينها و بتجننا لما بنلاقيها.. انا اول ما شفتك مقدرتش امنع نفسي من اني اعين نفسي وصي علي براءتك دي..  وعندك ميزة كمان بس بتبان لما الواحد يعرفك اكتر.."
 اعتدلت شهد ونظرت اليه باهتمام قائلة:" لا دانا الليلة دي  قاعدة معاك للصبح.. قول "
قال:" عندك مبدأ حتي لو غلط.. بس انت ماشية عليه.. مهما حصل انت ثابتة.. غير بقي انك جريئة و جدعة.. بس ده ميمنعش انك  غشيمة و متهورة"
ضحكت شهد بشدة..
فقال:" بتضحكي علي ايه؟... فاكرة لما زنقتي مندو في الحمام .."
انفجرا كلاهما من الضحك..
فعاد ليقول متظاهرا بالضجر:"حاجة تقرف ..واخد واحدة قال ايه ، كل واحد عدي كده من جنبها قام حبها ولا اعجب بيها و لا عايز يتهبب يمتلكها.. واشرب بقي يا جو.."
ضحكت شهد بدلال وقالت:" انا محكتلكش علي سليم؟ مش هو كمان.."
قاطعها جو قائلا:" مش عايز اسمع حاجة.. ارحميني "
شهد ساخرة في دلال:" ايه يا حبيبي بس هو كان حصل ايه يعني؟"
جو مستنكرا معترضا:"بقي انا جو.. اللي بخرم عين اي حد يرفع عينه علي واحدة مجرد ماشية جنبي ..  اشوفك انتي اللي بحبها.. مش عارف مين يجي يموت يقرر يديكي الحضن الاخير.. و معرفش مين فجاة افتكر انه بيحبك و يقرر يعوض سنين الحرمان .. لأ ده غير ايام عطا.. والله مش ناسيلك اللي عملتيه فيا.. كله هيطلع علي دماغك!"
شهد:" ازاي؟"
جو بخبث:" تعاليلي جوة و انا اوريكي!"
قالت شهد مغيرة للموضع بعد ان احمرت و جنتيها احراجا:"هم الجماعة مش جايين و لا ايه؟"
جو:" ده و قت جماعة دلوقتي!  عمر كلمني و قالي هيجيب حنان و هيجوا بكرة.."
شهد سارحة:" تفتكر حنان عمرها هترضي عن عمر؟"
جو:" طول ما هو كده مش هترضي.."
شهد:"بس ده صعب يطلع من الل هو فيه .."
جو:" عشان كده قصتهم هتفضل متعلقة .."
شهد:" طب و حمادة مش جاي؟"
جو:" لأ صعب ..مش الفترة دي..عشان بس العين متبقاش عليه و هو جايلنا"
شهد:" بصراحة الواد ده يستاهل كل خير..كان جدع قوي معانا .. البطايق اللي عملهلنا  لولاه و لا كنا اتجوزنا و لا كنا عرفنا نعيش هنا.."
جو:" فعلا.. عارفة فكرة الشهر العقاري كانت فكرته.. عمل بطاقة باسم عبد الله  ومسكها علي انها بتاعته و انا رحت معاه بصفتي يوسف صاحب ارض الصعيد.. و بعت له بصفته المشتري عبد الله.. بحيث بعد كده لما انا اخد بطاقة عبد الله تبقي الارض ملكي من غير ما حد يركز معانا"
شهد:"وفكرة السفارة برضه كانت حلوة بس متعبة.. كلهم بجد افتكروا اننا هنسافر.. لولا بس موضوع الخواجة الللي قفش عليك ده و بوظ الدنيا..  بس اهم بدل ما كانوا هيفتكروا اننا هاجرنا واحنا في الحقيقة هنا.. اديهم فاكرين اننا موتنا و احنا برضه في الحقيقة هنا.."
جو:" الواد حمادة ده والله دماغ كبيرة اوي.. "
شهد:" اه فعلا .. تصدق واحشني جدا.."
جو:" متخلنيش بقي اجيب سيرة امه.. و حاشك ده ايه؟!"
شهد:" ايوة اصله  بيضحكني جدا.. دمه شربات"
جو ضاغطا علي اسنانه متصنع الغل:" وانا مش بضحكك؟! طب تعاليلي و انا هوريكي الضحك!"
وجذبها من يدها بقوة لتقف و دفعها امامه لداخل البيت وهو يطاردها و يدغدغها.. بينما هي تصرخ و تضحك وتحاول منعه..
اختفيا في الداخل .. ثم ظهر جو بعد ثانية وقام باغلاق الستائر..


                                          ***
في اليوم التالي قابلت شهد حنان بترحاب شديد و احتضنها لمدة طويلة.. كانت حنان تبكي تأثرا..
حنان:" منكوا لله.. منكوا لله انا قضيت اسبوع مهبب .. عيط عليكوا عياط يا ولاد الذينا.. "
شهد:" طب و تعيطي ليه لما انتي عارفة اننا هنا؟"
حنان:" منا الاول كنت بعيط عشان كل اللي حصل و بتخيل لو كنتوا متوا بحد كان جرالي ايه.. و بعدين بقيت بعيط عشان مش مصدقة انكوا خلاص هتعيشوا هنا بعيد عني.. و بعدين بقيت اعيط من وجع دماغي و التمثيل اللي كنت بمثله علي الناس"
عمر:" هو ده بس اللي كان بيعيطك يا حنان؟"
نظرت اليه حنان ببرود و تجاهلت سؤاله.. سؤاله (جه في الجون) كانت تبكي معظم الوقت بسبب وجوده الذي صار امرا مستمرا في حياتها.. كات تحبه و لكن بكل حزم تمنع نفسها حتي من الابتسام له.. كانت تتعذب حين تراه يوميا و لا تقدر علي قول (وحشتني).. كان نظراته المحبة لها تمزقها.. ولكنها لن تتخلي ابدا عن مبدائها في العيش بما يرضي الله.. لذا كان البكاء ملاذها..
عمر لشهد بهدوء:" ازيك يا شهد؟ اخر مرة شفتك كنت متشقلبة علي كتف جو.. "
ابتسمت شهد في حرج.. وقالت:" كويسة.. الحمد لله زي مانت شايف اتعدلت"
ضحك عمر ضحكة راقية هادئة..
خرج جو وقال بحماس:" حنونة"
جرت حنان عليه و احتضنته بقوة..
تنحنح عمر و اشاح بوجهه.. تأملته شهد.. كان حقا يحترق من الغيرة.. هي تعلم هذا التعبير جيدا..
قالت:" جوو حنان  اخوات.. كانه اخوها الصغير.."
ادرك عمر ان شهد تفهم حالته فقال محرجا:" طبعا منا فاهم.. طبعا"
ابتسمت و قالت:" ثم ان جو ده بتاعي انا.. مكنتش هسيبهم كده لو مكنتش عارفة معزتهم عند بعض"
عمر وكانه يعترف:" انا فاهم.. بس مش بايدي!"
اقترب جو و حنان منهما و قد طوقت حنان وسط جو بذراعيها بينما اراح  هو ذراعه علي كتفها.. عندما استدار عمر ليراهم.. احتقن و جهه وقال متعلثما:" حمد الله علي سلامتكوا يا جو.."
غمزت شهد لجو..لكي يبتعد عن حنان لم يفهم في البداية .. فهي لم تبدي اي ضيق ابدا من علاقته بحنان و تتفهمها.. ولكنه عندما نظر في وجه عمر المحتقن ادرك غاية شهد.. و لام نفسه.. رفع ذراعه سريعا عن حنان بطريقة ساذجة وواضحة تبين تماما ما مر في رأسه.. وقال لعمر:" الله يسلمك الفضل ليك بعد ربنا في سلامتنا"
ثم اقترب منه وربت علي كتفه في حفاوة.. وبدي علي عمر انه غير مهيء ليكون حميما الان مع جو.. فهو شبه تراجع مبتعدا..قائلا:" ده اقل واجب.."
جلسوا جميعا في الحديقة علي بعض الكراسي البسيطة المريحة..
جو محاولا ان يضيف اي اضافة ليريح نفسه من اللوم ..فهو قد ذاق الغيرة و يعرف مرارتها.. وقد اشفق علي حالة عمر.. فهو يذوب عشقا في حنان بينما هي ترفضه.. ومؤكد يغار عليها من شخص مقرب اليها مثله..
 يجب ان يحترم وجوده..  فهو له افضال عليه..
قال:" عارف يا عمر حنان دي زي امي.. "
ضربته حنان علي كتفه بغيظ قائلة:" امك؟!! ليه شايفني اد ايه؟"
تلقي جو الضربة التي حقا المته من امرأة غاضبة ذكر حديثا عن عمرها..
قال:" اقصد لو كانت ليا ام مكانتش هتعاملني زي حنان.."
ابتسم عمر محاولا ان يبدو متفهما..
شهد لتغير الموضوع تماما:" بجد يا عمر احنا متشكرين جدا.."
عمر:" انا اللي متشكر.. موضوعكوا ده اداني فرصة جديدة.." ثم نظر الي حنان..
وعاد ليكمل عندما وجد رد فعلها سخيفا باردا قال مازحا:" بس ايه يا شهد ده.. كل الليلة دي طلعت في الاخر بسببك.. عارفين مين اللي طلع سخن الخواجة علي جو خلى الدنيا تنفجر.. بت كده بتحب جو اسمها زوزو.. كانت غيرانة من شهد قامت راحت فقعته اسفين عند الخواجة.. والمعلم القديم بتاع شهد كان عايز يرجعها فتحالف مع الخواجة.. ده غير بقي كل الي قفشوا علي جو عشان عايزين يشتروا شهد.. وجو اداهم وش خشب.. كل دول قلبوا الخواجة عليك يا جو.. المهم دلوقتي ان كل دول راحوا... اللي هرب و اللي اتقتل.. مش سهلة انت برضه يا شهد! خلصت علي عصابات بحالها برجالتها.."
ضحكت شهد..
حنان:" انت لو  شفت زوزو يا جو هتصعب عليك.. ضربت خالص.. د انا كنت بفكر اقولها انك ممتش عشان اريحها"
صاح بها ثلاثتهم محذرين..
فرفعت يديها مستسلمة وهي تقول:" منا مقولتش! هو انا هبلة؟"
شهد:" تستاهل.. هو اللي شفناه منها شوية.."
جو:" دلوقتي بقي اللي شفناه منها؟!.. الله يرحم.. اصل زوزو قالت.. اصل زوزو سوت"
كان يقلد اسلوب شهد ساخرا منها ..
ثم عاد ليقول لغيظ شهد:" بس مسكينة و الله.. خسارة و احدة زيها في الجنان"
كان يرسم بكفية في هواء تقاسيم جسد فتاة  مغرية وهو يقول "زيها"بينما شهد (تزغر ) له..
فانضم اليه عمر مؤيدا و هو يقول بحسرة:" الصراحة اه.. و اي خسارة.. الا صحيح يا جو.. هي فعلا كانت صحبتك؟!"
هنا تدخلت شهد وقالت:" بالنسبة لـ ليلتكوا؟ طب انت يا عمر هتروح.. انما هو قاعد هنا.. خليها تعدي!"
حنان بزدراء:" عين فارغة!"
عمرلحنان:" تنكري ان البنت مزة و حلوة؟ "
حنان بعصبية:" ماهي كانت قدامك في العزا.. كنت خليني اعرفك عليها"
عمرساخرا متصنع الجدية:" لأ يا شيخة.. ده وقته؟! البنت مهمومة و حزينة علي موت حبيبها.."
جو:" يا بني هو ده وقته! تبقي انت الصدر الحنون اللي هيعوضها عن اللي راح منها.. اسألني انا"
شهد بتلقائية شديدة وهي تنهض:" طب هقوم انا اجيب المطواة من جوا.. اجيب لحد حاجة معايا؟.."
امسك جو بذراعها.. و قبل كفها قائلا:" بس تعرف يا عمر.. النوع الصغير القِلة ده .. احسن من اي حاجة"
نزعت شهد يدها و ضربته علي كتفه برفق..فاحتضن و سطها بذراعه بينما هو جالسا و هي واقفة بجانبه و قال وهو ينظر في عنيها بحب:"ولا عمري كنت هلاقي زيه.."
عمر مكملا المزاح:" لا ميزته انه خفيف و سهل التخزين..علي يدي.. انا شفتك وانت ماشي بيها علي الطريق"
اطلق جو ضحكة عالية و هو يضم شهد اليه اكثر..
عمر لحنان:" انا قولتلك لما لقيتهم علي الطريق ماشين  بعد الحادثة و هربتهم لحد  هنا كانوا عاملين ازاي؟"
هزت حنان رأسها نفيا.. ونظرت اليهما منتظرة الشرح..
عمر:"احنا بعد الحادثة قلنا نسيب المكان و نمشي..وبعد يجي كيلوا كده  الاقيلك دول متربين و متغطيين بالرمل .. و جو ماشي علي جنب الطريق بمنتهي الثقة شايل شهد علي كتفه زي الشوال..وماشي يتمختر بالراحة"
قالت شهد مؤيدة بابتسامة عريضة:" اصله كان لسة طالب ايدي.."
حنان:" حاجة رومانسية خالص.."
عمروهي يرمق  حنان بنظرات ساحرة:" عقبالي يا رب.."
حنان بحدة:" انت بتحلم!"
عمر:" ليه بس كده يا بنت الحلال.. البنت المزة ان شاء الله هتخف و تفوق من الصدمة وهتلاقيني في انتظارها.. انتي طبعا اول المعازيم.. عشان تمسكيلنا الورد في الزفة"
حنان بغيظ اخفته في ازدراء شديد:"مممم يدوبك عليك زوزو فعلا.."
عمر:" معلش اصلي حاولت ارفع من مستوايا.. بس مرضيوش بيا فوق"
همت حنان بقول شيئا جافا الا ان شهد قطعت الحوار وغيرت الحديث مجري للمرة الثانية:
"جيتوا ازاي؟ بسهولة؟"
عمر:" بالطيارة.. نزلنا في مطار الاقصر و ركبنا عربية كانت مستنيانا لحد هنا"
شهد مازحة:" الفلوس حلوة برضه.. اوعي تفتكر اني بحسد.. انا بحقد بس"
عمر:" والله يارتنا جينا بالعربية.. يمكن كان الوقت طول و حنان كانت هتضطر تفتح بقها و تكلم معايا"
نظرت اليه حنان نظرة امتعاض..
عمر لحنان:" ده الي باخده منك ..نظرات"
جو:" ايه يا حنان.. الراجل جايبك لحد هنا في طيارة.. ابتسمي في وشه حتي"
حنان بحدة:" والله هو اخد تمن الرحلة دي مقدما.."
وضع جو يده علي وجهه متصنعا الصدمة وقال بصوت مرتعش:" استغفر الله العظيم "
ضحكت شهد بصوت عال بينما ابتسمت حنان رغما عنها..
قال عمر لجو معترضا:" والنبي بس قبل ما تعمل فيها ذكي رستم.. عارف التمن ايه؟ الهانم و افقت اني اكلمها امبارح بالليل في التليفون.. " ثم قبل يده وش وظهر..
لم تملك حنان سوي الابتسام رغما عنها فقد كان اداء عمر ساخرا مضحكا.. ومن قبله جو..
ثم حاولت ان تكون جادة و تقول:" اظن اننا متفقين اننا منكلمش ابدا.. وانا اتنازلت عشان انت بتبتزني بانك تجيبني هنا"
عمر معترضا بشدة:" الاتفاق ده كان زمان يا حبيبتي.. قبل ما انقذ حياتك.. دولقتي حياتك دي ليا حق فيها.."
حنان:" انت هتذلني عشان مرة في حياتك استرجلت معايا!"
عمرمصعوقا منفعلا:" ايه؟ مرة؟!!! مرة؟!!! نسيتي.. افكرك؟!!"
حنان و قد استدارت له و ضيقت عينيها:" فكرني.. و النبي تفكرني!"
عمر:"والله ما عارف ابتدي منين!! طب نسيتي لما كنتي بتدوري علي شقة و كنتي بتيجي تعدي عندي فكنت بسيبلك البيت خالص واروح انام عند اخويا..عشان تبقي علي حريتك ومخك ميصورلكيش ان كان في نيتي اي حاجة لما عرضت عليكي تيجي؟!! واحد تاني مكانش عبرك ولا قلك راحته.. و للا حتي كان استغل الفرصة!!!"
حنان:" يا سلااااااام..  انت هتزلني عشان كنت مش لاقية شقة!!!"
عمر منفعلا:" شوف اقولها ايه تقولي ايه... انا بقول ان الموقف...............................

كان جو وشهد يتابعان المشادة بين الحبيبن وعلي وجههما ابتسامة.. غمز لها جو ليدخلا الي البيت.. فقامت معه وسارا معا وقد احاطها بذراعه قائلا:" انا رأي نسيبهم علي راحتهم.. عمرهم ما هيبطلوا.."
اومأت شهد برأسها موافقة .. بدى ان صراع الحبيبن كحبهما .. ازلي و لن ينتهي ابدا..
اسدنتد رأسها الي كتفه و دخلا معا من الباب..
سعادتها بدأت مع اعلان موتها..
وبعد ان كانت هي اللصة .. صارت المسروقة..
سرقها بطلا اسطوري.. رجلا ..
لو كانت السعادة تتمثل في القرب منه..

فهي اسعد مخلوقة في الاكوان جميعا..



تمت بحمد الله