صورتي
القاهرة, Egypt
منة فوزي .سيناريست وبحب احكي حواديت

جميع حقوق النشر محفوظة وغير مسموح بالنقل !


حقوق الملكية يا حرامي!

12/31/2011

حُرية رُقية (6)

كان علي عمر ان يجد وقتا و مساحة ليتحدث الي السيد صادق بعيدا عن رُقية ولكن دون ان تغيب عن محيط نظره. الفتاة لا تهدأ! تتحرك في كل الاتجهات و تقرر فعل امرا فجأة ..ثم تغير رأيها و تعود ادراجها.. لقد ارهقته بحق! ناهيك عن اختلاطها المبالغ فيه بالبشر حولها.. تحدث الجميع و تمرح مع الجميع .. و الاعجب انها سريعة في كسب ود الكل.. اصبحت بحلول الليل صديقة كل فرد من افراد ذلك المخييم.
اما ذلك المدعو لوك..فقد صار لا يفارقها.. او بعمني اصح لا يفارقهما.. فعمر مثل لوك لا يفارق رُقية.. يجب ان يمنعه من التقرب اليها حتي لا يسرق منه اهتمامها و تفشل الخطة ، خصوصا انه شابا  فرنسيا جميلا يتحدث برقة  ويعامل الفتيات و كأنهن اميرات..كان هاتف  عمر بين الحين و الحين يتلقي رسالة مبهمة تستفسر عن اخباره.. كانت تلك رسائل صادق و المتفق علي اسلوبها المبهم منعا من اكتشاف امرعمر..لذا  كان عليه ان يطمئن الرجل الملهوف علي ابنته كما وعده..
بالفعل حين اخبرته ان عليها الذهاب للحمام في  داخل الاستراحة، رأي الفرصة سانحة فسار معها بحجة ذهابه للحمام بدوره .. وحين اطمئن انها دلفت الي دورة مياة السيدات و اغلقت الباب بينما يتظاهر هو بتوجهه لباب الرجال.. ابتعد واخرج الهاتف واتصل بصادق، لم تفارق عينه الباب، طمأنه ان الامور علي ما يرام و انه لا يوجد ما يعرقل الخطة..
صادق:" جايك و الرجالة هيكون علي مسافة منكوا ..في حالة احتاجتلهم"
عمر:" مسافة بعيدة.. مش عايزها تشوفهم غير لو انا لقيت ان ده هيخدمني.."
صادق:" متقلقش.. همة بعيد.. المهم، رقية ابتدت تحبك؟"
ولم يدر لم احرجه السؤال فرد باسلوب رسمي ليغطي علي الاحراج": الهدف لسة مشاعرها محايدة يا فندم .. انا كسبت فقط جزء كبير من ثقتها"
اصابه بعض التوتر فصار يتحرك مجيئا و ذهابا اثناء المحادثة
وبينما يتحدث  استدار للباب مرة اخري ليلمح فتاة تدخل الي دورة المياة.. هذا يعني ان من كان بداخلها قد خرج!
لقد ابعد نظره عن الباب لثلاث ثوان فقط.. متي خرجت؟!
اصابه الغيظ.. تلك الفتاة ارهقته الي حد لا يوصف!
صاح في ابيها دون ان يشعر:" البنت دي هتضيعلي مستقبلي.. رحمتك يا رب! بعد اذنك يا فندم اما اروح اجري ورا الست هانم !"
انهي المكالمة و سار يبحث عنها في ظلام المكان.. كان يدرك انها لم تبتعد.. وبالفعل كانت تقف مع بضع فتيان قرب نارا مشتعلة بداخل برميل معدني.. تمسك بسيجارة في يدها..و بدي من الواضح انها تأخذ درسا في كيفية تدخين السيجارة.. تابعها و هي تسعل.. الي ان هدأ السعال تدريجيا و بدأت تتمكن من التحكم في الدخان.. كان يود لو يمنعها.. سعالها كان يشعره بضيق في صدره.. ولكن ذلك قد ينفرها منه..
حين رأته يقف عن بعد.. ابتسمت في سعادة ثم جرت عليه وفي يدها السيجارة..قالت في حماس وفخر:" لم اعد اسعل!"
قال:" جيد"
قالت:" انا الان مدخنة!" ونفثت الدخان ببعض التمكن
لم يرد، فقط ابدي عدم اهتمام..
استطردت:" والان استطيع القول اني كنت مدخنة!" ثم القت السيجارة في الارض وداستها بحذاءها..
حرك رأسه في اندهاش وقال:" ماذا؟ "
قالت بثقة و مرح:" لم تعجبني! لقد جربت السجائر واخترت بارادتي الا اكون مدخنة بعد التجربة.."
ابتسم وهو ينظر اليها.. مجنونة !
 ان كان هدفها من الحرية  هو التجربة ثم الاختيار وفقا لما يعجبها.. عليه اذن ان يمنعها من تجربة عدة اشياء - قد تصيب ابيها بالسكتة- هو علي يقين انها ستعجبها!
سارا معا لمكان المخييم و هي مازلت تتحدث عن طعم السيجارة و كيف شعرت انه مثل التراب..
"هل ابتعتما خيمة يا عمر؟"
كان هذا لوك  بانجليزيته التي تكاد تكون سليمة الا من حرف الراء الذي ينطقة مثل حرف الغين.. وكان عمر يبتسم في سره ويري في هذا الامر نوع من الميوعة لا تليق برجل.. كان ليقول عنه لو كان في مصر و يجيد لغة الشارع : "سيس"
كانوا يجلسون حول نارا صغيرة .. اشعلها لوك قبل قليل طلبا للدفء
اجابت رووكي:" لم نفعل بعد.. افكر في النوم بلا خيمة.. ماذا ستفعل انت يا عمر؟"
عمر:" سيأكلك الناموس و الحشرات..  الخيمة افضل"
لوك:" انه محق عزيزتي رووكي.. الخيمة افضل لك"
رُقية تتصنع الغضب:" و ماذا يعرف كلاكما عن الافضل لي؟! انا فقط من تقرر ما هو الافضل لي!"
رفع عمر كفيه متراجعا و قال:" انها نصيحة لا اكثر.. لم ادع اني اعرف شيئا.. انه جلدك انت الذي سيمتليء بالحكاك و ليس جلد احدنا "
اما لوك فقد ابتسم و قال :" اه لدينا شابة لا تقبل النصح هنا.. كما تريدين يا رووكي .. انها نصيحة مجرب ليس اكثر"
ضحكت رووكي و قالت:" اجل هذا افضل.. احب ان اري الرجال تدرك حدودها.."
اقبلت عليهم دونا.. جلست علي الحشائش معهم و هي تقول للوك :" الديك بعض العلكة؟"
اقتربت رقية وهمست في اذن عمر:" لم اعرف ان اسمي و اسمك ممكن ان يكونا بهذا الجمال"
التفت لها و تأمل وجهها القريب منه مع انعكاس ضوء النيران علي جانبه .. بدت كحورية الغابة في تلك القصة التي قرأتها له امه في صغره.. تأمل فمها الصغير وشفتيها الحمروان بفعل حرارة النيران.. كانت تهمس بشيء ما عن اسميهما.. يجب ان ينتبه.. يجب ان يستمع لكل ما تقول.. انه دليله لمداخل قلبها و عقلها..
قال  برفق وعينيه لا تزال علي الجزء الاسفل من وجهها:" ماذا؟"
فاقتربت اكثر كي يسمع و قالت:" اسمينا.. انا و انت.. الم تسمع كيف ينطق لوك .. عمغ و غووكي.. لم اكن اعرف ان اسمي قد يكون بهذه الجاذبية من قبل"  قالتها و ضحكت ضحكة  قصيرة حاولت اخفاءها في كتفها القريب من كتفه..
ابتسم عمر.. لم يدر لمَ ابتسم .. ما قالته لتو هو اخفاق بكل المقايسس.. أنْ تظن أنَ اسمها من فم لوك جذابا وهو انذار بفشل خطته.. كما ان مدلول ذلك الامر خطيرا.. ان كان يعجبها شاب رقيقا مثل لوك ،فهي طبعا لن يعجبها شخصا مثل عمر.. وعليه ان يتحول ويتظاهر بالرقة لينال اعجابها و الا ايضا تعرضت الخطة لخطر الفشل.. الا انه ابتسم .. هناك شيئا في ضحكتها يسعده.. لربما حاول اضحاكها متعمدا ليسعد نفسه..
قال لها بصوت خيفض بدوره وهو يمنع ابتسامته الساخرة و النظر ناحية لوك:" اعذريني ان كنت لا اشاركك الاعجاب باسمي من فم لوك.. فانا رجل يفضل النساء "
ضحكت ضحكة اخري.. حيا نفسه في داخله لانه اضحكها ..
القت نظرة خبيثة علي دونا و قالت:" حسنا دونا ايضا فرنسية .. ومؤكد ان عمغ منها ستكون جميلة"
ابتسم و قال مصححا:" اوماغ.. هي تقول اوماغ.. " ثم اومأ براسه و هو ينظر الي دونا متفحصا: "و اجل لن اجادلك في انها جميلة.. اعني اسمي هو الجميل منها"
رفعت رووكي حاجبيها تداري شعورا بالاحباط وقالت:" ممم حسنا كنت اعرف انك معجبا بها منذ لحظة ان وقعت عينيك عليها.. انها حقا جميلة.. هنيئا لك"
تعجب عمر في داخله .. لم ظنت ذلك؟؟ هو لم يعرف بوجود دونا ككائن علي وجه الارض الا حين ظهرت امامه تخبره عن مكان رُقية، برغم انه علم  لاحقا انهما تقابلا قبل هذا دون ان يلاحظها.. كما انها لا تعجبه بالمرة.. الشقروات لا يثرن اهتمامه ابدا.. في المجمل الشكل الخارجي لم يكن يهمه بأي حال في انجذابه لاي فتاة.. قد تكون دونا حقا جميلة و لكن ليس في نظره.. مالذي اعطي رقية هذا الايحاء؟
ولكن السؤال الاهم؟؟ ان كانت دونا لا تهمه حقا ما الذي دفعه للتو للتظاهر بأنها تعجبه؟؟!!
قال بخبث :" هنيئا لي علي ماذا؟ انا لم احدث الفتاة سوي بضع كلمات"
رووكي وقد ضيقت عينيها متصنعة الحذاقة:" حقا؟ هل تظن اني لست ذكية كفاية؟ ان بينكما امرا ما.. ان اعرف تلك الامور جيدا حين اراها"
عمر ساخرا:" اوووه لدينا شارلوك هولمز صغير .. رووكي انت تتخيلين اشياء لا صحة لها"
هنا قالت دونا لعمر فجأة بعد ان انهت حديثا جانبيا مع لوك:" كيف حال سرنا الصغير يا عمر؟" وضحكت ضحكة عالية..
رفعت رقية حاجبيهة و التفتت لعمر بنظرة " اتخيل حقا؟!"
ضحك عمر و قال لدونا:" صمتا يا فتاة! انه سر .. الا تعرفين معني الكلمة؟"
لوك ضاحكا:" هل قلت سرا لدونا؟! يا ويلك! لقد اخترت الشخص الخطأ ،الفتاة لا تبقي اي سر.. بل قد تبتزك " وانفجر ضاحكا
عمر مدافعا:" لم اخبرها ! هي من دست انفها في الامر"
دونا:" نعم و مزال انفي يعاني حتي الان! الرائحة كانت نفاذة"
كانت رووكي تضحك دون فهم.. كانت تغطي علي الفضول الرهيب الذي انتابها ..يجب ان تعرف ما الامر الذي بينهما.. كل الحوار السابق مع عمر كان هدفه ان تفهم سر الاشارة التي رأتها بينهما قبل قليل.. و لكنه لم يفيدها.. ليس شخصا يمكن استدراجه في الحديث.. او اخذ انطبعات عن ردود فعله.. لقد القي نظرة علي دونا وهو يتحدث عنها.. قد تبدو انها نظرة اعجاب.. و لكن هناك شيئا فيها.. كانت خاوية.. تكاد تجزم انه كان ينظر للفراغ.. لقد حيرها امره..
لوك:" رائحة نفاذة؟! مانوع السر ذي الرائحة؟؟"
رووكي:" اخبرينا يا دونا.. هيا"
قامت دونا من مجلسها قرب لوك وجلست قرب عمر تكاد تأكله بعينينها وقالت بدلال:" هل اخبرهم؟"
عمر بسرعة:" لا!"
فاقتربت اكثر وهمست في اذنه بدلال اكثر:" حسنا لن اخبرهم عما رأيت.. سأحتفط بالامر لنفسي"
عمر:" اشكرك علي الحفاظ علي صورتي"
دونا ومازالت تهمس:"فلنقل اني احافظ عليها من اجل منافع شخصية "
عمرضاحكا:" حقا؟ هل ستبتزيني كما قال لوك؟ "
دونا وهي شبه قد الصقت فمها بأذنه:" لا ..لنقل اني اصبت بالطمع..  وان ما رأيت هناك يستحق فعلا ان احتفظ به لنفسي فقط!"
نظر اليها غير متأكد ماذا عليه ان يفهم ، و لكن حين رأي نظرات الاغراء في عينيها ،ادرك عمر انها تعني امرا اوقح كثيرا من مما تخيل..
حسنا هو رجل.. وقد استثاره الامر بعض الشيء.. و لكنه ليس من نوعية الرجال التي قد تمرح مع اي فتاة عابثة.. كما انه في مهمة عمل ولا مجال لاي "منافع شخصية" علي حد قول دونا.. حين التفت لرُقية ليذكر نفسه بمهمته.. رأي نظرة في عينيها جعلته يدرك كل شيء..
حوارها الطويل حول دونا.. اقترابها منه وهمسها في اذنه حين اتت دونا.. تلك النظرة علي وجهها الان و هي تراقب دونا الملاصقة له..
الفتاة تغار! رُقية تغار عليه!!
لقد انجز خطوة كبيرة جدا هنا! الان هو علي الطريق الصحيح.. ان كانت تغار حتي ولو قليلا فيهي تري فيه ما يستحق اعجابها!
اسعده الامر كثيرا.. لم يتوقف ليحلل تلك السعادة الغامرة التي لا تتناسب مع مجرد انجاز خطوة من خطوات مهمة عمل.. عادة انجاز العمل يعطيه احساس بالرضا، احساس بتحقيق الذات ، كلها مشاعر هادئة وبسيطة..  ولكن ما يشعر به من سعادة  الان مماثلة لاحساسه حين كان يعود للمنزل من المدرسة في طفولته ليجد امه قد اعدت كعكته المفضلة..
تعمد ان تكون نظراته سافلة لدونا و هو يرد عليها همسا..
لم تسمع رُقية ما قالاه برغم قربها .. لكنها رأت النظرات المتبادلة و الهمس.. اصابها الاحباط مع مزيج من الغيظ.. ولكن لم الغيظ؟ منذ ان رأته للوهلة الاولي وهي تتوقع ان حبيبته ستكون مبهرة لكي تستحقه.. لمَ الان تستنكر اعجابه بفتاة جميلة مثل دونا؟..ما يضايقها حقا اسلوبها الرخيص وتجاوبه  معها.. كانت لتفرح له وتتقبل فكرة القسمة و النصيب ان كانت حقا حبيبته و بينهما علاقة عاطفية.. لا مجرد فتاة مثيرة تنجح في الايقاع برجل عابر..
اشارت للوك لكي ينهضا و يتركا الاحبة دون ازعاج ..امتثل لوك فورا و سار معها عبر مجموعات الشباب المتناثرة ..
لم تسمع رقية ما قاله عمرلدونا.. اخبرها وعيناه تتفحصها دون حياء انها من اكثر النساء التي قابل فتنة ، وانه محظوظ انها اختارته من دون جمع البشر الموجود لتنجذب له.. ولكن لحسرته ان قلبه متعلق باخري! وهو ليس من الرجال الذي قد يترك قلبه مع واحدة و يذهب بجسده مع اخري.. برغم انه يتمني في هذه اللحظة لو كان كذلك.. ولكن هذا هو الحال.. لن يخون قلبه مهما قابل من فاتنات!
كان يحدثها و بين الحين و الحين يتابع رقية التي نهضت مع لوك.. اراد اثارة قليلا من غيرتها ، لذا تعمد الهمس لدونا و النظر اليها بعنين يملوءها الرغبة..لم يهتم ان رقية ابتعدت واكتفي بمابعتها..
وذلك لعدة اسباب كلها بالطبع مهنية تتعلق بالمهمة!
لكي يتأكد من انها حقا غيرة و.. حسنا .. هم سببين فقط!
لكي يتأكد من انها تغار ، وذلك عن طريق زيادة الجرعة.. و ايضا حتي.. حسنا ..
علي من نضحك؟!! لقد اراد اثارة غيرتها اكثر ليري رد فعلها ويتأكد منه.. لان ذلك سيسعده!  الامر شخصي بحت!
تابعته دونا و هو يلقي بنظرات متتالية علي رقية ثم قالت:" اعتقد اني اعرف من التي تملك قلبك! "
نظر اليها عاقدا حاجبيه مستفهما:" حقا؟ "
دونا بجدية متجاهلة استفهامه:" انا احترمك اكثر الان! واسفة ان كنت فرضت نفسي.. انت جذاب وظننت ان لدي فرصة معك"
نهضت و هي تقول:" شكرا لصراحتك .." ابتسمت ابتسامة مقتضبة وابتعدت.
لم يأبه عمر تماما لدونا وموضوعها.. لقد اهتم الا يجرحها و قد نجح .. الان كل ما في رأسه هو ان رقية تغار!
جنب سعادته ومشاعره الشخصية.. واستعاد عقله للتفكير في الخطوة التالية.. تغار اذن فهي معجبة.. الاعجاب بداية الطريق للحب و التعلق، عليها ان تتعلق به بشدة حتي ينجح في العودة بها.. ومن ثم تسليمها لابيها..
انقبض قلبه و هو يتخيل النهاية.. سيتحطم قلبها وتتزوج الفتي السخيف.. كلاهما اسواء من الاخر.. كيف لابيها ان يفعل هذا بها؟! انه حقا رجل قاس لا رحمة في قلبه..
القي نظرة علي رُقية التي جلست مع لوك وسط مجموعة ليست بعيدة، يجلسون حول نارا كبيرة بينما يعزف لهم شخصا علي الجيتار وهم يغنون علي لحنه غناء جماعي مزعج و لكن المرح يتفجر منه.. ابتسم لرؤيتها تبتسم.. كانت تغني في حماس مع المجموعة و لكن هناك امرا ما بدي علي وجهها وابتسامتها .. كان يعرف هذا التعبير جيدا.. رأه دوما .. حين ترقص مع اصدقاءها في الملهي.. او حين تحضر حفلا.. ذلك التعبير الخاوي وكأنها تتصنع المرح.. كان يتعجب منذ ان رأها في القطار ان هذا التعبير وتلك النظرة المتوترة التي اعتاد ان يراها دوما قد غابت عنها تماما.. الان فقط عادت اليها.. ايكون هو السبب؟ هل اثر فيها حقا؟
توجه اليها لاحظ توترها حين لمحته قادما، ابتسمت و صاحت بمرح:" تعال يا عمر.. انضم لنا.. الامر ممتع"
ولكنه كان يعرف اكثر.. و يميز قدرتها المبهرة علي التصنع..
جلس قربها و قال في اذنها حتي يصل صوته عبر الغناء و الصياح :" كيف تتركيني في ذلك المأزق و تنهضي؟ الا تعرفين شيئا عن عرفان الجميل؟ ااكون شهما معك فتردي الشهامة بالندالة"
رووكي وقد تمنت ان يكون ما فهمته صحيحا:" اي مأزق؟!"
عمر:" لقد رأيت بعينك الفتاة تغازلني وتحاول اغوائي.. كيف تتركيني؟ اليست لديك اي نخوة؟ "
انفجرت رقية ضاحكة..
فقال :" اتضحكين؟! ظننتك شرقية مثلي تقدرين معني شرف الرجل.."
ظلت تضحك.. ثم قالت:" وهل شرفك بخير؟"
عمر:" اجل.. فتاة اخري غيريك واجدع منك انقذتني!"
رقية ضاحكة:" وكيف ذلك؟"
عمر:" اخبرت دونا ان هناك شابا اوسم مني.. فتركتني"
ابتسمت رقية و قد وصلت لها الرسالة عبر دعابته ان دونا مجرد فتاة عابثة و هو لا يعبأ بها..
اكمل عمر بهدوء:"  لم تخبرها فقط ان عن الشاب الاوسم.. بل اخبرتها ايضا عن الفتاة الجميلة التي تصحبني.. ففرت هاربة"
حاولت رقية  منع الابتسامة و قالت دون ان تنظر له:" ماذا اخبرتها عن تلك الفتاة ؟"
عمر برفق وهو يتأملها :" لن اخبرك.."
رقية وهي تحاول الا تنظر له:" مؤكد شيئا بشعا .. فقد اخافها لتفر هاربة.."
عمر:" او رائعا جدا جعلها تدرك ان لا مجال للمقارنة"
لم ترد.. جاهدت لمنع ابتسامة رضا.. ثم  نهضت فجأة و انضمت لمجموعة ترقص علي انغام العزف و لغناء.. تلقاها شابا ما وامسك خصرها بيد و كفها بيده الاخري و دارا معا يرقصان وسط الراقصين.. نظرت الي عمر في سعادة .. لم يستوعب ما حدث للتو بعد  .. الا ان عودة ابتسماتها الصافية جعلته يشعر بالرضا..
قام لوك من مكانه بعد برهة و طلب من الشاب الذي يراقص رقية ان يراقصها هو.. فتركها الشاب.. لم تمانع رقية كانت تمرح و تقفز وتدور حول نفسها ثم تعود لذراعي لوك ليدورا معا و هما يغنيان..
كانت خطة عمر التي وضعها لنفسه - بناء علي ادراكه لنقاطها الحساسة المرتبطة بهروبها من قمع ابيها- تملي عليه الا يحاول ابداء اي نوع مباشر من المنع او الانتقاد لاي تصرف قد يحلو لها.. وذلك لكي  لا تنفر منه وبالتالي تدريجا يكسب ثقتها.. وكان عليه ان و جدها علي وشك ايذاء نفسها بشكل او باخر ، ان يمنعها بصورة غير مباشرة.
ان ما يحدث امامه الان لا يندرج تحت مسمي ايذاء النفس او ايذاء الغير لها.. الفتاة تمرح و تقضي وقتا ممتعا امام ناظريه في امان.. كما انه لا يناقد الخطة فقد تأكد له الان  ان كان هناك من تهتم له فهو هو نفسه و ليس لوك.. اذن لوك ليس مصدر تهديد.. لماذا اذن يرغب في تصفيته الان بمدفع ؟ هل لان كفيه الرقيقان يحوطان خصرها الصغير؟ ام لانه ينظر لها و يدقق النظر مثلما ينظرهو نفسه لها؟ تري هل اكتشف (الغمازات) في وجنتيها؟ هل لفت نظره شفاتها العلوية المكتنزة اكثر من السفلي؟
وجد نفسه ينهض و يطلب من لوك مراقصة رقية.. تركها لوك له و ذهب لمراقصة فتاة اخري.. توترت رقية حين امسك بخصرها.. بل دفعها التوتر الي الابتعاد و التظاهر بالرقص عن بعد .. حسنا.. لا داعي للضغط واصابتها بالتوتر.. قرر ان يجاريها.. طالما انها معه هو الان و لا تراقص غيره.. كان هذا كاف و مرضي له..
تلاشي توتر رقية تدريجا و اندمحت مع عمر  وسط المجموعة في الغناء والرقص.. كانت الاغاني المعزوفة علي جيتار ذلك الشاب و بايقاع تلك الفتاة علي دلو ما .. تحمس الجميع علي الغناء .. كانت الاغاني عن الحب و الطبيعة و عن الحرية .. قضت و قتا ممتعا جدا.. لقد رقصت دوما مع الاصدقاء المقربون في ارقي الملاه،  و لكنها لم تسعد ابدا مثلما سعدت الليلة وسط الاغراب و علي ايقاع دلو وجيتار وسط الخلاء .. وما كان مميزا حقا هو عمر.. لم تكن تتخيل لن لديه جانبا صاخبا مجنونا مثلها.. لقد امضي وقتا رائعا بدوره ..لقد بثت فيه رقية الحماس واخرجته من هدوءه ورزانته التي اكتسبهما بحكم وظيفته..
اقتربت منه لثناء الرقص و سألت:" الن تخبرني عن السر؟"
عمر:" اي سر؟"
رقية:" الامر الخاص بدونا.."
عمر:" ثقي بي، لا تريدين ان تعرفي"
رقية متوسلة:" اريد.. هيا اشبع فضولي"
ابتسم ولم يرد وهو ينظر اليها باهتمام ..
قالت:" ان قلت لي ما هو سأقول لك احد اموري الخاصة.."
عمرضاحكا:" صفقة مغرية حقا.. ولكني مازلت لن اخبرك... ده كلام كبار"
صمتت رقية و قد اغاظها رده.. ولكنها لم تتضايق منه جديا.. علي العكس تماما.. هي سعيدة بتلك الليلة الرائعة التي تمضيها معه..
اثناء الرقص رفض عمر طلب لوك حين جاءه بعد فترة يطلب روكي للرقص.. الامر الذي اذهل لوك بشدة.. فطلب فتاة للرقص من الذي يراقصها ليس سوي لفتة ذوق لا اكثر.. ليس في حقيقته طلب اذن فعلي ينتظر الموافقة او الرفض..
لوك غير مصدق:" هل قلت لا للتو؟"
عمر و هو يتحرك رقاصا ممسكا بيد رقية التي تدور حول نفسها  علي ايقاع اغنية اسبانية:" اجل.. قلت لا!"
وقف لوك مذهولا.. فقال عمر بصوت عال ليسمعه لوك وسط الصخب:" لا نتظر الي هكذا.. رووك لن تراقص غيري الليلة.. ابحث عن اخري"
ابتعد لوك وان لم يعجبه انعدام ذوق عمر..
سمعت رقية الحديث القصير بينهما الا انها تظاهرت بعدم الانتباه له.. كانت تريد ما اراده عمر.. ان يراقصها هو فقط  طوال الليل..
اخيرا قبيل الفجر تعب الجميع و تساقطوا واحدا تلو الاخر نياما..
قال عمر فجأة:" شفتي!  المحل قفل و ماشترناش الخيمة"
رووكي:" قلت لك سأنام بدون خيمة.."
ثم فردت ذراعيها و رفعت رأسها عاليا و صاحت تغني  بالعربية بالفصحي  :" هل فرشت العشب ليلا  و تلحفت الفضاااااء"
ثم القت بجسدها  علي الحشائش واستلقت تواجه السماء..
عقد حاجبيه مندهشا وجلس بجوار جسدها الممد و قال:" انتي تعرفي فيروز؟؟ "
قالت:" انا اصلي بدرس في الجامعة مادة ترجمة من عربي لانجليزي و العكس.. بستغل اللغتين الي عندي"
عمرساخرا:" هي دي معلومة في حد ذاتها كويسة لانها اول معلومة اعرفها عنك.. بس ده ايه علاقته بفيروز؟؟"
ضحكت رقية ضحكتها الصافية وقالت بلهجتها المضحكة :" كنت بكره مادة العربي جدا  و مش شاطرة فيه..لحد ما مرة في كلاس الترجمة البروفيسور ادالنا قصيدة اعطني الناي و غني.. و ادالنا ترجمتها عشان ندرسها.. لما قريتها مضطرة عشان الامتحان.. كلامها عجبني جدا.. كلها حاجات كنت نفسي اعملها.. وبعدين عرفت ان فيروز بتغنيها.. فدورت عليها و سمعتها ، ومن ساعتها بقيت بحب فيروز.. و بحب العربي..وبحب الشعر.. "
كان يستمع اليها و هي تقص عليه الموضوع.. انها المرة الاولي التي تحكي موضوعا طويلا كاملا بالمصرية.. لهجتها (المكسرة) تجذبه اليها اكثر.. لها مذاق لذيذ في اذنه.. مثل لذة سماع طفل لا يجيد النطق الصحيح بعد.. انها تحيره.. من يراها قبل قليل تتقافز و تصيح بالغناء مثل المجانين ..لا يتصور انها بعد وهلة ستجلس لتتحدث في هدوء عن قصيدة بالفصحي وعن فيروز..
ظهرت رأس فتاة من خيمة صغيرة قربهما وقالت بضيق:" هل صمتما! لا استطيع النوم"
اعتذر لها عمر.. بينما لم تبد رقية اي رد فعل.. لم يعد لديها طاقة .. نائمة اكلينيكيا.. نظر اليها تحدق في السماء بعيون شبه مغلقة.. لقد راها في احوال كثيرة.. لكن لم يقترب منها قط وهي نائمة.. بدي له الامر محبب جدا..
وجد نفسه منهك و يستلقي بجوارها.. قالت بصوت اثاره وهي ناعسة كالسكاري :" الاستلقاء تحت النجوم ايضا يأتي في القائمة"
لم يرد.. لانه رده عليها كان سيكون فعلا  يأتي في قائمة: "اسباب لصفع الرجل"
سمع صوت نفسها المنتظم فتأكد انها راحت في النوم.. مد ذراعه و احاط ساعدها بكف يده.. وذلك حتي يشعر بها ان نهضت وهو نائم..
حسنا.. الان بعد ان سحلته خلفها طوال النهار ان الاوان ان يسترخي .. نوم الظالم عبادة حقا..
 القي نظرة علي النار قربهما ..كان يدرك انها سنتطفيء عاجلا او اجلا مما سيجعل البرودة تأكلهما.. وهو الامر الذي ادركه  جميع النائمين بداخل خيام او اكياس النوم.. تقريبا هما فقط من يناما بدون حتي غطاء.. اففف.. حتي و هي نائمة ترهقه.. نهض واتي بحقيبة ظهرها .. فتحها وبحث فيها عن ما يصلح كغطاء لها .. حاول الا يتفاعل مع ملابسها الداخلية التي تصادمت مع نظره.. رفع وجهه لاعلي و تحسس الملابس في الحقيبة  بيده فقط و بالفعل و جد شيءا بملمس صوفي.. انها كنزة بحجم كفه.. كيف ترتديها؟؟  انها تصلح علي اي حال.. حاول قدر المستطاع ان يضعها عليها لتغطي اكبر مساحة منها.. لم يفلح بالكاد تغطي كتفها.. كيف ترتديها بحق؟؟.. نهض مرة اخري و سار عبر الناس التي قد نام معظمها..وجد شابا مازال لم ينم يقوم بتجهيز مكان نومه.. الفتي يملك كيس للنوم و بطانية.. حسنا كيس النوم يكفيه..ما هذا الطمع ؟ اقترب منه و عرض عليه ان يدفع ثمن البطانية .. الا ان الفتي رفض.. فعرض عليه ضعف ثمنها فرفض،  ولكن حين عرض عليه ثلاثة اضعاف ثمنها وافق واعطاها له مع ابتسامة بلهاء.
تأفف بصبر نافذ وهويعود  ليستلقي قربها مرة اخري  بعد ان القي عليها البطانية .. ومد ذراعه ثانية وامسك بساعدها.. ولو ان ذلك قد يبدوا (تلكيكة) الا انه يخشي حقا ان تنهض اثناء نومه  وتفعل امرا اخرقا ما.. مهمته  التي يحاول الاتزام بها جاهدا رغم الصعاب هي الا يفارقها.. طرأت في رأسه فكرة اخري يضمن بها عدم تحركها من جانبه بسلاسة.. نهض ثانية و خلع عنها حذائها ووضعه قربه.. لن تنهض حافية .. استلقي للمرة الاخيرة و هو يلعن اليوم الذي طلبه صادق لتلك المهمة.. استرخي اخيرا وسرح  بخياله استعدادا للسقوط في النوم.. حسنا برغم سخطة الان ،  لن ننكر ان المهمة بها جانب مشرق.. مثل فاصل الرقص و الغناء الليلة.. مثل قصتها المضحكة عن القصيدة.. مثل ملمس كم سترتها الجلدية الان تحت كفه.. ورائحة عطرها التي التصقت به بعدما (دعبس) في حقيبتها..
ادار وجهه ناحيتها و تأمل  وجهها النائم .. ابتسم و نام..
تصبحوا علي خير..

12/22/2011

حُرية رُقية (4)



في حي (--) في بلدة (--) الاوربية كانت روكي تركب خلف عمر وقد انطلق يجوب الطرقات.. كانت مستمتعة باحساس الانطلاق علي الدراجة.. و الهواء يداعب خصلات شعرها .. و مناظر الخضرة و الاشجار المحيطة بهما..
قال عمر:" هل جعتِ؟"
رووكي:" قليلا.. هلا ذهبنا لمطعم؟"
عمر:" لا استطيع..  يجب ان اتناول العشاء مع تلك الصديقة، لقد دعتني.. بامكانك المجيء.. هي لن تمانع.. هيا وفري نقودك يا فتاة امامك رحلة طويلة.. استمتعي بفرصة عشاء مجاني.. و ثقي بي حين اقول..لذيذ جدا"
لم ترغب رووكي في تناول الطعام بمفردها في مطعم.. لذا وافقت.. كما ارادت ان تري تلك التي اوقعت هذا الرجل في شباكها.. تخيلتها مثل ممثلات هوليوود او جميلات البساط الاحمر..
وصلا امام بيت صغير اوروبي الطابع محاط بالاخضرة و الورود المتسلقة.. طرق جو الباب و صاح بالاسبانية:" ماريا..افتحي يا فتاة..انه انا.."
سمعا صوت اقدام اتت مسرعة لتفتح الباب..
"مِرررو .. عزيزي مِررووو"
هكذا صاحت بالاسبانية سيدة بدينة في الخمسينات من عمرها.. امسكت بوجه عمر و امطرته بالقبلات علي وجنتيه..ربتت علي ظهره في ترحاب شديد ثم نظرت لرقية و ابتسمت قائلة بالاسبانية ايضا :" اهلا عزيزتي.. اهلا بكل اصدقاء حبيبي مِرّو"
قال عمر بالانجليزية:" ماريا..هذه رووكي.. رووكي.. هذه ماريا "
كانت رووكي غير قاهمة.. اتلك صديقته؟؟ ام امها؟؟ ام ماذا؟؟
دعتها ماريا للدخول.. كان منزل قديم من الداخل..تحفة فنية لعشاق الانتيكات و التراث.. اما رائحة الطعام ..فحدث و لا حرج..
جلست رووكي علي مائدة طعام مربعة صغيرة ، فوقها  مباشرة مصباح عتيق مسلط عليها.. بينما سحب عمر كرسي و جلس علي جانب الطاولة الملاصق لرووكي، وقفت ماريا في المطبخ الشبه مفتوح تحضر الطعام و تحدث عمر بالاسبانية..
لم تكن رُقية ضليعة بالاسبانية..بالكاد تفهمها..لذا لم تستطيع متابعة الحوار.. ولكنها لم تهتم فكل ما شغل تفكيرها هو رائحة الطعام الطيب و الذي ستتناوله في خلال دقائق..
فجأة التفت عمر اليها وقال بالانجليزية:" ماريا  هي صديقة امي المقربة.."
صاحت ماريا بأسي من المطبخ:" بارك الله روحها"
اكمل عمر:" انا بمثابة ابنها الذي لم تنجبه..كلما مررت بالبلدة اتي لزيارتها لاتمتع بطعامها الطيب"
اكملت ماريا بانجليزية مهشمة:" انه يذكرني بها .. هو ما تبقي لي منها ..وكأن روحها فيه.. ولكن علي مُذكر طبعا.. "
ضحكت رووكي علي الدعابة..
تناولت العشاء معهما.. كان الحديث مابين الانجليزية و الاسبانية.. ويقوم عمر بترجمة ما لم تفهمة احداهما.. الطعام كان شهيا.. تناولت رووكي الكثير حتي انتفخت بطنها.. و تخدلت اطرافها..
قالت بتثاقل بعد ان خرجت من الحمام حيث كانت تغسل يديها:" هيا يا عمر.. اوصلني للفندق .. اريد النوم.."
قالت ماريا:" اي فندق يا عزيزتي؟ لم لا تبقين في بيت  الخالة ماريا؟؟"
وقال عمر:" مازلت لا ترغبيين في البقاء؟ وفري نقودك يا فتاة!!"
ابتسمت رووكي و قالت:"اشكركما علي العرض و اكني  افضل الفندق.. هكذا رتاح اكثر"
لم ترغب في التطفل علي بيت ماريا..كما ان فكرة ان تبيت و حدها في فندق كانت تداعب خيالها.. ان كانت ستعيش الحرية فالتفعل كل ما يخطر علي بالها..
شكرت ماريا علي الطعام الرئع و حيتها و رحلت خلف عمر علي الدراجة..
بحثا عن فندق قريب..
وهناك اثناء الدفع المقدم فوجئت رُقية ان نقودها لم تعد معها!
شهقت في ذعر..
عمر:" ماذا هناك؟"
رووكي بهلع:" لا اجد نقودي! لقد سُرقت"
عمر:" كيف؟ هل تركت حقيبتك في اي مكان؟؟"
رووكي منهارة:" ابدا.. النقود في الحقيبة الصغيرة و التي لم تفارق كتفي طوال الرحلة"
عمر:" هلي اقتربت من احد مسافة تسمح له بنشلك؟؟"
رووكي:" لا ..ابدا... لم اقف في اي طابور.. و لم اقترب من اي ازدحام..و... اللعنة! .. انه مارك! هو الوحيد الذي اقترب مني!"
عمر:" بالفعل .. لا احد غيره.. فكرة ان يضمك بعد حديث قصير بينكما كان غريبا بعض الشيء"
بكت رُقية بحرقة..قالت بغضب:" وانا التي شعرت بالذنب بعد ان صفعته.. ليتني دفعته من نافذة القطار الكبيرة"
نظر عمر لموظف الاستقبال في الفندق في حرج و قال:" حسنا.. سنؤجل الحجز لبعض الوقت.. سنعود لاحقا"
سحب رقية  و التي كانت تبكي بكاءا شديدا من يدها..خرجا خارج الفندق..
وقف امامها في الخارج .. كانت يحدثها قائلا:" عليك ان تهدائي.. لن ينفعك البكاء.. فلنفكر بالعقل"
بينما هي لا تسمعه بالمرة و تردد و هي تبكي:" كان مبلغا كبيرا.. انها نقودي التي لا املك سواها.. ماذا سأفعل الان"
ظلا يتحدثان لبعضهما في نفس النفس.. الي ان صاح بها بعد ان مل من بكاءها كالصغار:" اسكتي بأة!"
صمتت لثانية وهي تنظر اليه.. انتهز فرصة صمتها و قال بحدة:" كفي عن البكاء كالاطفال.. لم تصمتي ثانية!..دعينا نتحدث كالكبار"
 صاحت غاضبة:" هل تصرخ في؟!! من تظن نفسك لتصرخ في؟!! ابتعد عني لا اريدك ان توصلني.. باكماني الاعتماد علي نفسي"
سارت مبتعدة..
قال بصوت عالي عن بعد:" وريني هتوصلي ازاي و انت معكيش فلوس"
سارت بضع خطوات عصبية و لكنها ابطاءت تفكر ..حقا ماذا عساها ان تفعل؟..
ادرك هو ان نوبة انفعالها  قد هداءت و انها تفكر ببعض المعقولية .. الفتاة عصبية مثل ابيها و لكنها ايضا  مثله، تهداء بعد لحظة ، فصاح ثانية لتسمعه عن بعد:
" ارجعي و انا هسلفك الفلوس.. لما تقبضي  مُرتبك ممكن ترديلي"
استدارت ومازلت الدموع في عينيها ..بدي عليها خيبة الامل الشديدة.. قالت:" ليس لدي راتب.. انا لا اعمل"
تصنع الدهشة و قال :" حقا؟؟! ظننت فتاة في مثل انطلاقك تعيل نفسها.. اذن من يتولي نفقاتك؟"
قالت:" الامر خاص.."
ابتسم .. و نظر حوله في الطريق ثم قال:" هلا اقتربت.. ليس من الطبيعي ان احادثك و بيننا كل تلك المسافة"
اقتربت ببطء و هي تشعر بالخيبة..
قال:" هكذا افضل.. الان اسمعي.. بامكانك امضاء الليلة عند ماريا.. هكذا لن تحتاجي للنقود"
قاطعته:" وماذا عن ما بعد.. انا علي وشك البدء في حياتي و الاستقلال.."
قال:"يا فتاة  الاستقلال يعني ان تعيلي نفسك.. عليك ايجاد وظيفة.. اسمعي.. فلتمضي وقتا لطيفا مع اصدقاءك في الكرنفال .. اعتبريه اجازتك الاخيرة قبل البدء في الحياة العملية، اقترضي النقود مني.. وبعد ان تنتهي من الاحتفال  و المرح..ابحثي عن و ظيفة ..اقبضي راتبك..ردي لي نقودي.. ايبدوا هذا عادلا؟"
سألت:" و لم عليك فعل ذلك؟"
عمر:" ليس علي شيئا.. انا اري فيك شابة لطيفة تستحق ان اساعدها.. كما اني الوم نفسي بعض الشيء كون ذلك الفتي سرقك تحت مسمع و مرأي مني دون ان ادرك.. امرا مخجلا حقا"
رووكي:" و ما ذنبك انت لتتحمل ذلك؟"
عمر:" ليس ذنبا .. انا كسب جيدا و اقراضك اي مبلغ لن يفلسني.. ثم كفِ عن ارهاقي بالجدال! انا اعرض عليك عرضا.. هل ستقبليه ام لا؟!"
قالت رووكي ببؤس:" اقبله.. شكرا لك"
ابتسم ثانية .. ركب دراجته  ونظر اليها و هي مازلت تقف وقال:" مش جاية؟."
ركبت خلفه في صمت و علي و جهها علامات الاحباط.. انطلق هو نحو بيت ماريا.    
عندما عادا رحبت ماريا بخبر بيات رووكي ترحيبا شديدا.. قادتها لحجرة صغير و لكن اية في الجمال و التنسيق.. وفي الثانية التي وضعت رُقية رأسها علي الوسادة لم تشعر بشيء .. كان يوما شاقا ومرهقا..
تسلل عمر بهدوء ..القي نظرة عيلها و هي نائمة.. ثم اخذ هاتفه وخرج الي حديقة المنزل الصغيرة ..تحدث بصوت خفيض حتي لا يسمعه احد..
"ايوة يا فندم .. الهدف معايا متأمن..."
صادق:" معاك فين؟"
عمر :" معايا في نفس البيت نايمة.."
صادق بعد ان ابتلع غصة حلقه:" انا بثق فيك يا عمر.. مش عايز التفاصيل.. انت الخبير.. وانا اعصابي علي اخرها.. انت فاهمني"
عمر وقد ادرك قلق صادق:" يا فندم احنا في بيت واحدة قريبتي..اطمن ! وعلي فكرة هي كان معاها مبلغ (-) انا اخدته كله عشان اعجزها.. هي فاكرة انها اتسرقت.. واضطرت تلجـألي عشان اسلفها.. ده هيربطها بيا اكتر.. وعموما انا بسلفها من فلوسها اللي معايا "
صادق بيأس:" زي ما قلتلك يا عمر.. انت ادري بشغلك.. "
عمر:" هي كمان فاهمة اني بكره هاخدها في طريقي لمدينة (-) واوصلها لاصحابها.. "
صادق:" امال انت ناوي علي ايه؟"
عمر:" خطة بكره لسة هتتحدد بناء علي ملابسات الموقف..بس الهدف اني ااخرها..هوافيك بالاخبار يافندم.. اطمن.."
صادق:" لو حصل و رحتوا المهرجان ده.. عايزها متغيبش عن عينك يا عمر! هيكون زحمة و ناس كتير.. ابعد عنها الشباب.. انت بتحميها من اعدائي ولكن  الاهم بتحميها من نفسها.. البنت عندها ثورة علي كل حاجة..كل المباديء و كل عادتنا ، مش بعيد تدخن مخدرات ..او.. اسواء!"
ابتسم عمر و هو يتذكر رووكي و هي تسعل في القطار  بعد نفس السيجارة ثم قال بجدية:" اطمن يا فندم!"
انهي الحديث ودخل الي المنزل.. القي بجسده علي اريكة قرب باب غرفة رُقية قد اعدتها له ماريا لتكون فراشا.. سرح قليلا قبل ان يسقط في النوم..رأي وجهها و هي تبكي حسرة علي نقودها.. إن ايلامها هكذا لهو امرا غير مريح بالمرة.. ولكنها مهمته و عليه اتمامها للنهاية.. ليتها تنتهي سريعا.. فلسبب ما تلك المهمة علي قدر ما تبدوا من تفاهة و سهولة، هي من اصعب ما قابل من مهمات.. لقد مر بصعاب كثيرة  في مهمات سابقة.. قام بحراسة رجال ذوي اهمية خاصة.. تقصي عن معلومات خطيرة وعرض نفسه لكثير من الاخطار.. عمل بشكل سري و تقمص عدة شخصيات..ولكن اكثرهم ثقلا علي صدره هي تلك المهمة.. زفر في ضجر .. عليه الا يفكر سوي في اتمام المطلوب.. علي الفتاة ان تعود لابيها و خطيبها السخيف..  راح في النوم بدوره بعد ان صفي ذهنه ونجح في طرد كل الافكار.

12/19/2011

حُرية رُقية (5)


عندما خرجت رُقية في الصباح من حجرتها، و جدت ماريا في المطبخ منهمكة في اعداد شيئا ما برائحة شهية.. اما عمر فقد كان ممدا علي تلك الاريكة قرب الباب حيث تقف .. ممسكا ذلك الكتاب في يده .. يبدوا انه كان يقراء.. كان عاري الجذع كاشفا عن كم من العضلات المنحوتة باتقان..  مما اثار ارتباك رقية قليلا ..ليس حياءا ، و انما لمحاولة السيطرة علي اتجاه بصرها الذي كان يتفحصه رغم ارادتها..
"صباح الخير يا حلوة"
هتفت ماريا بحماس..
ابتسمت رقية و مازالت اثار النوم بادية في انتفاخ عينيها و صوتها المبحوح:" صباح الخير "
عمر:" هل نمت جيدا؟.."
رُقية:" اجل.. اغمضت جفني لحظة و ضع رأسي علي الوسادة امس، لافتحهما قبل دقيقة"
عمر:" جيد.. هل ترغبين في الافطار؟"
ماريا في عذوبة:" بماذا ترغب الضيفة الحلوة علي الافطار؟"
ابتسمت رُقية بامتنان وقالت ببعض التردد:" لا اريد ان اُتعبك.. كما اني ارغب في ان اذهب لذلك المكان الذي مررنا به امس.. المطل علي ذلك المجري المائي الصغير.."
عقد عمر حاجبية محاولا تذكر المكان تحديدا ثم قال:"  هل ستقابلين احدا هناك؟"
رقُية:" لا .. فقط اعجبني المنظر مساء امس و ارغب في الجلوس هناك و تناول الافطار و القهوة.. اتوقع انه رائعا بالنهار"
عمر:" حسنا كما تريدين.."
ابتسمت مرة اخري ثم دلفت الي الحجرة و غيرت ثياب النوم و اغتسلت.. ثم خرجت بعد عدة دقائق..
لتجد عمر غير موجود علي الاريكة.. لم تسأل عنه خوفا من ان تظن ماريا انها مهتمة به ، و كأن علي رأسها (بطحة)..
ودعت ماريا  التي تمنت لها وقت لطيف عند النهر ..
خرجت من باب البيت لتجد عمر قد جلس فوق دراجته .. و قد ارتدي ملابسه كاملة (الحمد لله) ..ادار الدراجة عندما رأي رووكي تخرج من الباب..
قالت:" ستخرج انت ايضا؟"
عمر:" سأذهب معك..لإيصالك"
رووكي:" لا تشغل نفسك.. ليس عليك ايصالي لكل مكان.. المكان قريب..سأمشي"
عمر:" و كيف ستدفعين حساب القهوة؟"
رووكي:" حسنا نسيت.. سلفني بضع يورهات اذن.. "
عمر ساخرا:" حتي يسرقون منك ثانية؟! لا أظن عزيزتي.. ان اردت القهوة عليك الركوب.. هيا"
اغاظ رقية تهكمه عليها.. وكأنه يخبرها انها عديمة المسؤلية و لا تؤتمن علي النقود.. مثل ابيها تماما لا يثق بها و لا يقدرها..
قالت ببرود عناد:"  لا اريد القهوة اذن!"
و سارت مبتعدة..
تبعها بالدراجة..كان يسير بظهره و يحرك الدراجة بكلتا قدمية للخلف ببطء..
قال باسلوب صبياني محبب:" هل غضبت؟ حسنا لا تغضبي.. امزح معك يا فتاة.. انا ذاهب هناك لاني احب المكان ايضا.. ليس بسبب النقود .. هيا اركبي.. لا تكوني طفلة غاضبة.. هيا.. اصفحي عني و اركبي يا حلوة.. ان اردت النقود في يدك خذيها.. لاثبت لك اني كنت امزح.. هيا.."
كان مازال يدفع الدرجة و هو فوقها بقدميه لتسير ببطء للخلف بجوار رووكي..
فجأة ابتسمت رووكي حين اخرج النقود و قالت ضاحكة و هي تنظر الي المارة حولهما:" تري ان اخذت النقود و ركبت الان ، ماذا سيظن بي المارة؟"
ضحك عمر وقال:" حسنا  لديك حق.. اركبي سريعا اذن قبل ان اجد منافسا يعرض مبلغ اعلي"
ضحكت و هي تركب و قالت:" لنحسن الصورة .. ابق النقود في يدك اذن"
صاح بصوت عالي  و هو يقود منطلقا بسرعة:" خدمة  مجانية  ووووووه ه ه" مما جعل بالفعل  بعض المارة يلتفتون لهما
ضربته علي كتفه و قالت متصنعة الغضب:" انت حقا طفل سخيف!"
قال:" ظننتك حرة و لاتهتمين بما يظن الاخرين بك"
قالت:"لا اهتم برأيهم فيما افعله انا .. ولكن  ليس فيما يوحي لهم به شخصا مثلك!"
اطلق ضحكة شريرة و زاد السرعة ..
عندما جلسا في ذلك المقهي الصغير قرب الماء، اخذت رقية شهيقا طويلا و اخرجته ببطء و كانها تريد حبس الهواء بداخلها.. و لها كل الحق المنظر حولها كان رائعا.. الورود و تلك الطيور.. هناك نافورة حجرية امام المقهي.. تحفة فنية.. بالاضافة الي الموسيقي الساحرة التي تخرج من راديو قديم في المقهي..
ان الحرية رائعة.. رنت هذه الجملة بداخل رأسها و الابتسامة ارتسمت علي شفتيها لا اراديا..  ومر في راسها عشرات المواقف عبر طفولتها التي لم تكن بعيدة، حين  توسلت لابيها لان تذهب في الرحلات المدرسية للحدائق او الخروج مع الاصدقاء للتخييم او اللعب في اي مكان يبعد عن قصرهم ..
عمر:" لم تضحكين؟"
رقية:" ابتسم.. لم اضحك"
عمر:" اهذا يعني انك سعيدة؟"
رقية:" اسعد مخلوقة في الكون.. انا انسانة حرة"
عمر بنبرة مازحة:" رقية هل انت هاربة من احد السجون؟ لانك لو كنت كذلك .. اعذريني.. سأبتزك لكي لا ابلغ عنكي"
ابتسمت ابتسامة كبيرة و قالت:" اطمئن الشرطة لا شأن لها معي.. و لكن لمَ تشك في الامر؟"
عمر:" حديثك الدائم عن الحرية.. و تقديرك الشديد لابسط الاشياء التي قد تمر علي شخص اخر كروتين طبيعي للحياة"
رقية:" ذلك لاني افتقدها.. و اولائك الذين لا يستوقفهم الروائع التي تعبر امامهم.. سيفعلون مثلي حين يفقدونها "
عمر:" و لم تفتقديها؟"
رقية:" امممم.. تلك الاجابة..
اكمل معها عمر الجملة:" تندرج تحت ..امور خاصة!"
ضحكت ضحكة صافية جميلة .. جعلته يسرح قليلا فيها.. تأمل اسنانها المرصوصة.. فكها صغير وجميل مثل الفتيات الصغيرات.. شفتان متلئتان بعض الشيء.. و طابع الحسن اسفل ذقنها.. و بحكم العلاقة صعدت عينه لو جنتيها ليتأكد من  وجود (الغمازات) .. كانتا هناك كل واحدة مستقرة في مكانها علي كل وجنة صدق من اسماها علامات الجمال .. ماهذا الاحساس اللطيف الذي يتسرب اليه ويملءه؟  ليس السعادة لا.. هو يعرف السعادة.. لم تكن يوما تمتزج بالتوتر مثل احساسه العجيب الان.. ادرك فجأة ان ايا كان الاحساس يجب ان ينتهي فورا! انه في وسط مهمة عمل رسمية.. و المهنية تعني ان لا مكان للاحاسيس !
قالت بالمصري و بلهجتها المهشمة:" المكان هنا حلو.. بس لازم الحق اصحابي في الكرنفال"
عمر بنظرة خبيثة:" واضح ان فيهم حد مهم اوي.. مخليكي تسافري وراه كل ده"
رووكي ضاحكة :" انت فهمت غلط خاااالص.. انا معنديش اي حد مهم.. انا دلوقتي اهم و احدة عندي.. و الرحلة دي كلها عشاني انا .. عشان اسعد نفسي"
عمر:" اسمحيلي يعني.. اللي هيسمعك هيقول انك انسانة انانية"
رووكي:" و ماله؟" ثم كملت بالانجليزية حتي تسعفها الكلمات :" لمَ علي ان اهتم لاحد غير ي، ان كان لا احد غيري يهتم بشأني؟! حتي الان كل من اظهر اهتماما كان ستارا لتحقيق مصلحة شخصية"
عمر:" حتي اصدقائك؟"
رووكي:" هم مخلصون فقط ان كنا سنتشارك المرح"
عمر:" و لم تريدين الحاق بهم اذن بهذه اللهفة ان كنت تعرفين ان اخلاصهم مشروط؟"
رووكي:" لاسعد نفسي بالمرح معهم.. انا ايضا لن اخلص لهم ان كانوا غير مفيدين لي.. كما قلت لك  انا من اهتم لها فقط الان"
عمر عاقدا حاجبية مستنكرا:" اي علاقة صداقة تسمين هذه؟!! اسمحي لي.. هذه ليست صداقة..  تعنين ان وقعت في مأزق لن يساندوكي؟!"
رووكي ساخرة:" بالفعل و قعت في واحد .. و كل ما فعلوه هو ان تركوني و رحلوا الي الكرنفال.. مع دعواتهم لي ان الحق بهم حين استطيع"
عمر:" انت غريبة حقا.. فانت تدركين حقيقة من حولك و مع ذلك لا يمنعك ذلك من البقاء معهم.. قد اتفهم انك مخدوعة فيهم.. و لكنك لست مخدوعة"
رووكي بنبرة ثابتة متحدية :" قلت لك لاني مستفيدة من بقائي معهم.. كما اني حرة.. ابقي مع من يحلو لي و اتركهم حين يحلو لي ايضا.. لست ملزمة باي شيء و لا اي شخص.. يحركني فقط رغبتي .. وانا الان ارغب في حضور الكارنفال"
نظر اليها عمر .. هذه الفتاة قد لا تكون سطحية او تافهة كما وصفها ابوها، ليست مغيبة العقل او منساقة خلف اصدقاء السوء.. و لكنها للاسف تحركها قوة داخلية من العناد و الرغبة الشديدة في التحرر من كل ما قد يقيدها..وتريد اثبات هذا لنفسها .. ربما فقط ابيها كان علي حق حين قال انها قد تؤذي نفسها.. تلك القوة الجامحة تحتاج للسيطرة والا كانت العواقب وخيمة..
قال بمرح ليغير جو الجدية الذي بثته نبرتها الاخير:" حسنا ان كان هناك شيئا صحيحا فس كلامك يا انستي .فهو انك حرة حقا!"
قالت بابتسامة و اثقة:" بالفعل انا كذلك!"
فعاد ليقول:" حسنا .. و انستي الحرة متي تريد الرحيل؟"
قالت وهي توجه نظرها للماء:" لنبق بضع دقائق اخري.."
جلسا في صمت معا قبل ان يعودا.. كانت هي تتأمل المنظر بينما هو يتأملها.
قامت بالاتصال باميلي في الطريق للتأكد من ان وجههتها صحيحة.. و بعد ن ودعتمهما ماريا و داعا عاطفيا .. و اعطتهم مؤنا شهية للطريق الطويل.. ركبت رُقية  خلف عمر و انطلقا بالدراجة ..
حاولت رقية و هي متمسكة بجذع  عمر ان تتناسي شكل  نفس هذا الجذع دون السترة و القميص.. كانت تبتسم حرجا كلما ادركت في رأسها انها صارت مهووسة  بذلك المنظر.. كم هي مراهقة؟!
اما عمر فقد كان يحاول ان يسترجع في نفسه حالة عدم الاحساس.. كان دوما يرافق رقية دون ان تراه.. يعرف شكلها بدقة.. يعرف كيف ترقص و كيف تضحك و كيف تتحدث و تتصرف وسط اصدقاءها .. كان يعرف انها فتاة جميلة.. فقط يعرف! الان الامر مختلف هو يشعر انها جميلة.. و كأنه يراها للمرة الاولي .. ليت تلك المهمة تنتهي.. انها تصيبه بالتوتر و الضيق.. نظر للاسفل الي ذراعيها المحيطة بخصره.. و كأنها تحتضنه.. و...
صرخت رقية صرخة اصابته بالصمم ليرفع رأسه  امامه و يتفادي بمهارة سيارة بطيئة كان سيصطدم بخلفيتها..
رقية غاضبة:" هل اصبت بالعمي.. المَ كنت تنظر ؟!"
قال محاولا التغطية علي اخفاقه:" كنت اخيفك يا فتاة.. امزح معك"
قالت رقية وقد صدقت انه يعبث معها:" لست ظريفا!! "
صمت و قد شعر انه فاشلا.. كيف سمح لنفسه بأن يتشتت بهذه الطريقة؟!! ماذا كان سيقول لوالدها ان حدث لها مكروه بسبب سهو ساذج منه مثل ما حدث للتو؟!!!!
زاد السرعة فجأة وقد بغل عاقدا حاجبيه ممتعضا و قد اصابه الغيظ من تلك الاشياء التي تحدث له..
وما زاد غيظه هو مرحها المستمر.. و لا كأنها هاربة من و ابيها .. و لا كأن لها خطيبا سخيفا ينتظر عودتها، او ام مسكينة انفطر قلبها و ذبلت عينيها بكاءا.. ولا كأن هناك شابا عرضة لأن يخسر وظيفته ومستقبله ان اخفق في مهمته التي صارت عبئا لا يطاق عليه..
وصله صوتها رغم الهواء.. انها تغني! (الهانم بتغني) كانت تغني اغنية بالانجليزية عن الحرية.. كان يعرفها جيدا .. اغنية روك صاخبة لفرقة مشهورة.. و قد وصل حماس رقية الي اقصاة في الغناء و فصارت تصيح بالكلمات  و قد افلتت احدي ذراعيها و صارت تلوح بها في الهواء في سعادة.. وجد نفسه يبتسم.. الفتاة حقا مجنونة بشكل مثيرة للاهتمام..
كانت تصرخ احيانا :"ووووووه" وترفع ذراعيها عاليا في حماس.. فيصرخ بها ان تتمسك به جيدا.. لو لم تكن المهمة ..لو لم تكن سلامتها هي مهمته.. لشاركها هذا الحماس.. لربما صحبها معه في حفلة لتلك الفرقة و رقصا معا بجنون حتي  الصباح.. ولكن عليه ان يكون سخيفا مثل الاباء و يكبح جماح تهورها..
بعد مرور مسافة طويلة و قد اقتربت الشمس من المغيب
.صاحت رقية:" الا تشعر بالجوع؟ "
عمر:" بلي.. و لكني ايضا اريد الحمام"
رقية:" اذن فلنتوقف عند اول استراحة"
كان عمر يدرك ان عليه ان يؤخر الوصول للاصدقاءها... فهي معه بمفردها الان و يسهل عليه التأثير عيلها، و هو الامر الذي سيكون صعبا وسط حشد الاصدقاء و زحام البشر..
فجأة صاحت رقية:" انظر .. انظر يا عمر.. انه مخييم"
التفت عمر الي حيث تشير.. بالفعل يبدوا انم مجموعة من الشباب تخييم في الخلاء.. لابد انهم من المسافرين الي الكرنفال و قد قرروا الوقوف للراحة هنا.. تلك المجموعات منتشرة علي مدار الطريق.. فالكثييرن في طريقهم للكرنفال السنوي.. والمبيت في الخلاء هو احد طقوس الشباب من ضمن مرح الرحلة..
قالت رقية بلهفة:" إميلي اخبرتي انهم امضوا احدي ليلاتهم في مخييم مثل ذلك.. طالما سمعت عن تلك الاشياء.. هيا فلننضم لهم.. اريد المبييت في العراء"
اوقف عمر الدراجة و التفت اليها وهو يهم ان يقنعها بسوء الفكرة.. و لكنه حين رأي تلك اللهفة في عينيها  كطفلة تنظر لمنتهي امالها .. تنظر للشباب و الفتيات و هم متناثرين و سط الخضرة  بعضهم يغني في حلقة حو ل شخص يمسك جيتار..و الاخرون يتمازحون و منهم من يلعب الكرة.. وذلك الشاب الذي يشوي بعض اللحم..
انحشرت الكلمات في حلقه.. لم لا يمنحها بعض المتعة .. لن يضير خطته في شيء.. مازالت بعيدة عن الاصدقاء و الكرنفال ، كما ان الامر سيؤخرهم اكثر..
ابتسم وقال :" حسنا ان اردت"
تهللت اساريرها و نزلت بسرعة من فوق الدراجة  اما هو فكان يبقي نظره عليها وهو يعدل وضع الدراجة بعيدا عن الطريق في سرعة حتي يلحق بها.. انها مُرهِقة بحق!
اقتربت من مجموعة من الشباب و الفتيات و سألت بابتسامة عريضة :" اهناك من يتحدث الانجليزية؟"
اجابتها احدي الفتيات :" اجل معظمنا.."
رووكي:" حسنا رائع ...هل انتم ذاهبون للكرنفال في (--)؟"
اجابو بنعم .. وقالت الفتاة :" بامكانك انت و صديقك الانضمام الينا.. سنبيت هنا الليلة و ننطلق في الصباح الباكر.. سنقيم حفلة شواء!"
رووكي:" شكرا علي العرض.. انا رووكي.. و هذا عمر"
كان عمر قد لحق بها و القي ابتسامة صفراء للمجموعة وحرك رأسه يحيهم..
حياه الجميع و اخبر كل شخص رووكي عن اسمه..
قالت الفتاة:" معكما خيمة؟"
عمر:" لا"
الفتاة:" حسنا انتما بحاجة لواحدة لان ليس لدينا اضافي.. بامكانكما شراء واحدة من ذلك المحل القريب علي بعد (-) متر بجوار الاستراحة.. وان  كنتم تفضلان النوم في العراء بلا خيمة .. ذلك يرجع لكما " ابتسمت في ود ثم اكملت :" وبامكانكما ايضا شراء اللحم او ما قد ترغبان في شواءه"
رووكي:" شكرا لك.. "
سارت مع عمر تتفقد المكان والابتسامة لا تفارق وجهها.. وكان هو يشعر بالرضا وهو يري ابتسامتها السعيدة..
عمر فجاة:" احتاج للحمام الان!"
ضحكت رووكي :" وما منعك؟ اذهب.. الاستراحة ليست بعيدة .. انا اراها من هنا.. عندما تعود فلنأكل.. ثم لنري امر الخيمة بعدها .. و لو ان فكرة النوم بلا خيمة تروادني"
ادرك عمر انه لن يتركها و يذهب كل تلك المسافة.. ولكنه يرغب في الحمام بشدة الان!
فقال:" الن تأتي معي؟"
رووكي :" لا .. اريد الاستمتاع هنا.. ساستلقي قليلا علي الحشائش"
و بالفعل استقرت علي الارض ..
عمر و هو يحاول ان يبدوا ثابتا بينما هو علي وشك اعطاء الحشائش سمادا سائلا:" طب ما تيجي تسليني.. مكسل اروح لوحدي"
رووكي :" روح يا عمر .. متبقاش طفل.. انا قعدت  خلاص"
كيف يشرح لها انها لا يجب ان تغيب عن نظره.. و لكنه (مزنووووووووووووووووووق)
الامر صار حتميا بالنسبة له.. حتي وان قامت معه لن يتمكن من الوصول..  عليه ان يتصرف الان .. الان !
لا مفر.. سيتصرف مثل ما يتصرف المصريين!
تلفت حوله ليجد مكانا بين الشجيرات ..بعيدا بعض الشيء ولكن  علي الاقل رقية مرئية من هناك.. لم يقل شيئا فقط تركها و جري .. حركت رأسها في تعجب منه وضربت كفا بكف وهي تضحك عليه..
وقف يفعل ما كان عليه فعله.. كان يسب و يلعن نفسه.. لم يتصور يوما انه قد يفعل ذلك تحت اي ظرف! كان يبقي عينه علي رقيه فلم ينتبه لتلك الفتاة التي كانت تراقبه و تضحك ساخرة..
وجد شابا ما يقترب من رقية .. حاول ان يسرع حتي يعود اليها و لكن من الواضح ان الخزان كان ممتلئا ..
الشاب تحدث لرقية و اشار الي مكان ما بعيد و هاهي رقية تنهض و تسير مع الشاب في حماس ومازالت الابتسامة علي وجهها..
اين تذهب بنت المجانين؟
اخيرا انتهي و ستر نفسه وسار مسرعا نحوها ولكنه لم يجدها..
كاد ان يتوقف قلبه..
دار في المكان بحثا عنها او عن الشاب.. لا اثر لكيلهما.. لاحظ ان معظم الناس تترك مكانها تدريجيا وتسير متوجههة الي نفس الاتجاه..
حسنا يجب ان يبحث عنها قبل ان يخبر ابابها انه فقدها.. لمَ قبل بتلك المهمة اللعينة؟!!
استوقفته فتاة شقراء بدي انها فرنسية من  انجليزيتها المعوجة :" هل تبحث عن صديقتك؟"
عمر:" اجل؟ اراءيتيها؟"
الفتاة:" نعم ذهبت مع مجموعتا لرؤية الغروب من مكان عال قريب.. لقد ذهبت اثناء قيامك بــ.. احم "
واشارت بابتسامة خبيثة  الي الشجيرات حيث نادته الطبيعة..
تنهد الصعداء ثم  قال:" واين ذلك؟"
الفتاة :" تعال معي.. انا كنت ذاهبة.. واعدك اني لن اخبر احدا عما رأيت"  قالت جملتها الاخير باسلوب مائع و خبيث
ابتسم حرجا و قال مدافعا:" كنت مملوءا و لم اكن ..."
الفتاة مقاطعة وهي تسير بجواره:" لا تقلق قلت لك لن اخبر احدا.. انه سرنا الصغير.. انا دونا.. "
عمر:" و انا.."
الفتاة مقاطعة مرة اخري:" عمر.. لقد قالت رووكي اسمك"
ابتسم عمر في برود فهو مشغول برووكي الان.
وصل عمر مع دونا الي منطقة مرتفعة قليلا تقل فيها الاشجار و بالفعل كانت رووكي تجلس وسط مجوعة من الشباب ، باالاضافة الي مجموعت اخري فد انضمت لنفس الكان.
التفتت رقية لتري عمر مقبلا.. انفرجت عن شفتيها ابتسامة ترحاب و صاحت:" تعال لتري الغروب .."
كان حانقا عليها و لكن ابتسامتها محت اي احاسيس سلبية بداخله.. توجه كالمُصير و جلس قربها علي الارض وترك دونا دون كلمة..
احكمت رقية السترة عليها طلبنا للدفء وهي تهمس له في سعادة طفولية:" انا اعيش اسعد لحظات حياتي"
 ابتسم و هو ينظر الي عينيها البراقتيين  السعيدة.. اطبق فمه.. لم يدر ماذا يقول.
رقية مشيرة الي شاب يجلس قربهما:" هذا لوك.. "
لوك لعمر:" لقد تقبالنا قبل قليل.. اهلا بك مرة اخري"
صافحه عمر و ابتسم ثم تذكر دونا فاستدار ليري كيف هي بعد ان كان قليل الذوق معها.. وجدها تجلس وسط بعض الناس قربهم و قد كانت تحدق به.. رفع يده كنوع من الشكر فبادلته بابتسامة ثم وضعت سبابتها علي شفتيها بمعني (هشش) و كأنها تشير الي السر.. وضع اصبعه علي شفتيه بدوره و ابتسم..
سألت روكي بعد ان لاحظت ما حدث:" انت تعرف دونا؟"
عمر:" قابلتها للتو، وهي من دلني علي المكان هنا"
حركت روكي رأسها متفهمة و صمتت..
امضوا دقائق عديدة يراقبون الشمس تغرب في الافق..  سبحان الله علي ابداعه.. هكذا فكر عمر.. كيف حقا تتكرر تلك اللحظة كل يوم في عمر الانسان و لا يتوقف  يوما ليستمتع بها و يقدرها؟
مالت رقية عليه قليلا و قالت همسا:" اعترف ان الان ينقصني شخصا مميزا ليكون بجواري.. سيكون الامر رومانسيا "  وضحكت في براءة
قال عمر:" مشاهدة غروب الشمس مع الحبيب هو احد بنود قائمة الاشياء الاكثر رومانسية"
قالت هائمة:" نعم.. ويليها الركض تحت المطر"
عمر:" اذن فانت تعرفين القائمة.."
رووكي:" ماذا تظن ؟.. لا يوجد فتاة علي وجه الارض تجهلها .. نحن من صنعنا القائمة "
ضحك عمر وقال هامسا:" بامكانك التخيل ان الشخص المميز موجود.."
رووكي مستنكرة:" تريدهم ان يظنوا اني جننت؟.. سأستند برأسي علي الهواء و احدثه همسا؟!!"
عمربخبث :" ان كنت يائسة لدرجة الهواء ، فعلي الاقل انا افضل .. ولن يعتقد وقتها احدا انك مجنونة"
ضربته علي صدره بظهر كفها وقالت مازحة بالمصري بلهجتها المضحكة:" بتستاد في المية العكرة؟ مش انا يا حبيبي"
عمرمتصنعا الذهول:" وعملالي فيها انجليزية ؟ "
رووكي:" لا في الهجات دي بكون صعيدية زي مامتي" وضحكت ضحكة طويلة
عمر:" اجل .. لقد رأيت بعيني ما فعلتهِ بالشاب الاسكتلندي المسكين في القطار"
رووكي مازحة وقد رسمت علي وجهها تعبير شرس و كورت قبضتها :" و علي استعداد ان افعله مرة اخري مع من يفكر في استغلالي او مضايقتي"
عمر بابتسامة ساحرة:" نا امزح يا فتاة.. انت امانة حتي تصلي لـ..لاصدقائك"
لم تدري روكي لما اجتاحتها الكلمات مع الابتسامة اجتياحا وكأنها الامواج.. اجبرت نفسها ان تلتفت للشمس في السماء.. حتي تبعد عينيها عن حرارة شمس ابتسامته..
ساد الصمت بينهما لبضعة دقائق اخري حتي غابت الشمس تماما واظلمت السماء.. والغريب ان رووكي في تلك الدقائق الاخيرة غاب عنها ايضا احساس افتقاد  ذلك  الشخص المميز.. و كأن (خير الله اما اجعله خير) قد وجد فجأة .. تماما بجوارها.. بعيون سوداء لون سترته..