صورتي
القاهرة, Egypt
منة فوزي .سيناريست وبحب احكي حواديت

جميع حقوق النشر محفوظة وغير مسموح بالنقل !


حقوق الملكية يا حرامي!

12/16/2011

حُرية رُقية (3)


وقفت رووكي تتلفت حولها.. ترتدي سترة جلدية ضيقة ثمينة ووشاح شاعرة ببرودة الصباح الباكر جدا..  علي ظهرها حقيبة ظهر بها ما جمعت من بعض الملابس و احتياجات. و معها حقيبة اخري صغيرة جدا تعلقها علي كتفها بها  نقودا و اوراقها.. كانت تقف امام هاتف عمومي.. اتصلت برقم اميلي صديقتها..
جائها صوتها نائما:" الو من؟"
رووكي:" إم انه انا.."
اميلي:" رووك؟؟ ما هذا الرقم؟؟!"
رووكي وهي تحبس انفاسها انفعالا:" اميلي لقد هربت من البيت.. وسالحق بك في الكرنفال.. اين انت الان؟؟"
اميلي وقد افاقت تماما و هي تصرخ فرحا :" لا اكاد اصدق.. لقد فعلتيها اخيرا يا فتاة.. انا فخورة بك حقا... هيا الحقي بنا نحن في (---) يمكنك اللحاق بنا اركبي القطار لمكان العبارة ثم استقلي القطار مرة اخري.. و.."
قاطعتها رووكي:" لقد ركبت العبارة بالفعل و خرجت من البلد... انا الان في مدينة (--) اين انتم؟"
اميلي بانبهار:" لقد انجزتي فعلا يا فتاة.. حسنا يمكنك اللحاق بنا في (--) سنرحل اليها غدا لنتبع الكارنفال الي هناك.. حاولي الوصل الينا قبل الغد..  انا و الاصدقاء نقض و قتا ممتعا حقا.. لا ينقصنا سواك يا عزيزتي.."
رووكي:" حسنا سالحق بكم يا رفاق.. و لكن ابق هاتفك دوما بقربك .. حتي نكون علي تواصل دائم لحين اصل اليك.. سأتصل من هواتف عمومية حيث اني تركت هاتفي بالبيت  لعلمي ان ابي لديه اتصالات قوية وبأمكانه ان يراقبه و يتتبع مكاني بسهولة.."
اميلي:" حسنا رووك .. في انتظارك.. ذلك افضل خبر سمعته... هيا  يا فتاة لا تتأخري.. الي اللقاء"
رووكي مبتسمة:" الي االقاء إم.."
وضعت السماعة و تلفتت حولها مرة اخري.. كانت تشعر بسعادة غامرة.. انها تعيش المغامرة الان.. حتي لحظات هروبها كانت مثيرة و مختلفة.. لم تتنكر في زي الخادمة  كبعض المرات.. و لم تتسلق السور ايضا كبعض المرات الاخري.. لم تنتظرها سيارة الاصدقاء في مكان قريب لتهرب معهم.. بل كانت فخورة بخطتها العبقرية.. لقد طلبت البيتزا  في وقت متأخر من الليل عن طريق خدمة التوصيل، تحت مرأي و مسمع من خادمتها.. طلبت كمية كبيرة .. وفسرت للخادمة بانها مكتئبة و الكثير من البيتزا ستخفف عنها..  و بينما احتار حراس البوابة مع رجل التوصيل الذي اتي في تلك الساعة العجيبة.. ومحاولة اكتشاف ان كان الطلب بتلك الكمية - والتي يكاد عدد العلب المرصوصة رأسيا يغطي وجه رجل التوصيل الذي يحملها - اتي صحيحا ام جاء بطريق الخطاء.. ومع اصرار رجل التوصيل ان الطلب صحيح وانفعاله علي الحراس مما جعلهم  يشكون بامره وينشغلون به ..كانت رووكي قد تسللت بخفة و وحشرت نفسها في  خلفية سيارة التوصيل(الفان) الصغيرة حيث يضع  علب البيتزا.. وبعد ان اكدت لهم الخادمة ان السيدة الصغيرة هي بالفعل من قام بطلب كل هذا الكم من البيتزا ..  خرج الرجل بالسيارة وبها رووكي و هو يسب الحراس بعد سلمهم برج العلب..
 وبينما حمل احد الحراس علب البيتزا مع الخادمة لحجرة رووكي .. ليجدوها نائمة لا تجيب ...كانت هي تقفز في سرعة خارج السيارة  بعد ان اوقف الرجل السيارة عند محل البيتزا.. وسارت لمسافة كبيرة مبتعدة، ثم استقلت الحافلة الي مكان العبارة ..
 و بعد ان قضت وقتا ممتعا، خاطفا للانفاس من فرط الاثارة علي  ظهرالعبارة ، وصلت اخيرا الي غايتها الي حيث  بداية رحلتها البرية عبر مدن اوربا لحاقا باميلي و الكرنفال.. وبحثت عن الهاتف لتحدث رفيقتها..
ابتسمت عندما تذكرت كل هذا ، ثم تنفست بعمق و سارت متجهة الي اقرب محطة قطار..
عليها اللحاق بإم و الرفاق..

                                          ***
في بهو القصر الخاص بصادق و الذي تحول لمركز عمليات.. مروان و ابيه..كل منهما يتحدث في هاتفه مستغلا صلاته  الهامة في محاولة تتبع اسم رُقية علي رحلات و خطوط الطيران.. بينما وقف صادق بين بعض من رجاله  وعلي رأسهم عامر يخبرهم عن الخطواط التي عليهم اتخاذها و بين كل بضعة دقائق يحدث الحراس الذين ذهبوا في ملاحقة رُقية علي الهاتف للمتابعة.. اما نوال فقد جلست بمفردها علي احد الكراسي بين باكية و متابعة لما يحدث حولها في صمت..
مروان لصادق:" في خلال ساعة يا عمي هنعرف اذا كانت خرجت من البلد و لا لأ"
اومأ صادق برأسه و لم يرد
اما رقية فقد اتسعت عينها لفكرة ان ابنتها غادرت البلد و قالت لصادق و سط البكاء :" انت السبب يا صادق.. كله بسببك"
نظر لها صادق نظرة  شديدة محذرة ان تبدأ في ذلك الان.. لا الجمع ولا الموقف مناسبان لفقرة تبادل الاتهمات و القاء اللوم..
جاء اتصال لعامر فطرقع باصابعه فجأة بعد ان سمع الكلمات الاولي لمحدثه و اشار للجميع طالبا الصمت.. امتثل الجميع وانتبهوا بشدة له في انتظار الجديد..
بعد ان انهي الحديث قال بسرعة لصادق بالانجليزية ليفهم كل الموجودين:" اميلي جوت  صديقة الانسة روكي المقربة ذهبت في رحلة لتحضر المهرجان السنوي الذي يلف مدن اوروبا.. المعلومات تفيد ان الفتاة ذهبت مع مجموعة كبيرة من الاصدقاء و الذين هم في نفس الوقت اصدقاء الانسة روكي.. لذا هناك احتمال شبه مؤكد انها في الطريق اليهم.. حيث ان هناك معلومة عن ان فتاة بمواصفات تشابه هدفنا قد استقلت العبارة خروجا من المملكة ..كما ان التحريات تفيد ان اميلي شدت الرحال قبل هروب روكي بيومان.. كما ان هاتف الانسة روكي الذي تركته هنا يؤكد ان اميلي و روكي كانتا تتحداثان بكثافة اخر يومان.."
قاطعه صادق بعصبية:" اين الكرنفال اللعين؟"
عامر:" لقد وصل الان الي مدينة(--) و سيتحرك في اتجاه (---) من المحتمل ان الانسة روكي في الطريق لاحد تلك المدينتين"
انتفضت نوال و نهضت وهي تقول:" و ماذا تنتظرون؟ .. اذهبوا للحاق بها.. اجلبوا ابنتي لي الان! اسمعتم ؟! الان اقول!"
تردد جميع الحرس الواقفين في حيرة و توجهوا بانظراهم لصادق في انتظار التعليمات النهائية..
قال صادق بنبرة هادئة:" بهدوء يا نوال.. الامر ليس ككل مرة.. الفتاة لم تهرب في امسية لتمرح مع الاصدقاء و هي مدركة انها ستعود في نهاية الليلة  لتلقي بعض العقاب.. لقد قرأت الخطاب بنفسك.. ابنتك قررت الخروج من حياتنا.. و من المتوقع ان تبذل كل ما بوسعها للاختفاء والهرب.. اري ان ارسال الحرس ليحضروها عنوة هو تصرف غير سليم.. الفتاة حرة في قانون الدولة و قد تلجاء للشرطة.."
تنحنح مروان قبل ان يتحدث و قال:" اسمح لي يا عمي.. بامكاني الذهاب لاحضارها بنفسي.. لي اصدقاء بالفعل قد ذهبوا لمرافقة الكرنفال.. ربما لن تأتي مع الحرس  ولكنها قد تأتي مع يستميل قلبها.." و ابتسم ابتسامة واثقة..
نوال لصادق  في غيظ متجاهلة مروان:" اظن ان تلك هي فكرة غبية يا صادق! الفتاة هربت من الاساس بسببه.. كيف سيستعيدها هو؟! الم تر كيف كانت تسب فيه؟!!"
تقبل مروان الكلام اللاذع في ثبات و ابتسم في محاولة لاخفاء احراجه.. كان يدرك ان الام قد طار عقلها بسسب هروب ابنتها و لعلها لا تدرك ما تقول و غالبا لا تعنيه..
اما صادق فقد نظر لزوجته نظرة اخري محذرة.. لقد تمادت في اهانة زوج ابنته وابن شريكه مستقبليا..
فكر قليلا ثم قال:" ليست فكرة غبية تماما.. علي العكس.. الفتاة هربت بحثا عن الحرية و الحب و الحياة.. سأرسل لها كل ذلك.."
ابتهج مروان و قال بابتسامة عريضة:" تاكد اني سأكون عند حسن ظنك يا عمي.."

                                          ***
جلست رُقية علي تلك الطاولة تشرب القهوة في كافتيريا قرب محطة القطار.. لقد كانت رحلة مرهقة.. كنوع من التمويه ركبت  عدة حافلات و سيارة اجرة  حتي و صلت تلك الضاحية البعيدة ومنها ستركب القطار الذي سينقلها لتلك المدينة حيث تلقي اميلي و الاصدقاء.. رشفت من القهوة و ابتسمت.. لقد كان مذاقها مختلفا عن كل مرة تذوقتها في سنوات عمرها ..كان ممزوجا بطعم الحرية..
هاهو قطارها قد وصل.. تممت علي متعلقاتها و ذهبت لتركب..
اختارت تلك الكابينة الخالية.. و ضعت حقيبة ظهرها علي الرف اعلي المقعد.. و جلست قرب النافذة، حاولت فتحها و لكنها كانت عالقة.. لم تهتم ..جلست ومازالت الحماسة تدغدغها من الداخل.. هاهي تخرج من البلد في هذه الكابينة.. لا يهم ان لم تفُتح النافذة الان.. فالعالم له سينفتح امامها لاحقا..
بعد ان استقرت في جلستها تتأمل الخضرة خارج النافذة.. مرق شخص في ردهة القطار من امام باب الكابينة الزجاجي.. لم تلمحه جيدا و لم تهتم.. و لكن ما جعلها تعيد النظر ان الشخص بعد ان مرق عاد.. اطل برأسه داخل الكابينة..
كانت طلة تشرح القلب.. وسيم وجذاب..
سأل ببرود بالنجليزية :" اهذا المقعد خال؟"
قالت:" اجل انا و حدي في الكابينة.. و ان كنت افضل ان اظل هكذا"
قال بقليل من السخرية:" صدقيني وانا لا اتمني شيئا اكثر من الوحدة و الهدوء.. و لكني مضطر ان لان كل الكبائن الاخري مليئة"
دلف الي الكابينة ووضع حقيبته بدوره اعلي مقعده جلس مواجها لرقية قرب النافذة..
تعمدت الا تنظر اليه و ان تتجاهله تماما حتي لا يظن انها فرصة للتعارف او يحاول اي محاولة للغزل.. فلا يمكن التنبؤ بما يجعل الرجال تظن ان الفرصة سانحة..
طالت فترة الصمت.. يبدو انه لا ينوي المغازلة او التعارف... او حتي محادثتها من الاساس.. لمَ يا تري؟ الهذه الدرجة لم تثر اهتمامه؟ اي رجل كان ليحاول حتي اجراء حوار بسيط مع فتاة جميلة مثلها.. ولو علي سبيل تمضية الوقت..
نظرت بجانب عينيها اليه .. لقد كان منهمكا في قراءة كتاب.. القت نظرة علي الكتاب.. انه لكاتبها المفضل! هذا الشاب لديه ذوق ادبي رفيع..
رفعت عينيها تتأمله..  وسيم بالفعل.. ملامحه قد تكون من اصل عربي.. او اسباني.. لماذا تشعر انها تعرفه؟ لقد رأته قبلا في مكان ما.. يالهول! انه الشاب الذي انقذها من الرصاصة في الملهي.. و هاهو اثر بسيط للجرح في جانب رأسه.. يالمصادفة؟!! هل حقا جمعهم القدر لسبب ما؟؟
صاحت بحماس:" الا تعرفني؟!"
رفع عينيه عن الكتاب وقال في تململ:" وهل يجب علي؟ اسف لست متابعا للفن و الفنانات الصاعدات"
قالت:" لست فنانة! انا الفتاة التي انقذتها قبل بضعة ايام.. في الملهي (--)"
رفع حاجبيه مندهشا و بدا الاهتمام علي و جهه للمرة الاولي..تأمل و جهها و قال:" حقا؟ اسف لاني لم الاحظ.. لم اخذ وقتا ساعتها لانظر لوجهك.. "
واكمل  مازحا بنبرة ساخرة:" تعرفين ضيق الوقت.. فالرصاص لا يمهل احدا"
ابتسمت في حماس و مدت يدها اليه قائلا:" انا رُقية.. يمكنك مناداتي برووكي"
ابتسم بدوره و قال:" انت عربية؟"
قالت:" نعم مصرية.."
قال بمصرية سليمة وهو يمد يده:" وانا عمر يا روكي.. تشرفنا"
تلاشت ابتسامتها في لحظة و تراجعت وكأنها مصدومة.. ثم مدت يدها وصافحته في غير حماس..
تراجعت في مقعدها .. ولسان حالها يقول:" يعع"
فسأل:" في مشكلة؟"
قالت بتردد:" لا علي الاطلاق..  ابدا... صدفة لطيفة.. لقد اردت ساعتها أن اشكرك و لكن هناك ظروف ما منعتني.. و ها انا انتهز الفرصة لاشكرك علي انقاذك لحياتي"
فقال:" لا تشكريني.. لو كنت مكاني لكنت فعلت نفس الشيء.. انتي بتعرفي عربي ؟"
روكي:" اجل"
عمر:" بتتكلمي انجليزي ليه واحنا الاتنين مصريين؟"
روكي:" لهجتي المصرية مضحكة بعض الشيء.. كما اني ارتاح اكثر في الانجليزية.. لقد نشأت هنا واحمل الجنسية.. اعتبرني انجليزية"
عمر بابتسامة رائعة:" حسنا كما تشائين.. انا سعيد بالمصادفة الجميلة.. سأدعك الان لسكونك و سأعود لكتابي بعد اذنك.. فانا لا يتسني لي القراءة سوي في السفر.. و قد اشتقت لكاتبي المفضل.. كنت مشغولا و لم اقراء منذ فترة"
تراجع في مقعده و اعاد الكتاب بين يديه..
تأملته.. لم تعرف ما تشعر تجاهه.. هي ممتنة جدا للبطل الذي انقذها.. البطل المثقف الذي يشاركها الحب لنفس الكاتب.. و لكنه مصري مثل ابيها.. لربما ان اطالت معه الحديث لاستنكر كيف تسافر فتاة مثلها بمفردها.. ولاخبرها ان مكان الفتاة في بيت زوجها.. الافضل ان تتركه و شأنها..حتي يتركها وشأنها..
ولكنه تركها و شأنها بالفعل.. دون ان تطلب او حتي ان تحاول ابعاده.. حتي بعد ان فتحت هي  معه الحديث ، بعد ان عرف انها ممتنة له.. اي شاب اخر كان انتهز الفرصة للتعارف..يبدوا انها لا تثير اهتمامه بالمرة.. اكيد مرتبط عاطفيا .. واحد مثله لن يكون خال.. مؤكد فتاته هي عارضة ازياء مثيرة، تملاء عينه فلا يكاد يلاحظ اي فتاة غيرها.. يا لها من محظوظة..
تنهدت بصوت عال.. و تابعت المناظر من النافذة المغلقة..
فجأة انفتح باب الكابينة و دلف دون استئذان شاب اخر.. ضخم و اشقر شديد البياض.. ووجنتيه بلون الدم
قال بلكنة اسكتلندية :" لقد سئمت الناس في الكابينة الاخري.. انتم تبدون الطف"
جلس بجوار روكي و قال:" انا مارك"
رُقية بامتعاض:" روكي"
نظر الفتي لعمر و قال:" وانت ما اسمك؟"
عمر بضجر شديد:" عمر.. انا عمر"
مارك:" هل انتما معا؟"
روكي:" لا ..لسنا معا.."
مارك:" حسنا جيد.."
وعاد ليقول:" انا ذاهب للحاق بالكرنفال السنوي.. سألحق به في (--)"
رووكي وقد رأت اخيرا في مارك ما يستحق الاهتمام:" حقا؟ و انا ايضا.. "
صاح مارك بحماس:" يالها من مصادفة! فلنذهب معا .. هل ستلحقين باصدقائك؟ ان لم يكن يامكانك الانضمام لاصدقائي هناك.."
رووكي:" بلي سألحق باصدقائي.. و لكن شكرا علي العرض"
مارك:" جيد فلنذهب الطريق معا اذن.. مازال امامنا بضعة محطات و بضع حافلات.."
ثم وجه حديثه لعمر:" و انت يا (أومار).. الي اين انت ذاهب؟"
عمر بضيق:" لست ذاهبا للكرنفال! و اذا سمحتما انا ارغب في الهدوء للقراءة"
مارك:" مابك يا رجل! اهدأ! لقد كنت احاول فقط ان اشركك في الحديث.."
ثم التفت لرووكي و قال:" اتدخنين؟ تعالي معي لمنطقة المندخنين.. هناك بقعة حيث الهواء منعش حقا.. و لنتركه لهدوءه و كتابة السخيف"
رفعت رووكي كتفيها في عدم اكتراث و قالت:" لم لا؟.. هيا"
رفع عمر عينيه الي رووكي ليري رد فعلها علي عرض مارك.. و ما ان لمح موافقتها ..حتي قال:" فكرة جيدة.. احتاج للتدخين انا ايضا.. ساتي معكما"
مارك:" الم تكن ترغب في الهدوء قبل ثانية؟"
عمرساخرا:" حين تُذكر السيجارة.. يصير كل شيء اخر اقل اهمية"
ضحك مارك و هو يربت علي ظهر عمر قائلا:" ظننت هذا المثل يقال علي المرأة"
وبالفعل ذهب ثلاثتهم لمنطقة المدخنين بالقطار..
هناك وقفت رووكي وسطهما بدي عليها التردد.. ثم قالت لمارك فجأة:" اعطيني سيجارة.."
اخرج مارك واحدة من علبته و اعطاها اليها.. ثم امسك بقداحته ليشعلها لها..
كان عمر يتابعها باهتمام في صمت و هو ينفث دخان سيجارته..
اخذت رووكي نفسا .. ثم سعلت بشدة..حتي كادت تتقيا
قال مارك منزعجا:" ما بك يا فتاة؟؟ هل انت مريضة؟؟"
رفعت رووكي يديها وسط السعال  معلنة انها بخير..
فضحك مارك و قال:" هذه سيجارتك الاولي يا فتاة... بلي؟"
لم ترد و استمرت تسعل و لكن اخف قليلا..
اما عمر فقد بدا علي وجهه بعض القلق و لكنه مازال صامتا..
قال مارك:" ظننتك مدخنة.. لمَ لم تقولي؟ انا لم اجبرك...لقد طلبت السيجارة بنفسك"
قالت رووكي اخيرا وعيناها دامعة من كثرة السعال:" اريد ان اكون واحدة"
مارك و عمر في نفس الثانية باندهاش:" مدخنة؟!!"
اومأت رووكي برأسها ايجابا و قالت بنبرة واثقة:" انا  فتاة حرة بامكانها ان تفعل ما تريد..ادخن سيجارة.. ادخن مخدرات..انا حرة"
مارك مندهشا:" و لمَ تريدين هذا؟ انت في نعمة يا فتاة.. كل مدخن هو عبد لسيجارته..اي حرية تتحدثين عنها ؟؟ اسأليني انا؟ اود ان اكون غير مدخن.. و لكني غير قادر.. وكاني ...غير حر.."
اقترب عمر منها و سحب السيجارة من يدها و قال بهدوء:" بعد نوبة السعال تلك اظن انك لست بحاجة لهذه الان.."
قالت:" ولكن.."
قاطعها بعد ان اطفاء السيجارة في المطفاءة وقال رافعا كفيه :" لم يتعدي احدا علي حريتك يا فتاة!.. بامكانك التجربة مرة اخري في اي وقت اخر.. ولكن إن اخذتِ نفسا آخر من تلك السيجارة الان هناك احتمال 90 في المائة ان تتقيائ.. و صدقيني لا يرغب احدا منا الوقوف وسط القيء"
ابتسمت .. لماذا هو دائما صامت؟ و لكن كلما نطق.. زاد اعجابها بشخصيته..
كان مارك ينظر لرووكي بنظرات اعجاب و اضحة..
حين عادوا ثلاثتهم للكابية..و عاد عمر لكتابه..جلس مارك قرب رووكي يحدثها في امور شتي.. انشغلت معه في الحديث.. كانا يتحدثان بصوت خفيض حتي لا يسببا الازعاج لعمر.. ولكن رووكي بدأت تدرك انه معجب بها.. لقد دخل في مرحلة الغزل.. بدأ يثني علي جمال عينيها.. سألها ان كانت مرتبطة.. كان لطيفا لم يضايقها الامر.. و لكنها لن ترتبط عاطفيا مع شخص الان .. لديها الكثير لتفعله ..لا وقت لديها للتقيد باي علاقة.. فليبقي الامر دوما عند مرحلة الغزل اللطيفة..
طلب منها القيام معه للخارج لاحضار القهوة..لم تمانع.. وحين هم عمر للقيام معهما قال له مارك  بنبرة ذات معني بعد ان خرجت رووكي:" ابق انت يا رجل.. سأتي لك بم تريد..هيا اعطيني فرصتي"
فانتظر عمر و لم يذهب معهما.. بقي لبضعة دقائق ثم خرج بدوره من الكابينة.. سار في ردهة القطار باتجاه البار.. ها هو الان امام ماكينة القهوة.. ليسا هناك!
هل اخذا القهوة وذهبا لتدخين سيجارة اخري؟.. تقدم اكثر باتجاه منطقة المدخنين..وقف بها لا اثر لهما..
انتابه بعض القلق..
عاد ادراجه الي الكابينة.. مازلت خاوية..
دلف اليها وعاد لمقعده.. ماذا عليه ان يفعل الان؟
وفجأة فُتح باب الكابينة بعنف.. و دلخلت رووكي..وعلي وجهها غضب شديد..جلست بعصبية قرب النافذة تهز قدمها في توتر شديد..
عمر:" اين مارك؟"
رووكي بحدة:" لا اعرف.. و لا اريد ان اعرف!"
ادرك عمر ان امرا ما حدث.. هل تشاجرا؟
هل عليهما مارك و دفع الباب برفق.. ما ان  رأته رُقية حتي قفزت من مكانها لتجلس ملاصقة لعمر و قالت  لمارك بحدة شديدة محذرة:"  اقسم بالله ان اقتربت مرة اخري.. ستكون هذه المرة ركلة تحرمك من الاطفال لباقي عمرك!"
مارك مندهشا  وببعض الغضب:" ما بك يا فتاة هل انت مجنونة؟! لقد كنت لطيفة.. كيف انقلبت هكذا؟ وكيف تجروءين علي صفعي هكذا؟!"
ثم وجه حديثه الي عمر يشهده:" الم تري بنفسك انها كانت لطيفة معي.؟؟. هل بدت باي حال من الاحوال رافضة لي؟؟ كل ما فعلته هو اني لففت ذراعي حولها  اثناء وقوفنا معا في نافذة القطار .. فوجئت بها تستدير لتصفعني! انها مجنونة ! ابتعد عنها"
قال عمر بهدوء:" تفضل غادر الكابينة يا مارك!"
مارك مصعوقا:" ماذا؟!!"
عمر :" كما سمعت.. غادر الان.. وجودك يضايق الفتاة!"
مارك ومازال مندهشا من رد فعل عمر:" الاولي بك ان تطلب منها هي ذلك..هي المريضة عقليا و لست انا!!"
رووكي:" انا لست مريضة ايها الغبي.. انت من تطاول علي.. ان لم تغادر سأبلغ امن القطار انك حاولت التحرش بي!"
كان مارك يسحب متعلقاته من قبل ان تتحدث رووكي..
مارك ساخرا:" اكيد سأذهب ، ان كنت انت ستبقيين..لن ابقي مع مريضة مثلك في مكان واحد.. و انت يا  (أومار )اتمني لك حظا سعيدا مع المجنونة"
قال عمر بنبرة حازمة:" غادر!"
خرج مارك و صفق الباب ..
كانت رووكي تجلس ملاصقة لعمر وتتنفس بسرعة في انفعال.. بعد ان خرج مارك التفتت لعمر و قالت:" اشكرك لدعمي.."
ثم قامت من جانبه و عادت لمقعدها المواجه له و قالت:" كيف جروء؟ لم نتحدث سوي لوهلة و يظن ان يمكنه ان يضمني"
عمر:" لقد بدي عليك انك متقبلة له تماما"
رووكي:" نعم ..ان حديثه لطيف.. ولكن ان يضمني امرا اخر.. اعرف ان صفعه كان امرا مبالغ فيه.. كان يكفي ان اخبره اني لا ارغب.. و لكنه ايضا مخطيء بالتسرع"
عمر في عدم اكتراث:" ربما.."
رووكي و قد كادت ان تجن من عدم اهتمامه.. و لكنها اخفت ذلك خلف ابتسامة عريضة:" اشكرك مرة اخري انك و قفت في صفي"
عمر:" حسنا لا تشكريني لقد اخترت منكما الرفيق الاكثر هدوءا لابقيه"
صدمت رووكي بشدة من الرد .. بيما هو كان ينظر في كتابه غير منتبها لفمها المفتوح ذهولا..
الا انه بعد لحظة رفع راسه لها و قال مبتسما:" بالطبع امزح! لقد وقفت في صفك لاني برغم اني اعتدت العيش بالاسلوب الغربي الا ان هناك شي مازال شرقي بداخلي يجعلني امقت اولاءك الذين يغازلون النساء في وجودي..خصوصا ان كانوا يفرضون انفسهم مثل صديقك مارك"
رووكي ضاحكة:" لا تقل صديقك!"
ابتسم عمر ابتسامة ساحرة ..جعلتها تتأمله دون حياء..
قالت:" هل عشت هنا كثيرا؟"
عمر:" اجل معظم عمري..  ابي كان يعمل في عدة دول .. حتي استقر هنا منذ ان كنت في العاشرة"
رووكي:" ابويك مصريين؟"
عمر:" ابي فقط.. امي برتغالية.. تقابلا في فرنسا.. كانت هي تدرس الرسم.. و هو في مهمة عمل"
رووكي في هيام:" كم رومانسي.."
ابتسم عمر:" نعم كانت قصة حب قوية.."
رووكي:" لا بد انك عشت طفولة رائعة  في جو رومانسي وسط ابوين متحابان "
عمر:" للاسف امي ماتت وانا في السادسة.. ونظرا لانشغال ابي و السفر الدائم.. عشت مع عمتي  في مصر  لفترة الي ان استقر ابي في لندن و اتي بي انا وعمتي حتي توفت هي الاخري ..ثم لحق بها ابي منذ بضعة اعوام"
عقدت رووكي حاجبيها تأثرا  وتمتمت:" انا اسفة.."
قال:" لا تأسفي..  مايحدث للانسان في حياته يشكل ما هو عليه الان.. و انا فخور بما انا عليه..حتي و ان كنت مررت بفترات مؤلمة او عصيبة"
نظرت له بانبهار.. حقا كلما نطق اثار اعجابها!
وجه اليها سؤالا :" وماذا عنك.. هل ابويك مصريين؟"
رووكي:" هل بامكاني ان احتفظ بتفاصيل حياتي ..انه امر خاص"
حرك رأسه و رفع كفيه بما يعني :" ايا كان" وقال:" اكيد"
قالت:" اشكرك لتفهمك"
حرك رأسه بمعني " لا عليك"
مر بعض الوقت قبل ان يقف القطار في المحطة..
حملت حقيبتها كما فعل عمر و سارا معا في الردهة الي خارج القطار..
نزلت اولا و نزل بعدها..
وقفت امامه مبتسمة للحظة ثم قالت:" اشكرك ثانية علي كل شيء.. انقذت حياتي.. و دعمتني في موقفي مع مارك.. و كنت رفيق مسل للطريق.. انا ادين لك بالكثير" و ضحكت ضحكة صافية..
ابتسم بدوره ابتسامة خلعت قلبها و قال:" انت ايضا كنتِ رفيق لطيف.. و استمتعت بمرور الوقت معكِ"
مدت يدها باسلوب طفولي و صافحته قائلة:" وداعا الان.. علي الحاق بمحموعة متعددة من المواصلات لالحق الكارنفال.. اتمني ان اراك مصادفة في يوم ما"
صافحها و قال:" وانا ايضا.. وداعا رووكي"
حمل حقيبته و استدار مبتعدا.. تابعته..
وقف امام عربة القطار المخصصة للمتعلقات الضخمة.. انتظر دوره .. دخل لبرهة و خرج نازلا علي تلك الخشبات التي تشكل جسرا بين الرصيف و عربة القطار ..كان يركب دراجة بخارية سوداء.. رشيقة و لا معة مثله..يا جماله بالدارجة.. مثل ممثلين افلام الكشن.. ينقص المشهد موسيقي تصويرية مثيرة.. وقف بها خارج العربة يحمل بيده الخوذة.. ثم نظر نحو رووكي نظرة اخيرة و لوح لها من بعيد.. فابتسمت بانبهار شديد و لوحت له بدورها.. ثم انهمك في وضع حقيبته علي ظهره و ترتيب نفسه استعدادا للرحيل بالدراجة البخارية..
اما رووكي فكانت تتابعه الي ان ادركت ان عليها التحرك بدورها.. فمازال عليها السؤال عن افضل طريقة للوصول، كما ان عليها البحث عن هاتف لمحادثة إميلي..
دارت بعينها في المكان تبحث عن اقرب هاتف.. ولكنها لمحت شيئا اخر.. بل شخصا..
شخصا تحفظه عن ظهر قلب.. و تميزه وسط المئات بحكم العادة.. انه احد حراس و الدها..انه جايك...ببذلته و نظارته السوداء.. اللعنة!...لقد تبعوها الي هنا..
رأته يتحدث في جهاز اتصال ما.. انه يبلغهم انه وجدها.. تلفتت حولها في ذعر تبحث عن اخرين.. و لكن عينيها و قعت علي عمر و قد ارتدي الخوذة  و يستعد للانطلاق..
امسكت جيدا بحقيبتها.. و جرت باقصي سرعة نحوه .. و صلت اليه و هو مازال  يلف ببطء لغير و جهة الدراجة..رفع الغطاء الامامي للخوذة حين رأها  اتيه عليه تجري و قال مندهشا:" رووكي.. ماذا هناك؟"
قفزت خلفه علي الدراجة و صاحت:" انطلق! انطلق بسرعة .. اخرجني من هنا!"
لم ينتظر ليفهم... بل انطلق باقصي سرعة و هو يقول:"تمسكي جيدا"
كانت تنظر خلفها لتري ان كان هناك من يتابعها.. بالفعل رأت الحارس يقف عن بعد ويشير الي اخريين علي مكانها..و يتحدث في جهاز الاتصال.. صاحت في عمر:" اسرع .. اسرع"
ونظرت مرة اخري لتجدهم قد صاروا ابعد بكثير الي ان اختفوا تماما حين انعطف عمر في احد الشوارع  يبدوا انه يسير بسرعة حقا، تنفست الصعداء..
شعر عمر انها هدأت من نوبة التوتر و الذعر.. فقال:" هل لي ان اسأل ما كان ذلك؟..ام انه يندرج تحت الامور الخاصة؟"
رووكي:" يندرج تحت الامور الخاصة"
عمر:" حسنا و لكن حقي ان اعرف ان كنتِ مُطاردة من السُلطة ، او كنتِ ارتكبت جريمة، او متورطة في اي شيء غير قانوني"
رووكي:" و لا اي من ذلك"
عمر:" حسنا.. سأكتفي بذلك"
صمتا لبرهة قاد فيها عمر الدراجة بينما لفت رووكي ذراعيها حول وسطه، يحول بين جسديهما حقيبة ظهره ..
عمر:" هل لي ان اعرف اين اذهب بك؟  لا يمكن لذلك ان يندرج تحت الامور الخاصة..فانا من اقود"
رووكي:" الي اين كانت و جهتك في الاساس؟"
عمر:" كنت سأبيت ليلتين هنا في المدينة لاستريح فلدي قيادة طويلة لان لدي عمل بعد ذلك في (--)"
رووكي حسنا سأدفع لك لتوصلني لاصدقائي في (-- مدينة اخري )"
عمر:" لا استطيع.. انا بحاجة للراحة علي الاقل يوما.. لا يمكنني القيادة لك ثم القيادة مرة اخري بعدها لعملي"
صمتت روكي تفكر.. هي تخشي ان تركب مرة اخري الحافلة من هنا ..فمؤكد ان رجال و الدها الان يتابعون كل الحافلات في البلدة.. ليس امامها سوي دراجة عمر.. حسنا.. يمكنها البقاء هنا لليلة مثله و بذلك تتأخر علي إميلي يوما.. ثم تلحق بها و الاصدقاء  في المدينة التالية للكرنفال والتي هي نفس طريق عمر..حين يذهب في طريقه لـ(--) حيث عمله بامكانه ان يوصلها الي اقرب مكان لاصدقائها..
قالت:"حسنا سأعقد معك اتفاقا.. استريح لليلة واحدة هنا ..ثم خذني معك في طريقك.. محطة الكرنفال التالية ليست بعيدة عن المدينة التي انت ذاهب اليها.. سأدفع لك ما ترغب ..حسنا؟"
عمر:" واين ستبقيين الليلة؟"
رووكي:" اين ستبقي انت؟"
عمر:" في منزل صديقة لي..":
رووكي:" سأبقي انا في اقرب فندق قرب منزلها... حتي نقرب المسافة و والوقت"
عمر:" بامكانك المجيء معي..هي لن تمانع.."
رووكي:" لا شكرا.. لا احب التطفل.."
عمر:" كما تريدين.."
رووكي:" حسنا و لكن علي الاتصال بشخص ما.. هلا اوقفتنا عند اول هاتف؟"
وبالفعل نزلا كليهما عند هاتف عمومي.. اتصلت رووكي بإميلي تخبرها بانها ستلحق بهم في المدينة التالية..
بينما كانت هي  تحدث إميلي.. ابتعد عمر ولكن رووكي كانت مازالت في محيط نظره..
اخرج هاتفه واتصل برقم ما..
عمر:" ايوة يا فندم.. الهدف معايا.. بارادتها يا فندم.. هي طلبت مني بنفسها اوصلها الكرنفال.. هنبات الليلة هنا... لازم يا فندم عشان الخطة الموضوعة تمشي.. وكمان عشان نعطل الوصول للكرنفال.. هناك تنفيذ الخطة هيكون اصعب..  هتبات معايا في بيت آمن يافندم.. مش هتغيب عن عيني لحظة.. مش عايز سيادتك تقلق.. انا مضطر اقفل.. جاية عليا.."
اكمل عمر حديثه بالانجليزية وكانه مازال يتحدث في الهاتف: حسنا عزيزتي.. انا قادم اليك الان ..افتقدك كثيرا"
اقتربت رووكي وبدي عليها الاحراج لسبب ما لا تعرفه.. سماعه يحدث فتاة ..كان يضايقها و لو قليلا.. كانت حقا تحسد تلك الفتاة..
انهي المكالمة و نظر لرووكي ثم قال:" يلا؟ "
قالت مبتسمة : يلا.."

                                       ***
كانت نوال تجلس مع زوجها صادق وعامر مستشاره في تراس القصر في انتظار اي اخبار عن رُقية..
وقد جائت الاخبار في صورة مكالمة هاتفية تلقاها صادق بنفسه..
صادق لمحدثه علي الهاتف:" طب كويس جدا برافوا عليك..  ازاي راحت معاك؟  ... طب و امتي هتروحوا الكرنفال... بيات؟ و لازمته ايه البيات ده؟ طيب ماشي لوانت شايف كده ...طب هتبات هي فين؟ انا مش عايزك تفارقها ثانية.. حتي و هي نايمة تبقي بتحرسها.. انت مش مدرك انا قلقان ازاي.. انا اعدائي مبيرحموش.. لو حد عرف انها بنتي و لوحدها.. هتبقي مصيبة.. ليه تقفل؟ الو الو الو؟"
انهي المكالمة و التفت لزوجته قائلا:" ادي بنتك يا هانم المتربية اللي عايزة تبقي حرة.. خرجت من البلد وراحت مع و احد غريب برضاها.. و طلب منه يوصلها الكرنفال الزفت بتاعها.. و كمان ايه هتبات الليلة معاه!"
لطمت نول علي صدرها وقالت:" يا مصبتي تبات ازاي؟"
نفث صادق في غيظ ثم قال:" والله منا عارف.. انا لولا ان ثقتي في الولد ده كبيرة ومعنديش ادني شك في ولاءه و متأكد انه عارف هو بيعمل ايه؟ كان زماني مت بالسكتة! بنتك هتموتني يا نوال"
اتى عامر مقتربا بعد ان كان  قد ذهب بهاتفه بعيدا ليستمع لمكالمة تفيده بالاخبار بدوره..
قال:" الرجالة بتوعنا عند محطة القطر يا فندم اكدوا مشاهدتهم لرُقية.. همة اتلقوا رسالة من العميل عمر بتفيد انه لقي رووكي علي القطر و تواصل معاها.. و طلب منهم ان لما الانسة رووكي تنزل في المحطة ..يظهروا قدامها بحيث تشوفهم..بدون ما يطاردوها.."
صادق:" الله؟؟ طب لما تشوفهم ما هي هتهرب تاني.."
عامر:" فعلا يا فندم.. هي هربت .. لكن هربت مع عمر نفسه.. ركبت و راه الموتسكيل بتاعه وهرب معهاه قدامهم كلهم"
ضرب صادق كف بكف و نظر لزوجته قائلا:" ادي اللي بنتك عايزاه.. تهرب مع فارس الاحلام علي ضهر موتسيكل.. دنا هقطم ضهرها بس لما الولد يرجعهلنا بالسلامة.."
اذن فعمر هو عميل لصادق!
كيف؟ و ماذا؟ و متي؟

حسنا.. فلنعود للوراء قليلا..
في بهو القصر عندما قال مروان مبتهجا بابتسامة عريضة:
" تاكد اني سأكون عند حسن ظنك يا عمي..

التفت اليه صادق وقال:" لا يا مروان انا سأعفيك من تلك المهمة .. ليست مناسبة لك في الظروف الحالية.."
هنا تدخل عبد الهادي و قال متسائلا:" كيف؟ الم تقل  انك سترسل لها الحب.. لقد تهنا منك يا صادق"
تلقي صادق السؤال من عبد الهادي و لكنه ابتسم بهدوء و لم يجب، بل التفت لعامر و قال:" عامر.. هل شُفي الفتي الذي انقذها من اطلاق النار في الملهي؟.. ابن السيوفي.."
اومأ عامر برأسه وقال: "اجل سيدي.. لم تكن اصابة ذات شأن .. وهو جاهز تحت تصرفك.. "
رد صادق:" ارسل في طلبه فورا.."
ثم عاد و التفت لعبد الهادي و قال:" عمر.. عميل شاب من وكالة الحراسة الخاصة ..ابن السيوفي رحمه الله الذي  كان حارسي الخاص"
فقال مروان بالمصري حانقا:" مش فاهم يا عمي.. يعني عمر ده دوره ايه بالظبط؟!"
صادق:" الشاب ده من اكفاء الحراس السريين.. لما روكي كانت بتهرب و بيبلغوني ..كنت ببعته في المكان الي بتروحه ..يتابعها .. ولانه شاب - علي عكس بقية الحرس - كان بيندمج و سط المجموعات اللي حوالين روكي و عمرها ما كانت بتاخد بالها منه.. كمان لانها عمرها ما شافته.. كان وجوده بالقرب ده منها بيطمني.. لان طبعا لو اي و احد من الحرس اللي هي عارفاهم بيقرب .. بتكون النتيجة انها تهرب او تستخبي تاني..و اخر مرة زي ما عرفتوا طبعا انقذها من ضرب النار اياه اللي كان في الكلب"
مروان:" برضه يا عمي مش فاهم.. دوره ايه؟ هتبعته و راها يتابعها وبعدين؟؟ طب كل مرة كان بيتابعها في السر لحد ما ترجع هي بنفسها.. المرة دي هي مش ناوية ترجع.. مين اللي هيرجعها؟.."
ابتسم صادق ببعض الغموض و قال:" سيبوا الحكاية دي عليا... اطمني يا نوال .. بنتك هترجع برضاها.. و لحد ما ترجع هيكون جنبها الي بيحميها طول الوقت"

                                 ***
ترجل من علي دراجته البخارية السوداء.. يتشابه مع دراجته بشكل كبير.. نفس الغموض و الجاذبية.. يردتدي السواد..بنطلون اسود، حذاء اسود و سترة جلدية سوداء.. كذلك الخودة التي خلعها وتركها علي الدراجة سوداء.. اسود شعره القصير و سوداء عينياه الجذابة.. ولكن  طلته لم تكن بقتامة الوانه.. هناك بريق ما يطل من تلك العينان.. تلك المشية و الواثقة.. وهذا الجسد القوي..
اقترب من البهو بعد ان ادخلته الخادمة من باب القصر وسارت معه لتوصله.. سمع اصواتا.. هناك نقاشا يدور بالداخل..
سمع و هو مازل يقترب صوتا يقول:" يعني ايه يا عمي هيوقعها في حبه؟؟!! ده كلام؟ امال هترجعلي ازاي يعني؟"
وسمع صوتا اخر يرد بدا اكثر هدوءا و اكبر سنا ميزه بسهولة انه صوت السيد صادق يرد علي الصوت الاول قائلا:" يا ابني افهم.. هو هيوقعها في حبه و يستدرجها انها ترجع..و بعد ما تكتشف في الاخر انه عميل في الوكالة وانا الي باعته.. هتعرف انها كانت عبيطة وبينضحك عليها وانها مش مستعدة تواجه الدنيا لوحدها.. و ان اللي افتكرته حب طلع و هم... ساعتها مش هيكون قدامها غير انها تصدقني و تثق اني ادري بمصلحتها.. ومش هتلاقي احسن منك لما انا اقولها كده.. فهمت؟!"
اعلنت الخادمة وصول السيد عمر..
التفت الجميع نحوه.. صادق و نوال و عامر و كذلك مروان و ابيه ..
ابتسم ابتسامة بسيطة و دلف المكان بثقة و هدوء..
"تعالي يا عمر يا بني.. اتفضل"
كان هذا صادق يرحب بعمر الذي مدي يده يصافح صادق ..
تفحص مروان عمر من رأسه حتي اخمص قدميه.. ثم صاح:" ده!! ده اللي هيوقعها في حبه؟!!!"
رد صادق بنفاذ صبر:" ايوة يا مروان ..ماله؟"
تكلم عمر بصوته العميق و سأل:" مين دي يا فندم؟ انا فاهم ان دي مهمة تخص الانسة رُقية.."
تكلم مروان محدثا ابيه محاولا السيطرة علي انفعاله:" ده مينفعش خالص يا بابا.. قلهم انه مينفعش!"
عبد الهادي هامسا:" ليه يا بني ماله؟ بيقولك انه شاطر و هيعرف يرجعها.. خلينا نخلص بأة من التعطيلات دي و نتمم المصلحة"
مرون هامسا في اذن ابيه ويكاد يبكي:" وهي لما تحب ده... هتبصلي انا بعد كده ازاي؟!!!"
ابتسم عبد الهادي علي تفاهة ابنه ثم اخذه من يده و انسحبا بعيدا بعض لبشيء.. قال بهدوء حتي لا يسمع الباقون:" انت اللي بتقول كده؟!! وانا اللي بقول عليك مغرور؟ فين ثقتك في نفسك؟ دانت مروان هادي اللي مدوخ بنات لندن... يجي ايه ده جنبك... ثم هو هيقضي مهمة و يمشي.. الموضوع بالنسباله شغل.. ده الوكالة اللي بيشتغل فيها دي معندهمش هزار.. مهمة يعني مهمة.. ده محترف..انت فاكره زيك هيلبد و بقي و يسبل .. مجرد ما هيسلمها لابوها..مهمته انتهت.. و هي ساعتها  هتعرف انه كان بيضحك عليها وانها كانت مجرد مهمة و خلصت و هتتصدم فيه.. و ساعتها دورك انت تبقي الصدر الحنون.. بقي انا اللي هعلمك الحجات دي يا مروان؟؟"
جز مروان علي اسنانه و هو يرمق عمر الوسيم الجالس بجوار صادق يستمع لتفاصيل المهمة الجديدة.. قد يكون ابوه محقا.. الامر بالنسبة له مجرد مهمة.. انه الان مجرد خادم لهم ينفذ طلباتهم في استرجاع رُقية.. ابتلع تلك الغصة في حلقة و هو يتخيله مع رُقية يحاول ايقاعها في حبه.. و لكن صورته هو  زوجا لرُقية و رئيسا للشركات يملك المال و النفوذ .. جعلته يبتلع الغصة بسلاسة..
عاد هو و ابيه حيث يجلس صادق مع عمر و الباقون..
قال عمر:" يعني المطلوب مني دلوقتي اني اقابل الانسة رُقية.. علي اني زيها بحضر الكرنفال مثلا..او بأي حجة"
صادق مقاطعا:" و طبعا هي هتكلمك لانها هتفتكرك عشان انت اللي انقذتها و هي ملحقتش تشكرك.."
عمر:" واكسب صداقتها.. "
صادق: "و تفضل لازقلها .. عشان سببين الحماية وده السبب الاهم.. متغبش عن عينك ثانية.. و السبب التاني انها تتعلق بيك.. عايزها تثق فيك و تسمع كلامك.. بحيث لما تيجي تقولها نرجع لاهلك.. توافقك و تيجي"
عمر:" و مهمتي تنتهي لما سيادتك تستلمها.."
قال مروان بحدة:" يا ريت دي تفهمها كويس اوي!"
رمقه صادق بنظرة غاضبة..مما جعل عبد الهادي يلكز و لده ليطبق فمه علي لسانه..
صادق لعمر:" بالظبط.. وللاسف اي مهمة تانية في المستقبل كمان.. كده انت اتحرقت بالنسبة ليها..خسارة مع انك احسن واحد اشتعل معايا.."
عمر:" يا فندم الوكالة مليانة عملاء شباب من كل الجنسيات.. اختيار عميل سري تاني للانسة رُقية مش هيكون صعب"
صادق ضاحكا ضحكة قصير:"اكيد.. انا بدفع دعم للوكالة مش قليل و اكيد مش هيبخلوا عليا بعميل  تاني ممتاز زيك.. ولو اني اشك ان في زيك... انت صورة حية من و الدك الله يرحمه... كان عزيز عليا جدا"
عمر:" اشكرك يا فندم.. لولا دعمك ووساطتك مكنتش هقدر اتعين في الوكالة دي.."
صادق:" لا .. انت عارف ان هنا مفيش و ساطة.. تميزك هو اللي خلاهم يقبلوك.. انا مجرد حطيتك قدام فرصة الاختبار"
عمر:" و ده في حد ذاته جميل انا مش هنساه.. "
ابتسم صادق ثم قال:" نرجع لموضوعنا ..دلوقتي احنا مش واثقين مية في المية انها راحت هناك للكرنفال.. عشان كده انا هبعت الحراس قبلك يحاولوا يكتشفوا مكانها..  في احتمال تكون خرجت من البلد في المعدية.. هيحاولوا يلحقوها  بس من بعيد من غير اي احتاكاك بيها ..همة هيكونوا الدعم بتاعك و هيكونوا منتشرين حواليك و حواليها من بعيد..لازم تبقي علي اتصال معاهم لتحديد مكانها"
عمر:"  تمام .بس يا فندم تفاصيل مقابلتها و التفاصيل الصغيرة عموما سيبلي حرية اختيارها.. لانها هتكون متغيرة و بتتعدل كل ثانية حسب اللحظة و ظروف الموقف..فا ياريت تسيبها لتقديري انا "
مروان:" نسيبهالك ازاي يعني؟ هتمشينا علي مزاجك؟ انت هنا عشان تنفذ اللي  احنا بنقوله؟"
رمق عمر مروان نظرة باردة ثم سأل صادق بتعالٍ:" مين ده؟"
قال صادق لمروان:" مروان.. عمر خبير و عارف هو بيعمل ايه؟"
ثم قال لعمر:" ده مروان خطيب رُقية.. باعتبار ما سيكون.."
اردفت نوال بغيظ:" واللي كان السبب انها هربت!"
قال صادق محذرا:" نوال!".. بينما ترك مروان المكان و خرج غاضبا..
فاكمل صادق لعمر:" هو بس قلقان عليها شوية.. كمان مهمتك حساسة بالنسبالة.. انت بتوقع خطيبته في حبك"
قال عمر:" يا فندم دي مهمة.. انا بكون مُجرد من اي مشاعر وهدفي كله اني انجز المطلوب مني.. يا ريت السيد مروان يطمن"
صادق:" كلنا فاهمين  يا عمر.. انا واثق فيك.. "
عمر:" وانا قد الثقة...انا محتاج  دلوقتي اقعد مع مدام نوال اسمع شوية تفاصيل عن الانسة رُقية.. و في خلال ساعة هكون وراها"
نظرت له نوال و قالت بمرارة و الدموع تملاء عينيها:" تعالي يابني  .. تعالي اقولك ازاي توقع بنتي في حبك و بعدين تكسر قلبها..ايه الظلم ده يا ربي.. منه لله اللي كان السبب!"
ورمقت صادق بنظرة كلها لوم ثم نهضت و توجهت للحديقة و تبعها عمر بعد ان شارت له ان يتبعها..


12/14/2011

حُرية رُقية (2)


جلست رُقية علي سريرها بداخل حجرتها الانيقة تبكي.. لم يكن الامر جديدا في دوما ينتهي جدالها مع ابيها حول حريتها بنوبة بكاء في الحجرة..سمعت هاتفها يرن، اخرجته من احد حقائبها الثمينة و ردت..
"نعم.."
صديقتها الانجليزية اميلي:" كيف حالك الان رووك؟ ما اخبار الاصابة؟ لم يتسني لي السؤال عنك بعد ان حملك رجال ابيك بعيدا"
رووكي:" طفيفة.. ممرضة ابي عالجتها"
اميلي:" رووك؟ هل تبكين؟ صوتك حزين.."
رووكي:" المعتاد.. لقد صب ابي فوق رأسي سيل من اللوم.. لقد مللت تلك الحياة بشدة  إم"
اميلي:" انت بحاجة لتغيير.. ما رأيك برحلة عبر بعض مدن اوروبا.. هناك مهرجان يبدأ قريبا ويطوف المدن في كرنفال احتفالي.. فينيسا ، كان، فيننا..وكل ما تتخيلين ..ستكون ممتعة.. نرقص بالشوارع  ونسهر الليل ونستمتع بوقتنا؟"
رووكي باحباط:" هل تظنين ان بعد الليلة .. ابي سيدعني اخرج من البيت؟.. بل قولي الغرفة"
اميلي:" خسارة.. كنت اريدك معي.. سأذهب علي كل حال.. ليتك فقط تسطيعين اقناعه"
تنهديت رووكي في حسرة و قالت:" لا امل.. و لكني سأحاول.."
اميلي بخبث:" او بامكانك الا تفعلي.. فقط تعالي! انت فتاة كبيرة.. مواطنة انجليزية حرة.. ليس لاحد ان يتحكم بحياتك!"
رووكي في مرارة وسخرية:" اتظنين اني لم افكر بذلك وانت تتحدثين؟! لو كانت لليلة و احدة لكنت فعلت.. و لكن الامر يستغرق اياما.. كيف سأفعلها؟؟ سيظنون اني خُطفت او شيء ما من خيالهم المريض المتشائم.. ثم ان كلاب ابي المطيعة ستبحث عني و سيُعدونني قبل ان اصل الي اي مكان..اخخ كم اكره اؤلائك الحرس!"
اميلي بحزن:" ممم.. حقا خسارة.."
رووكي:" هذا حظي من الدنيا.. ان اكون محرومة من الحياة.. وداعا إم.. ساحدثك لاحقا.. لدي رغبة ملحة في البكاء الان"

                                                        ***
في مساء اليوم التالي .. جلس رجلي الاعمال معا في جلسة ودية علي العشاء..
عبد الهادي:" متشكر جدا يا صادق علي الدعوة دي.."
صادق:" انت اخويا يا عبد الهادي.. احنا زي ما بيقولوا في مصر.. بلديات.. و المصري للمصري في الغربة سند و ضهر"
ضحك عبد الهادي وقال:"انت سند ليا ماشي ..لكن انا سند ليك ازاي بس؟ واحنا نيجي ايه جنبك.. دانت المعلم الكبير.. واحنا يدوب بنتعلم منك.."
صادق:" لأ ازاي.. ادائك في السوق باين.. انت و ابنك شغلكم لا غبار عليه.."
عبد الهادي:" اهه ابني ده فعلا سابق سنه.. ربنا يوفقه.. انا بس خايف من كتر شطارته ينفصل عني و ينافسني.. واطي و انا اللي مربيه" واطلق ضحكة قوية علي دعابته..
ضحك صادق بدوره  ثم قال:" اه .. فعلا العيال هيجننونا.. عندك بنتي مطلعة عيني.. بس هقول ايه انا اللي مدلعها.. بمناسبة ابنك و بنتي بقي.. عندي ليك فكرة مشروع.. يخلينا شركاء و حبايب مدي الحياة"
عبد الهادي بحماس و قد لمعت عيناه شغفا:"مشروع ايه؟" و اكاد اجزم ان لعابه قد سال..
صادق:" مشروع جواز.."
                                                           ***
جلس صادق مع زوجته نوال في غرفة المعيشة الخاصة بالجناح المخصص لهما في القصر.. كان يحدثها بأمر مروان و رُقية..
نوال في تعجب:" دلوقتي؟! هتجوزها من دلوقتي؟ طب و الدراسة؟"
صادق:" عادي يا نوال... تتخطب و بعدين تبقي تتجوز... والدراسة شغالة في نفس الوقت.. مش عجبة يعني و لا اول واحدة تعمل كده"
نوال مستنكرة:" ازاي يعني يا صادق.. هو انت فاكر بنتك داخلة جامعة في مصر.. هنا الدراسة عايزة تركيز ومجهود.. "
صادق:" واسم الله بنتك مقطعة روحها تركيز؟.. مهي موراهاش حاجة غير اصحابها و المسخرة.. مدام كده كده مش مركزة تبقي تروح تتمسخر مع جوزها.. اهو ابقي مطمن عليها انها معاها راجل"
صمتت نوال.. كان محقا.. الدراسة هي اخر ما يشغل تفكير ابنتها..ثم ان فكرة ان تكون الفتاة مع زوجها طوال الوقت فكرة مطمئنة، بدلا من الجري ورائها بالحراس و التي تتفن ابنتها  في الفرار منهم كلما اصابها الملل.. سيكون الامر نهاية لكل الصراعات التي تحدث تحت سقف هذا البيت.. لعل اهتمامها برجل ما يجعلها كثر هدوءا..
قالت:" طب و هي بنتك هتوافق علي مروان ده؟"
صادق:"والله الولد ميتعيبش.. وبعدين انتي روحتي فين؟ فين دورك كأم ..اقنيعيها!"
نوال معترضة :" ياسلام! انت بترمي عليا المصيبة دي لوحدي؟! وهي ان شاء الله بنتك لما بترفض حاجة، في اي حد في الدنيا يقدر يقنعها؟! قال دورك كأم قال؟؟ "
صادق بنفاذ صبر:" هو انتي الواحد ميخلصش من مقاوحتك ابدا.. فعلا ربنا اداني جوز مجانين.. البنت و امها! "
رمقته نوال بنظرة غاضبة..
فقال مصححا:" اسمعي يا حبيبتي.. الجوازة دي لازم رُقية توافق عليها.. ايا كانت عيوبها..ففايدتها اكبر ..سواء لرقية او لشغلي"
قالت و مازالت مستاءة:" ربنا يسهل"
ثم تركته و خرجت..


                              ***
علي العشاء اثناء جلوس ثلاثتهم علي مائدة الطعام الفاخرة..
نوال برقة:" صادق الن تخبر رووكي بالمفاجأة؟"
رفعت رووكي رأسها لأبيها و قالت بملل:" اي مفاجأة؟"
صادق مازحا لنوال:" اتظنيها تستحق ان اخبرها؟!
تسربت بعض الاثارة لرووكي.. هل سيسمحان لها بأمر ما.. تري هل سيدعانها تخرج مع الاصدقاء.. ام سيسمحان لها بالسفر؟؟!!
قالت محاولة ان تبدو غير مهتمة:" ان لم ترغب ان تخبرني ..حسنا!"
صادق:" بل سأخبرك ..فقط ان ابتسمت.. لا احب ان احدث العابسين"
ابتسمت رووكي ابتسامة صفراء و قالت:" هيا اخبرني!"
صادق ببط و بالمصرية:" مبروك يا حبيبتي.."
عقدت رووكي حاجبيها في غباء..
وضحكت نوال عليها..
صادق:" هناك وسيما يرغب في الارتباط بك.."
قالت رووكي مصعوقة بالمصرية :" عريس!!"
قالت نوال ضاحكة:" طب مانت عارفة الكلمة اهه.."
صاحت روكي غاضبة:" ماذا؟ اتريدون الخلاص مني؟.. مللتم من مشاكلي و تريدون القاءها علي شخص اخر؟!!"
صادق مصدوما من رد فعلها:" حبيبتي مش كده.. الولد معجب بيكي .. و باباه كلمني عشانك.."
رووكي بمصريتها المعوقة:" طبعا مصري زيك!.. انا مش هتجوز دلوقتي.. و لو هتجوز مش هيكون مصري.. انا زهقت من مصريين!"
شهقت امها مصدومة من فكر ابنتها..
قال صادق وقد تفهم غضب ابنته من المصريين امثاله الذين يقمعونها :" حبيتي هو زيك مصري بالجنسية بس.. لكن هو طول عمره هنا.. مولود و متربي هنا.. مروان ابن احمد عبدالهادي صاحبي"
اتسعت عينا رووكي ذهولا و اطلقت سبة فجة بالانجليزية.. مما صدم ابويها ..
فقالت رووكي:" اسفة.. و لكن مروان هادي.. هو اخر شخص ممكن ان ارتبط به! بل لو كان اخر رجل في الكون لن ارتبط به! انا امقته.. انه شخص مريع"
امها مندهشة:" انتي تعرفيه ؟"
رووكي:" مين مش يعرفه! ده واحد مقرف بتاع بنات.. اقولك كام و احدة من اصحابي كانت صاحبته..اقولك كام واحدة خانها.. و كام و احدة لعب بيها..ده انسان حكير!" تعني "حقير"
صادق:" يا رووكي يا حبيبتي عادي.. ده راجل .. ميعيبوش في حاجة ..هو كان بيتصرف كده عشان مكانش لقي اللي تستحق انه يحبها و يحترمها.. لكن اول ما يستقر مع مراته اللي هتشيل اسمه..هيبقي حاجة تانية.. وبعدين دول بنات انجليز مش زينا.. هو لما يستقر هيستقر مع المصرية المأصلة "
رووكي  وهي منزعجة جدا من رأي والدها في الامر:" عادي!! ازاي عادي؟!! كيف تكون الخيانة امر عادي.. حين اوهم تلك الفتيات انه هائما في حبهن بينما هو كما تقول لا يحترمهن واو يحبهن..كيف يكون هذا عادي؟؟ و مالذي يجعل اخلاقا مثل تلك تتغير لمجرد ان واحدة حملت اسمه؟؟ و ما الذي يجعلك دادي تظن اني ارغب في ان احمل اسما حقيرا مثل هذا؟!! انا لا افهمك دادي؟!!"
ساد الصمت لثانية والاب يفكر في رد ثم  رُقية تذكرت امرا و عادت لتقول:" او ليست امه انجليزية؟! معني كلامك انه لا يعتبرها تستحق الاحترام .. ان كان لا يحترم امه هل سيحترم زوجته؟؟ مازلت لا افهمك دادي!!"
صمت الاب عاجزا عن الرد.. يبدوا ان زوجته محقة.. لو كانت تربت ابنته في مصر بلدها.. لرأت ان هذا الامر طبيعا.. لا يعيب الرجل ان يكون مثل مروان..(مقطع السمكة و ديلها) هي صفة محببة في مصر..والصديقات ما قبل الزواج - او حتي بعده شيء- والزوجة شيء اخر.. بينما هنا حيث المساواة  واحترام كرامة وحقوق المرأة .. والكلام الفارغ من ذاك النوع.. جعل مفاهيمها مختلة!
قال معلنا نهاية المناقشة:" لا اريد اعتراضا.. ابيك يعرف الافضل لك.. بعد بعض لقائات تعارف مع مروان و عائلته ستتم خطبكما.. انتهي النقاش.. بامكانك الذهاب الي حجرتك و البكاء ان رغبت.. لا اريد وجوها عابسة علي مائدة عشائي!"
قالت رووكي و هي تنهض في عصبية:" يمكنك ان تبحث عن ابنة اخري تخطبها لذلك الحقير.. اما انا فلن يحدث معي هذا"
وجرت صاعدة الدرج قبل ان يرد ابيها..
تبادلا الاب و الام النظرات .. ثم قال صادق بامتعاض:" طالعالك .. عنيدة"
القت نوال  منديل المائدة من يدها في الطبق بغضب ورمقته نظرة غاضبة و تركت له المائدة و انصرفت..
                                                      ***
في امسية اخري و ايضا علي العشاء اجتمعت اسرة عبد الهادي و اسرة صادق.. لنقل ان الكل كان سعيدا باستثناء رُقية..
كانت قد اتخذت قرارها بان تجعل ذلك الحقير مروان يفر منها .. وان استطاعت ستجعله يفر من البلد باكملها..
جلست في استعلاء بجوار امها.. لم تبتسم ولا مرة.. لكزتها امها عدة مرات لكي تغير ذلك الوجه المتعال.. الا انها تظاهرت بعدم الانتباه..
جلست ام مروان الانجليزية و هي سيدة انيقة تتحدث بعض العربية ، تتفحص رقية بهدوء ..ثم قالت فجأة في حماس بالانجليزية:" اتحبين الخيول يا رووكي؟"
رووكي بوجه اشبه بلوح خشب :" لا.."
لكزتها امها و التفتت لمروان  قائلة بابتسامة محرجة في محاولة لتخفيف سخافة ابنتها:" هي عمرها ما ركبت حصان قبل كده.. انا و صادق بنخاف عليها.."
مروان موجها حديثه لرووكي:" معقولة..  فاتك كتير.."
ام مروان:" خذها يا عزيزي لمشادة بينكي.."
نوال:" بينكي؟؟!"
مروان:" الفرسة بتاعتي .. تعالي يا رووكي.."
نظرت له رووكي و لم تتحرك..
دفعتها امها و قالت:" قومي معاه يا رووكي..قومي"
لم تتمكن رووكي من الاستمرار في السخافة لمدي ابعد من ذلك.. فقامت متأففة..
التفت مروان من وراء ظهرها الي الجمع الجالس و غمز لهم و رفع ابهامه بمعني "الامر مضمون "
فابتسموا جميعا في رضا..
وقفت رووكي في اسطبل يقع في حديقة قصر عبد الهادي.. نظرت للفرسة.. هي حقا لم تري واحدة من هذا القرب.. برغم كل استياءها للموقف كانت منبهرة بها..
مروان بهدوء:" طبطبي عليها.."
هزت رأسها نفيا وتراجعت للخلف..
فربت هو عليها و قال بالانجليزية:" الم تعجبك؟ كل الفتيات الاتي قابلنها يموتون فيها عشقا"
قالت بالمصرية ممتعضة:" مش هي.."
عقد حاجبيه مصدوما.. اتعنيه هو؟.. لقد ظن انه ابهرها كما يبهر كل فتاة يلقاها..  كيف تجروء ان تلمح الي انه لا يعجبها؟!
ثم قال مستنكرا:" امال مين؟"
رووكي وهي تهز رأسها :" لا شيء .. " ثم انصرفت بعيدا..
لحق بها و قال بلمحة غضب و مصرية سليمة :" انا مش عاجبك؟"
نظرت اليه و ابتسمت ساخرة.. و لم ترد
عاد ليقول بهدوء:" اتيت لتهينيني في بيتي؟!"
قالت ساخرة وهي تسير مبتعدة  :" انا متكلمتش اصلا.. انت اللي بتتكلم و ترد علي نفسك"
امسك بذراعها يستوقفها وقال وقد بدي غضبه اكثر وضوحا:" انتي عارفة كام و احدة تتمني تكون في مكانك؟ خطيبة مروان هادي؟؟!"
نظرت الي يده الممسكة بها و قالت باشمئزاز مشيرة اليها وبمصريتها المضحكة:" شيل دي بسرعة!"
رفع يده عنها و قال:" ياه ..هل اثير اشمئزازك ايضا؟ لهذه الدرجة؟!.."
رووكي:"انا بالفعل لا اعرف كم فناة تتمني ان تكون خطيبتك.. و لا ادري لم قد تتمني فتاة طبيعية هذا.. ولكني اعرف  يقينا كم فتاة تتمني لك كل السوء وترغب في صفعك.. "
كان ينظر اليها نظرة اندهاش ممزوجة بالغضب.. كيف تجروء!
فاكملت ببرود:" و اجابة لسؤالك .. اجل.. تُثير اشمئزازي.. ونعم.. لهذه الدرجة.."
افاق مروان من صدمته و قال غاضبة ضاغطا علي حرف:" خير لك ان تبدائي في التفكير من الان في كيفية ارضائي حتي اصفح عنك.. لانك حين تصبحين ملكي سأجعلك تندمين علي كلمة قلتها للتو!"
رووكي:" ملكك؟! اتظن اني فرسة مثل فرستك بينكي؟.. انت مخطيء يا فتي.. قد يكون اسهل لك ان تتزوج بها عن ان تتزوج بي! لا اريد الزواج بك.. فانسي الامر"
وتركته و سارت عائدة حيث الاسرتان
تبعها و هو يقول دون ان تسمعه :" سنري هذا.."
عادا معا الي حيث يجلس ابويهما.. بدي علي مروان انه حانقا و لكنه نجح ان يخفي ذلك قليلا.. اما هي فكانت مبتسمة ابتسامة شماتة.. لقد اعطت مقلبا لوالدها في هدوء.. الان هم من سيرفضونها..
بعد ان جلسا قالت نوال في خبث:" عجبتك يا رووكي؟.."
قالت رووكي بابتسامة غامضة:" بينكي؟ عجبتني"
فجاة قال مروان:" عمي صادق.. امتي الخطوبة؟"
التفتت له رووكي مصعوقة..ماذا؟
بينما ابتسم الجميع في رضا.. بركاتك يا بينكي الفرسة..
حدقت رُقية في مروان فاغرة فاه..
  
                                     ***
وقفت رووكي في وسط البهو الكبير في منزل ابيها تصرخ  غاضبة :" لن اتزوج هذا الكائن! لن يحدث ابدا! عليكم قتلي اولا"
 صاح بها صادق بنبرةحازمة بالمصرية:" وطي صوتك يا بنت و انت بتتكلمي! "
رووكي و مازالت منفعلة الي اقصي حد:" اوطي صوتي اوكيه..سأطيع اي امر لك دادي... لكن اتجوز مروان.. لن يحدث!"
نظرت نوال الي ابنتها التي بدت علي وشك الاصابة بانفجار في المخ ..محتقنة و قد نفرت كل عروق رقبتها ، وهي تصرخ في وجهيهما ، فقالت في محاولة يائسة :" يا رُقية الكلام ميبقاش كده.. يا حبيبتي اهدي عشان نعرف نتكلم.. ماله الولد؟  انا شايفاه لطيف جدا.. انت بس اللي محتاجة تاخدي عليه شوية"
قال صادق بحزم شديد:" اسمعي يا بنت انتي! طول مانت قليلة الادب كده مش من حقك تتكلمي..مش عايز اشوف وشك لحد ما تعرفي تكلمي ابوكي ازاي!"
صمتت رووكي تلتقط انفاسها و تنظر لأبيها بحدة شديدة..
فعاد ليقول بنفس النبرة وبالانجليزية ليتأكد ان كل حرف وصلها بدقة:" زواجك من مروان امرا مفروغ منه! امثالك من الطائشين الغير عاقلين لا ينبغي الاخذ بأي رأي لهم.. كفي عن التدلل و تحملي المسؤولية و لو لمرة في عمرك! لقد توقف عقلك عن العمل و لا يشغله سوي الخروج و المرح و السهرات.. ان الاوان لتصبحي فتاة عاقلة! وخير علاج لك هو الزواج! وانا لن اجد اصلح من مروان زوجا لك.. انتهي حديثي!"
رووكي بهدوء وقد ترقرقت الدموع في عينيها وتحشرج صوتها:" تقصد لن تجد اصلح منه للبزنيس! اتظن حقا ان عقلي توقف عن العمل و اني لا ادرك انه زواج مصالح؟!"
صادق مصعوقا:" هل تتهمين ابيك يا فتاة انه يفضل مصلحة العمل علي  مصلحتك؟! قليلة الادب فعلا! انصرفي الي حجرتك.. لا اريد ان اراك حتي تندمين علي قولك.. فكري جيدا يا رُقية في اقوالك اليوم.. لقد تخطيت كل الحدود!"
انصرفت رقية كالعادة في عصبية ودموعها تغرق وجهها..
نظر صادق الي نوال و قال :" شوفتي قليلة الادب بتقول ايه؟"
نوال:" و الله يا صادق منا عارفة اخرة البنت دي ايه؟ انا خايفة تعمل في نفسها حاجة.."
صادق:" متخفيش هي اتفه من انها تفكر تعمل في نفسها حاجة.. انا عندي امل كبير شخصيتها و تفكيرها يتعدلوا لما تتجوز و تبقي عندها بيت كده ومسؤولة.. انا مش فاهم رفضها لمروان بالصورة دي ليه؟ تكونش بتحب حد.. دي تبقي كارثة!"
نوال وهي تريح جسدها علي كرسي قريب:" هو انت سايبلها فرصة تشوف حد و لا تحب حد؟... هي دي مشكلتها.. البنت عندها فراغ عاطفي.. وحاطة زي اي بنت امال علي فارس الاحلام الي هيجي يخطفها و يخلصها من هنا.."
صادق مندهشا:" الله؟! طب منا بقدملها الفارس اهو بنفسي.. وسيم و غني  ومصري زينا و متربي هنا زيها.. دعمرنا ما هنلاقي كل ده في حد تاني... ده حتي عنده حصان.. يعني فارس "
نوال:" ماهو عشان انت اللي مقدمه زي ما بتقول.. جاي من ناحيتك.. ابن صاحبك..هي عايزة الفارس بتاعها هي، اختيارها هي يا صادق.. و يخطفها بعيد عن البيت اللي هي حاسة انها محبوسة فيه.. ده غير ان و اضح انها و اخده فكرة زفت من الاول عن الولد شخصيا.."
صادق:" لأ كده يبقي دلع بنات تافهة و مريء.. ايه اللي فارس و يخطفها؟!!.. يفرق ايه مين اللي جايبه؟ المهم يكون ولد كويس.. ثم الفكرة اللي هي واخداها عنه دي مسيرها تتغير لما تعرفه كويس.. و ليها عليا هدي الواد و ابوه كلمتين عشان الواد يتلم و يبطل صياعة"
نوال و هي تتنهد وتهز رأسها في احباط:" ايدي علي كتفك.. بس بنتك راسها حجر.. ربنا يهديها"


                          ***
صباحا في مكتب صادق الضخم لانيق داخل احدي شركاته في المبني المطل علي وسط المدينة، جلس صادق يدخن سيجارا فوق احدي الارئك الجلدية الفخمة التي تليق بالمكتب.. طرق الباب و دخلت مساعدته الجميلة تعلن عن وصول السيد احمد هادي و نجله حسب الموعد..
امرها ان تدخلهما و قام بنفسه ليستقبلهما علي باب المكتب..
"اهلا و سهلا بابني مسقبلا وابوه العزيز.." هكذا قال في حماس..
بعد التحيات و الترحيب جلسوا جميعا علي طقم الاثاث المكتبي الجلدي الانيق..
مروان:" رووكي اخبارها ايه يا عمي.. لسة مزرجنة؟"
ضحك صادق و قال:" دلع بنات يا مروان.. الصراحة الله يكون في عونك.. رووكي دلوعة دادي..هتعاني معاها"
مروان:" متقلقش يا انكل.. انا خبير"
صادق:" مهو ده اللي طلبت اشوفكم عشانه.."
عبد الهادي مندهشا:" ده مش اجتماع شغل؟!"
صادق:" كله داخل في بعضه يا عبد الهادي.. بس عشان كله ينجح لازم نبتدي بداية صح.."
مروان:" واحنا تحت امرك يا عمي.."
صادق:" عايزك يا مروان تخف خالص من حياة العزوبية اللي انت عايشها دي .. انت خلاص داخل علي جواز.. و رُقية بتحب الراجل الملتزم"
ابتسم مروان في ما بدي انه احراج بينما كان الغرور يتقاطر منه:" هي طبعا اكيد اخباري بتوصلها.. انا اصلي زي ما تقول يا عمي.. بلغة جيلكم  مقطع السمكة و ديلها"
قال صادق بوجه و نبرة حازمين:" انا بقي عايزك تنسي السمكة و ديلها! لاني مش هسمح ان رُقية تتجوز حد كده.. و مش هسمح ان مشاعرها تتئذي بأي شكل.. اوعدني من دلوقتي ان الحكاية دي خلاص انتهت!"
صدم مروان من الجفاف في حديث صادق و لكنه ابتلع ريقه و هم بأن يرد .. الا ان رنين هاتف المكتب قد اوقف الكلام في حلقه..
نهض صادق ليجيبه و هو يتمتم في قلق:" تليفون المكتب؟! محدش بيتصل عليه غير نوال.. سترك يا رب"
انتهز عبد الهادي عدم انتباه صادق و همس لابنه مؤنبا:" جرالك ايه؟ ده كلام تقوله لحماك؟! مش عارف تسيطر شوية علي انبهارك بنفسك!  من هنا و رايح تعمل زي مقالك! تتلم و تحترم روحك..  الجوازة دي فرصة العمر و انفتحت قدامنا .. اوعي تضيعها! فاهمني؟ اوعي!"
اومأ مروان برأسه موافقا..
قطع حديثهم صوت صادق مدويا في المكتب:
"مش في البيت يعني راحت فين؟!!"
كان واضحا انه يحدث زوجته و التي زفت اليه نبأ سيء جدا..
اسطرد منفعلا:" و الحرس؟ فين همة؟ ...... بيهببوا ايه قدامك؟!!! ليه محدش منهم وراها؟!!..... يعني ايه مشافوهاش يا نوال؟!!! كلهم؟! كلهم مفيش حمار منهم شافها؟!! ازاي؟!!..... اتكلمي من غير عياط عشان افهم!........... يا ستي مش هتعمل في نفسها حاجة... تلاقيها غاضبانة عشان امبارح.... هنلاقيها يا نوال.. دي مش اول مرة! اهدي و اديني جايك اكلمه........ .."
استطرد بالانجليزية: " كيف حدث هذا يا جايك؟! كيف لم يراها اي منكم؟! .. كف عن الاعتذار و اسمع لي جيدا!.. اريدك ان تبحث عند كل صديقة او صديق لها... كل الاماكن الي تذهب اليها.. هل اخذت سيارة؟؟..... حسنا فلتبحثوا في محطات الحافلات جميعا و المترو... اريد تقريرا كل ساعة! واضح؟َ!"
اغلق الخط و نفث في انفعال..
بينما سأل مروان بقلق بالغ :" هربت؟"
اومأ صادق برأسه مجيبا في اسف، ثم قال باستسلام:" تفعل ذلك عادة للهروب من متابعة الحرس.. و تذهب لاصدقاءها في حفل او سهرة ما"
عبد الهادي في محاولة للتخفيف عن صادق:" اذن سيجدونها ككل مرة .. لعلها شعرت بالضجر .. الاحاطة بالحرس طوال الوقت امرا ممل يا صادق.. لا تقلق  بأذن الله كل شيء سيكون علي ما يرام.."
مروان مستنكرا:" بس احنا الصبح ... حفلة ايه و سهرة ايه؟ هتروح فين دلوقتي؟"
قطع حديثهم رنين الهتف مرة اخري..
صادق:" ايوة يا نوال.. لقيتوها؟"
نوال بانهيار:" بنتك هربت بجد يا صادق.. مش زي كل مرة.."
صادق منفعلا:" يعني ايه يا نوال؟ .. انطقي ؟؟؟"
نوال :" الخدامة لقت جواب في اوضتها.. "
صادق مصعوقا وقد مرفي مخيلته المشهد الكلاسيكي للرسالة المتروكة علي المنضدة او السريرفي عشرات الافلام :" جواب ؟؟؟ هربت مع واحد؟!!!!!!!"
نوال:" لأ.. هقرالك..
" ابي و امي.. 
بعد ان امضيت الليلة افكر في كيفية التخلص من حياتي..
تلك الحياة التي تجبراني ان اعيشها والتي حقا افقدتني كل امل و كل طعم حلو للدنيا..
وايضا ذلك الزواج المزعوم و الذي هو استكمالا لتلك الحياة..
وبعد لحظات مريرة من اليأس و عدم الرغبة في الحياة ، والرغبة الملحة في انهائها..
وقبل ان اتخذ اي خطوة في هذا الطريق..
وجدت اني  مازلت اريد العيش، واني اتشبث بالحياة واحبها...
لذا قررت ان افعل ذلك! 
سوف اعيش! و لكن وفقا لرغبتي انا..
انا كمواطنة انجليزية حرة.. لا احد يملي علي تصرفاتي..
سوف اعيش مستقلة!
لقد رحلت لاستمتع بالدنيا و العالم  و الحياة..
وداعا..
ملحوظة: لقد اخذت مبلغا كبيرا من المال.. اعتبراه تعويضا عما عانيته علي يد ابي..
ملحوظة اخري: انقلا الي مروان العزيز سلامي و اسفي..
امزح طبعا!.. بل انقلا له ضحكتي الشريرة الساخرة..
ابنتكما رقية..
انتهت الرسالة ، بامكانك ان تنفجر غضبا الان دادي.. و لكنك لن تجد من تصيح بوجهه او ترسله الي غرفته!"

احتقن وجه صادق و هو يستمع الي قراءة زوجته لتلك الرسالة الوقحة من ابنته الهاربه.. حقا وقحة.. سيمزقها ضربا حين يجدها.. سحقا لكل قوانين الاسرة الانجليزية..  تلك القوانين التي تجرم ضرب الابناء هي ما جعلتهم قليلي الرباية!
ولكن هل سيجدها؟؟ حديثها غامض.. هل هربت خارج البلد؟ اين ذهبت المجنونة المتهورة؟؟ تلاشي غضبه و تسرب مكانه القلق الشديد.. طفلته و حيدته وحدها الان بدون حماية و لا يعلم مكانها.. شعر بهبوط وهوي علي اقرب مقعد اليه..
اين انت يا طفلتي؟؟

12/13/2011

حُرية رُقية (1)


دوت الموسيقي الصاخبة عبر السماعات الضخمة في ذلك الملهي الراقي بأحد احياء لندن.. بينما و قفت هي وسط مجموعة من الاصدقاء ترقص بتفان و جهد..وكانها تؤدي مهمة محددة و هي الاستمتاع.. رمقت ذالك الرجل - الذي يقف عن بعد يتابعها- بنظرة غاضبة ثم اشاحت بوجهها عنه في امتعاض و استمرت في الاستمتاع و الرقص..
وفجأة بدون مقدمات ضج المكان بالصياح ..كان هناك من يتشاجرون و قد تحول الامر لتطاول عنيف بالايدي.. افلت احدهم من وسط الشجار وفوجئت هي به يهرب من خضم العراك وكانت وجهته نحوهم - هي و اصدقاءها-  بينما هرول خلفه من كان يتشاجر معه.. لاعنا اياه و مهددا و هويخرج مسدسا من سترته وقد صوبه نحوه.. صرخ الجميع وانبطحوا ارضا.. فاطلق الرصاصة باتجاهه.. لم يكن خط سير الطلقة بعيدا عنها.. خصوصا بعد ان انبطح الهدف الاساسي تاركا اياها مكشوفة امام الرصاصة..
في لمح البصر و جدت من يدفعها جانبا بقوة و يسقط معها ارضا ، مصطدما بطاولة المشروبات اثناء السقوط.. مما جعل كل الكؤوس تسقط فوقهما .. صرخت في ذعر وهي تري الدماء تظهر علي وجهها و ذراعيها..من هول الموقف لم تدر ان كانت اصيبت بالرصاصة .. ام أن ذلك الشخص المستلقي ارضا بجانبها هو من اصيب.. لم تدري ان كانت تلك دماءها ام دماءه.. لم تدم حيرتها سوي لثواني بعد ان ادركت ان هو من اصيب و ان الدماء تتدفق من مكان ما برأسه بغزارة.. لقد انقذها ليصاب هو!
صرخت بعلو صوتها بأنجليزية سليمة:" النجدة!.. هناك مصاب!.. النجدة!"
                                         ***
"رُقية... لقد طفح منك الكيل!إنها ليست مرتك الاولي!!! أن لم تعنيك سلامتك في شيء..فحافظي علي انا و امك المسكينة التي تكاد تصاب بالسكتة كلما افتعلت مشكلة من مشكلاتك!"
كان هذا و الدها السيد صادق.. يعنفها بالانجليزية في حضور امها نوال بغضب شديد في قصرهم الكبير بلندن.. بينما جلست بجوارها ممرضة شابة تعالج جرحا بسيطا في جبهتها..
رُقية في حدة ردا علي ابيها بالانجليزية:" دادي! انا لم افعل شيئا هذه المرة... كنت استمتع بوقتي.. و حدث ذلك الامر في الملهي! ما ذنبي؟!! بامكانك ان تسأل حرسك وجواسيسك المتطفلين علي حياتي.. سيخبرونك اني لم افعل شيئا!"
صاح الاب:" لمَ ذهبتي الي هناك دون علمي من الاساس؟!"
نوال باللهجة المصرية واسلوب عتاب حان:" رووكي.. دادي مش بيكلم علي اللي حصل في (الكلَّب).. هو بيكلم انك اصلا روحتي من غير اذنه.. هو لما قالك لأ من الاول.. كان بيحميكي من موقف زي ده.. اديكي جربتي بنفسك.. اتمني تكوني فهمتي انه كان عنده حق!"
رُقية بعصبية اكثر مع امها وباللهجة المصرية الركيكة التي يتميز بها من امضي عمره خارج مصر:" انا مبقتش طفلة عشان تحموني من كل حاجة في الدنيا! الي حصل الليلة كان صدفة! طبعا انا اسفة اني خرجت من غير اذن.. بس دادي اللي بيضطرني لكده.. ثم انا متأكده انه كان هيوصله اني خرجت بمجرد ما رجلي تتحط برة اوضتي! يبقي مش من وراه و لا حاجة.."
ثم القت نظرة غضب وتحدي الي ابيها و قالت:" أليس صحيحا؟!"
قال الاب بعد ان اخذ نفسا عميقا للسيطرة علي انفعاله:" رووكي ..افهم انك مللت الحرس و الحراسة..بس للمرة الالف اشرحلك..  دادي راجل مهم  و اعدائي كتير.. ومش هسامح نفسي لو حد اذاكي بسببي .. و مين قالك ان اللي حصل الليلة صدفة؟ من امتي حد بيعرف يدخل بمسدس في (الكلب) ومن امتي اصلا لما الشباب بيتخانقوا بيضربوا نار علي بعض؟؟ و يعني من كل الوجودين الرصاصة متجيش غير ناحيك انتي؟! لولا الولد اللي انقذك.. كان..." وصمت دون يقدر علي اكمال الجملة
رُقية:" مش جواسيسك بلغوك ان البوليس قبض علي الشابين و طلع اللي معاه المسدس مهووس وكان جاي اصلا يموت التاني عشان اخد منه حبيبته؟! يعني انا مليش علاقة ولا انت يا دادي!! هو صحيح راح فين اللي انقذني؟ الاسعاف اخدته.. بس انا فهمت انه جرح سطحي و الطلقة ماجتش فيه"
الاب:" اتصلنا بالمستشفي.. واطمنا عليه.. زجاج الكاسات فتحله راسه.. واحتاج غرز..لكن بسيطة"
رُقية:" اريد ان اشكره! سأذهب الي المسشفي.."
الاب:" انت لن تذهبي الي اي مكان يا فتاة.. انت معاقبة! هيا الي غرفتك.. ولا اريد ان اسمع اعتراضا"
عقدت رقية حاجبيها و قالت:" الفتي ضحي بنفسه من اجلي وتخاف علي ان اذهب لاشكره؟؟!! كم تظن عمري دادي؟! من هم في سني استقلوا بحياتهم عن ذويهم منذ عام مضي!"
الاب:" ليس من عاداتنا.. لقد تحدثنا بهذا الامر الف مرة!"
خرجت من البهو الواسع في سرعة و غضب متجهة للدرج و هي تقول:" اتعرفون؟! لقد مللت هذا البيت ، و مللت عادته..و مللت حياتي!"
لم يعلق اي من الاب و او الام.. بل تابعاها تصعد في عصبية الي ان اختفت في الممر بالاعلي..
تنهدت نوال في يأس و قالت:" مش عارفة احنا اللي غلطانين و لا هي؟  يا صادق البنت مش عارفة تعيش زي اللي في سنها.."
صادق:" يا نوال اللي في سنها مفيش حد فيهم ابن صادق منصور.. اكبر رجل اعمال عربي في اوربا.. دي تحمد ربنا علي النعمة الي هي فيها"
نوال:" بالنسبة ليها مش نعمة.. طول الوقت حراسة وخنقة.. دي عشان تخرج  بتحتاج يومين تطلب فيهم اذنك وتترجاك.."
صادق:" يا نوال انا بتحارب من كل ناحية... واللي نفسهم يؤذوني كتير.. ثم يعني و هي كانت بتهتم باذني؟!.. ماهي طول الوقت بتزوغ و تهرب.. دا لولا الحراسة اللي عندهم اوامر يفضلوا وراها من قبل حتي ما يبلغوني انها خرجت.. كان زمانها هربت من البلد.. بنتك مدلعة بزيادة و مش مقدرة المسؤولية .. وايه كل يوم و التاني عايزة تسهر و تروح حفلات؟؟.. هي نسيت اصلها؟ ولا نسيت احنا مين؟"
نوال:" سنها يا صادق.. دي مكملتش عشرين سنة لسة.. وهي دي دنيتها و اللي حواليها.. كنت ربيها في مصر بقي مدام الحكاية فيها اصلنا و عادتنا.. دي البنت بتتكلم كلمتين مصري بالعافية.. جاي دلوقتي زعلان انها نسيت اصلها؟؟!!"
صادق:" شفتي؟! اهه كلامك ده السبب.. انتي اللي مقوياها و بتدليعها.."
نوال ببعض الغضب:" في الاخر انا الغلطانة؟... انت الكلام معاك بقي صعب جدا.. بنتك عندها حق.. حاجة تزهق!"
وتركته و صعدت غاضبة هي الاخري..
ضرب صادق كفا بكف.. و قال محدثا نفسه بصوت عالي:" ايه بيت المجانين ده.."

جلس علي  الكرسي الوثير وطلب عامر مستشاره المصري و مساعده منذ قديم الازل..
وفي ظرف دقائق كان عامر حاضرا امامه..
صادق:" طبعا وصلك اللي حصل؟"
عامر:"بس يا فندم واضح انه صدفة فعلا..معلوماتنا ان الولدين كان بينهم خلافات.. واللي ضرب النار له سوابق في اعمال عنف واستخدام سلاح..اطمن يا فندم انسة رووكي ماكنتش مستهدفة.."
صادق:" منا عرفت يا عامر.. بس مش مصدق.. المهم سيبك من القصة دي دلوقتي هنتحري عنها بعدين.. انا بكلمك بصفتك عشرة عمر..انت عارف انا لا اثق الا في المصريين اللي زيي، وانت صديق قبل ما تكون موظف.."
تنهد في حسرة قبل ان يكمل:" البنت بتخرج عن طوعي.. و ياريتها بتخرج بعقل.. انا يظهر ضغطي عليها خلاها تبقي مندفعة و متهورة جدا.. حتي مش قادر اصالحها و اديها حرية اكتر دلوقتي.. مش واثق فيها.. بقت مجنونة و ممكن تؤذي روحها من غير ما تدرك"
عامر:" والله يا فندم انا كنت جايلك اعرض عليك موضوع كده.. يخص الانسة رووكي.. وخصوصا عشان عارف انك مش بتثق غير في المصريين"
نظر له صادق باهتمام في اتتظار ان يتحدث..
عامر:" احمد عبد الهادي.."
صادق مستنكرا:" صاحب مجموعة الهادي؟! ماله؟ و ايه علاقته برووكي؟!"
عامر:" ابنه مروان.. هو كمان في دخل في البيزنس .. ومستقبله باين من اوله.. شاب ممتاز.. واظن ان مجموعة الهادي من اهم المنافسين العرب اللي نجمهم علي من فترة قريبة.. و محتاجين نقرب منهم عشان نضمن ولائهم.. و نفيد بعض.. و خصوصا بعد التعاون بينا و بينهم في الصفقة الاخيرة"
صادق مفكرا:" قصدك ايه؟ نقرب عن طريق النسب؟"
عامر:" يا فندم الاستاذ مروان.. شاب ميتخيرش عن الانسة رووكي.. متربي في اوربا زيها ،امه انجليزية ، وسيم و شيك..صدقني هيكونوا فاهمين بعض.. ده غير انه اثبت انه شاطر جدا في الشغل .. انا متأكد ان هيعجب الانسة رووكي.. لكن مش ده الهدف الاساسي.. لما الانسة روكي تنشغل بالجواز وتلاقي اللي يملي حياتها..هتهدي وتعقل.. و بعدين لو علي الخروج و السهر اهي هتبقي في حماية جوزها.. يفسحها بأة يسهرها..هما حرين.. و بكده نبقي ضربنا عصفورين بحجر.. البيزنس و انسة رووكي"
سرح صادق قليلا ثم قال:" انا محتاج اتكلم مع عبد الهادي الاول في الموضوع ده... اتصل بيه و حددلي معاد يا عامر"



حُرية رُقية (مقدمة)

دي دعوة لمتابعة قصة جديدة علي حلقات اسمها "حُرية رُقية"
للامانة  فكرة القصة مستوحاة من فكرة فيلم Chasing liberty
مع وعد انها تكون مختلفة جداً :)
مش محتاجة انوه ان ممنوع النقل تماما! 
انتظروا اول الحلقات :)

12/10/2011

اماكن تواجد الكتاب

كتابي "في أرض الحلم "

موجود الان في مكتبات:

جميع فروع مكتبات أ - بالقاهرة و الاسكندرية 
جميع فروع مكتبة ديوان
فيرجين ميجاستور - ستي ستارز و ارابيا مول 6 اكتوبر
فكرة - ستي ستارز و سان ستيفانو في اسكندرية
الكتب خان - المعادي
بلانت بوك ستور - فرع المعادي و فرع العبور
فروع مكتبة الشروق

   و مكتبات وسط البلد :
عمر بوك ستور-  شارع طلعت حرب
افاق -
شارع القصر العيني
ليلى
- شارع جواد حسنى

لطلب توصيل الكتاب لحد البيت عن طريق:
مكتبة ديوان
الكتاب علي موقع ديوان

مكتبة أ
الكتاب علي موقع مكتبة أ

10/22/2011

مشاهد من حياتي ::: يوم ان اتى تامر!



ارتبطت بتامر زوجي في قصة حب هادئة نوعا ما لمدة عام قبل ان تتم خطبتنا. عندما صارحني بحبه للمرة الاولي اخبرني ان امامه عاما من وقتها لكي يستطيع ان يتقدم لأهلي ويطلب يدي، كنت ابادله شعوره الذي صرح به لي و اثق في كلمته كرجل، لذلك انتظرته طوال ذلك العام.. واخيرا بعد ان مر علينا العام معا ، بالفعل كان عند وعده وجاء يوما يخبرني انه فاتح ابيه و كل اسرته في موضوع الخطوبة وطلب مني ان افاتح اهلي في نفس الموضوع ولنر كيف تسير الامور.
بعد محاورات في كلا البيتين اتفق جميع الاطراف علي بروتوكلات التقدم و قراءة الفاتحة، والتي بداءت بتحديد موعد لقدوم تامر ووالده لطلب يدي والتحدث في الترتيبات والامور المادية .. اخيرا سأصبح عروس وسيتقدم لخطبتي من احبه قلبي .. كانت امي تطير فرحا فهي قد ظنت اني وهبت نفسي لوظيفتي وانها لن تراني ابدا بالفستان الابيض..
استعدادا لزيارتهم الغالية وقبل الموعد بقليل قامت امي بتحضير صينية تقديم المشروبات.. وهي صينية فضية اللون، بريقها مذهل، لها اربعة ارجل ضغيرة معقوفة و لها ماركة اتضح انها معروفة تسمي عند سيدات الصالونات (كوين آن) ، وضعت علي الصينية خمسة كئوس كريستال من نوع (بوهميا) والذي علمت بعدها انه يدل علي الفخامة والرقي.. ماعلينا من كل تلك المظاهر والتي هي جزء من البروتوكول، ملأت الكؤس بعصير كوكتيل ماعدا كأس تامر، حيث اني اخبرتها انه لا يشرب سوي المياة الغازية (بيبسي دايت) ، ليس من اجل رشاقته طبعا، هو مجرد اعتاد علي طعمها.. وصار لا يذوق سواها.. فما كا منها الا ان ابتاعت صباحا علبة او (كان) واحدة من النوع الذي يفضله وابقتها في الثلاجة.. افرغت ثلاث ارباع محتواها في الكأس الباقية حتي امتلاءت..
جاءوا في موعدهم بالضبط، دخل ابيه رجل وسيم وقور وانيق، كانت جلسة التعارف موفقة تخلو من الرسميات السخيفة، بل اقرب الي جلسة تعارف ودية لطيفة بينه و بين ابي وامي، قامت امي الي المطبخ ونادت علي، قمت كأي عروس رشيقة الي المطبخ.. امرتني ان احمل الصينية ، طبعا الموقف المتوقع هو ان احمل الصنية و اقوم بقلبها زرع بصل في حجر العريس..لا سأخلف ظنكم بي.. لم اصل حتي الي ربع تلك المرحلة.. تحمست حماس العرائس وقمت برفعها عن رخامة المطبخ ، وبعد اقل من ثانية ادركت انها اثقل مما تستطيع ان تحمل زراعاي، (جيل خرع! زمان العروسة كانت تخش بصنية مدورة كبيرة عليها عليها ستاشر كباية شربات).. فحاولت اعادة الصنية مكانها مرة اخري علي الرخامة ولكني نسيت انها بأرجل، فلم اقدر المسافة المناسبة فاصطدمت احدي الارجل بالرخامة فمالت كل الصنية علي جانبها وانا مازلت ممسكة بيديها في غباء، وكاني الاعبها رياضة الجودو واديتها مقص (اتشي باراي، وهي حركة شنكلة معروفة لمن لم يلعب الجودو) لتنزلق كل الكئوس بعصيرها علي الرخامة مصدرضجة شديدة، دارت بيني و بين امي مشاجرة حادة بدون صوت وكأننا نمثل مشهد (بانتوماميم) فقط نحرك شفاهنا و يدينا، مفادها انها تراني لا اصلح لعمل شيء وانا اري ان من الغباء ان تكون للصنية ارجل..ما فائدتهم؟ وان كانت لها ارجل فلتذهب لهم مشيا!! انتهت المشاجرة.. وسبحان الله ويشاء القدر بعد تلك الحادثة الا تنكسر اي كأس.. (طلع الكريستال البوهيمي اصيل).. فقط انسكب كل محتويات الكؤوس، اذن لا مشكلة.. مسحت امي العصير عن الصنية فازدادت بريقا، وعدلت انا الكؤوس واقفة، ثم قامت امي باعادة صب عصير الكوكتيل من علبته في اربعة كؤوس من الخمسة.. بقي كأس تامر.. وهنا المشكلة.. الكمية الباقية في (كان البيبسي الدايت) لم تكفي سوي لملء نصف الكأس، نصحت  امي ان تفرغه وتعيد ملئه بالعصير وتنتهي القصة.. ومش لازم يشرب لو معجبوش.. قالت امي" لا يمكن ابدا نقدمله حاجة مبيشربهاش!".. "انزلي هاتي من الكشك اللي تحت واحدة تانية" هكذا اقترحت همسا.. نظرت لها ثم الي ملابسي وحذائي، كيف انزل الي الشارع هكذا سيتلف الحذاء في برك الماء المعتادة امام الكشك .. اقتنعت امي من نظراتي المشفقة علي الحذاء دون ان احتاج الي جدال صامت اخر لاقنعها بسوء فكرتها..
فما كان منها الا ان استدارت للصنية بنفاذ صبر و اكملت نصف الكأس بالعصير..
لقد صار لون السائل بداخل الكأس يشبه التمر هندي.. وما ادراك بطعمه.. عصير كوتيل علي بيبسي دايت..الله.. دخلنا في حوار صفصطائي صامت ايضا حول محتوي تلك كأس ورد فعل تامر ان شربها.. الا انها انهته فجأة بحملها للصنية وعليها كأس العذاب تلك وخروجها من المطبخ..
قدمت العصير لحماي و لابي ، وبمنتهي الثقة اشارت لتامر في ابتسامة واسعة "دي البيبسي بتاعتك يا تامر"
شرع ابي ووالد تامر في الحديث في موضعات واتفاقيات هامة ، وتامر يسمعهم في اهتمام الي ان جرع اول (بق) من المشروب العجبيب.. عقد حاجبية.. ثم قرب الكأس من انفه وشم محتواها.. ثم رشف رشفة صغيرة وازداد انعقاد حاجبية.. كنت ارقب رد فعله عن بعد، فجأة ترك حديثهم المهم واستدار لي ثم اشار بيده الي الكأس متسألا بالاشارة بما يعني"ايه ده؟!!!"
قلت هامسة:" بيبسي دايت"
اشار بيده وهو في قمة اليقين بما يعني "لأ"
فغمزته لكي يصمت واشرت له بما يعني:" بعدين"
فعاد وانتبه الي حديث ابوينا.. ثم امسك الكأس مرة اخري ورشف منه في توجس.. بدا علي وجهه التفكير العميق.. حتي اني ظننت انه يعيد النظر في احدي النقاط الهامة التي اثارها والده.. ثم استدار الي وسأل في سرعة خاطفة وكأنه يغش في لجنة امتحان وبصوت خفيض حتي لا ينتبه والدينا "خروب؟؟؟؟؟!!"
ابتسمت عندما ادركت ان تركيزه العميق كان في محاولة فك لغز المشروب..واشرت برأسي بالنفي.. وغمزته ثانية كي يصمت و اني سأخبره قصة حياة المشروب لاحقا..
وعدنا للتركيز مرة اخري مع مجري الحديث، الا انه فعل تماما مثلما فعل منذ برهة الا ان سؤاله هذه المرة كان"كركديه؟؟؟؟؟؟"
لم ارد عليه فظن اني لم اسمع فظل يعلوا بصوته كي يصلني مكررا السؤال.. تظاهرت بالانتباة التام لحديث ابيه، فيأس من محاولة سؤالي وظل يرشف رشفة تلو الاخري محاولا اكتشاف كنه المشروب الذي اخبرته عنه امي انه (بيبسي دايت)، نظرت له امي ثم قالت لي همسا "شفتي اهو عجبه اهه..عمال يشرب"
مابكم يا عالم؟؟؟!! .. انه يوم طلب يدي وكل ما تفكرون به هو المشروب!
انتهي الحديث باتفاق الطرفين ابي وابيه وابتسامة رضا وسعادة علي وجه كل منهم الحمد لله، اقترب مني حماي العزيز و سلم علي قائلا "مع السلامة يا عروستنا.. نتقابل قريب يوم قراءة الفاتحة انشاء الله" خفق قلبي في حماس وسعادة .. احمدك يا رب علي سلاسة الامور وعدم التعقيد.. اخيرا سيصير ارتباطي بمن اختاره قلبي وانتظره بشوق امرا رسميا تباركه اسرتي و يفرح به الناس جميعا.. التفت لتامر بسعادة لاسلم عليه فاقترب مني مبتسما ومد يده ليسلم علي، وقد كان والده وصل لباب للخروج ومعه ابي وامي يودعاه.. نظر حوله ليتأكد ان لا احد يسمعنا ، بالفعل كانو مشغولين مع حماي ، انتهز تامر الفرصة واقترب مني ، ابتسمت في حب متلهفة لسماع رد فعله علي هذه المناسبة السعيدة.. وهذا الموقف الذي نحن فيه والذي طالما حلمنا بقدومه.. سألني ليتأكد من يقينه :
" تمر هندي؟ صح؟؟؟؟"