صورتي
القاهرة, Egypt
منة فوزي .سيناريست وبحب احكي حواديت

جميع حقوق النشر محفوظة وغير مسموح بالنقل !


حقوق الملكية يا حرامي!

12/19/2011

حُرية رُقية (5)


عندما خرجت رُقية في الصباح من حجرتها، و جدت ماريا في المطبخ منهمكة في اعداد شيئا ما برائحة شهية.. اما عمر فقد كان ممدا علي تلك الاريكة قرب الباب حيث تقف .. ممسكا ذلك الكتاب في يده .. يبدوا انه كان يقراء.. كان عاري الجذع كاشفا عن كم من العضلات المنحوتة باتقان..  مما اثار ارتباك رقية قليلا ..ليس حياءا ، و انما لمحاولة السيطرة علي اتجاه بصرها الذي كان يتفحصه رغم ارادتها..
"صباح الخير يا حلوة"
هتفت ماريا بحماس..
ابتسمت رقية و مازالت اثار النوم بادية في انتفاخ عينيها و صوتها المبحوح:" صباح الخير "
عمر:" هل نمت جيدا؟.."
رُقية:" اجل.. اغمضت جفني لحظة و ضع رأسي علي الوسادة امس، لافتحهما قبل دقيقة"
عمر:" جيد.. هل ترغبين في الافطار؟"
ماريا في عذوبة:" بماذا ترغب الضيفة الحلوة علي الافطار؟"
ابتسمت رُقية بامتنان وقالت ببعض التردد:" لا اريد ان اُتعبك.. كما اني ارغب في ان اذهب لذلك المكان الذي مررنا به امس.. المطل علي ذلك المجري المائي الصغير.."
عقد عمر حاجبية محاولا تذكر المكان تحديدا ثم قال:"  هل ستقابلين احدا هناك؟"
رقُية:" لا .. فقط اعجبني المنظر مساء امس و ارغب في الجلوس هناك و تناول الافطار و القهوة.. اتوقع انه رائعا بالنهار"
عمر:" حسنا كما تريدين.."
ابتسمت مرة اخري ثم دلفت الي الحجرة و غيرت ثياب النوم و اغتسلت.. ثم خرجت بعد عدة دقائق..
لتجد عمر غير موجود علي الاريكة.. لم تسأل عنه خوفا من ان تظن ماريا انها مهتمة به ، و كأن علي رأسها (بطحة)..
ودعت ماريا  التي تمنت لها وقت لطيف عند النهر ..
خرجت من باب البيت لتجد عمر قد جلس فوق دراجته .. و قد ارتدي ملابسه كاملة (الحمد لله) ..ادار الدراجة عندما رأي رووكي تخرج من الباب..
قالت:" ستخرج انت ايضا؟"
عمر:" سأذهب معك..لإيصالك"
رووكي:" لا تشغل نفسك.. ليس عليك ايصالي لكل مكان.. المكان قريب..سأمشي"
عمر:" و كيف ستدفعين حساب القهوة؟"
رووكي:" حسنا نسيت.. سلفني بضع يورهات اذن.. "
عمر ساخرا:" حتي يسرقون منك ثانية؟! لا أظن عزيزتي.. ان اردت القهوة عليك الركوب.. هيا"
اغاظ رقية تهكمه عليها.. وكأنه يخبرها انها عديمة المسؤلية و لا تؤتمن علي النقود.. مثل ابيها تماما لا يثق بها و لا يقدرها..
قالت ببرود عناد:"  لا اريد القهوة اذن!"
و سارت مبتعدة..
تبعها بالدراجة..كان يسير بظهره و يحرك الدراجة بكلتا قدمية للخلف ببطء..
قال باسلوب صبياني محبب:" هل غضبت؟ حسنا لا تغضبي.. امزح معك يا فتاة.. انا ذاهب هناك لاني احب المكان ايضا.. ليس بسبب النقود .. هيا اركبي.. لا تكوني طفلة غاضبة.. هيا.. اصفحي عني و اركبي يا حلوة.. ان اردت النقود في يدك خذيها.. لاثبت لك اني كنت امزح.. هيا.."
كان مازال يدفع الدرجة و هو فوقها بقدميه لتسير ببطء للخلف بجوار رووكي..
فجأة ابتسمت رووكي حين اخرج النقود و قالت ضاحكة و هي تنظر الي المارة حولهما:" تري ان اخذت النقود و ركبت الان ، ماذا سيظن بي المارة؟"
ضحك عمر وقال:" حسنا  لديك حق.. اركبي سريعا اذن قبل ان اجد منافسا يعرض مبلغ اعلي"
ضحكت و هي تركب و قالت:" لنحسن الصورة .. ابق النقود في يدك اذن"
صاح بصوت عالي  و هو يقود منطلقا بسرعة:" خدمة  مجانية  ووووووه ه ه" مما جعل بالفعل  بعض المارة يلتفتون لهما
ضربته علي كتفه و قالت متصنعة الغضب:" انت حقا طفل سخيف!"
قال:" ظننتك حرة و لاتهتمين بما يظن الاخرين بك"
قالت:"لا اهتم برأيهم فيما افعله انا .. ولكن  ليس فيما يوحي لهم به شخصا مثلك!"
اطلق ضحكة شريرة و زاد السرعة ..
عندما جلسا في ذلك المقهي الصغير قرب الماء، اخذت رقية شهيقا طويلا و اخرجته ببطء و كانها تريد حبس الهواء بداخلها.. و لها كل الحق المنظر حولها كان رائعا.. الورود و تلك الطيور.. هناك نافورة حجرية امام المقهي.. تحفة فنية.. بالاضافة الي الموسيقي الساحرة التي تخرج من راديو قديم في المقهي..
ان الحرية رائعة.. رنت هذه الجملة بداخل رأسها و الابتسامة ارتسمت علي شفتيها لا اراديا..  ومر في راسها عشرات المواقف عبر طفولتها التي لم تكن بعيدة، حين  توسلت لابيها لان تذهب في الرحلات المدرسية للحدائق او الخروج مع الاصدقاء للتخييم او اللعب في اي مكان يبعد عن قصرهم ..
عمر:" لم تضحكين؟"
رقية:" ابتسم.. لم اضحك"
عمر:" اهذا يعني انك سعيدة؟"
رقية:" اسعد مخلوقة في الكون.. انا انسانة حرة"
عمر بنبرة مازحة:" رقية هل انت هاربة من احد السجون؟ لانك لو كنت كذلك .. اعذريني.. سأبتزك لكي لا ابلغ عنكي"
ابتسمت ابتسامة كبيرة و قالت:" اطمئن الشرطة لا شأن لها معي.. و لكن لمَ تشك في الامر؟"
عمر:" حديثك الدائم عن الحرية.. و تقديرك الشديد لابسط الاشياء التي قد تمر علي شخص اخر كروتين طبيعي للحياة"
رقية:" ذلك لاني افتقدها.. و اولائك الذين لا يستوقفهم الروائع التي تعبر امامهم.. سيفعلون مثلي حين يفقدونها "
عمر:" و لم تفتقديها؟"
رقية:" امممم.. تلك الاجابة..
اكمل معها عمر الجملة:" تندرج تحت ..امور خاصة!"
ضحكت ضحكة صافية جميلة .. جعلته يسرح قليلا فيها.. تأمل اسنانها المرصوصة.. فكها صغير وجميل مثل الفتيات الصغيرات.. شفتان متلئتان بعض الشيء.. و طابع الحسن اسفل ذقنها.. و بحكم العلاقة صعدت عينه لو جنتيها ليتأكد من  وجود (الغمازات) .. كانتا هناك كل واحدة مستقرة في مكانها علي كل وجنة صدق من اسماها علامات الجمال .. ماهذا الاحساس اللطيف الذي يتسرب اليه ويملءه؟  ليس السعادة لا.. هو يعرف السعادة.. لم تكن يوما تمتزج بالتوتر مثل احساسه العجيب الان.. ادرك فجأة ان ايا كان الاحساس يجب ان ينتهي فورا! انه في وسط مهمة عمل رسمية.. و المهنية تعني ان لا مكان للاحاسيس !
قالت بالمصري و بلهجتها المهشمة:" المكان هنا حلو.. بس لازم الحق اصحابي في الكرنفال"
عمر بنظرة خبيثة:" واضح ان فيهم حد مهم اوي.. مخليكي تسافري وراه كل ده"
رووكي ضاحكة :" انت فهمت غلط خاااالص.. انا معنديش اي حد مهم.. انا دلوقتي اهم و احدة عندي.. و الرحلة دي كلها عشاني انا .. عشان اسعد نفسي"
عمر:" اسمحيلي يعني.. اللي هيسمعك هيقول انك انسانة انانية"
رووكي:" و ماله؟" ثم كملت بالانجليزية حتي تسعفها الكلمات :" لمَ علي ان اهتم لاحد غير ي، ان كان لا احد غيري يهتم بشأني؟! حتي الان كل من اظهر اهتماما كان ستارا لتحقيق مصلحة شخصية"
عمر:" حتي اصدقائك؟"
رووكي:" هم مخلصون فقط ان كنا سنتشارك المرح"
عمر:" و لم تريدين الحاق بهم اذن بهذه اللهفة ان كنت تعرفين ان اخلاصهم مشروط؟"
رووكي:" لاسعد نفسي بالمرح معهم.. انا ايضا لن اخلص لهم ان كانوا غير مفيدين لي.. كما قلت لك  انا من اهتم لها فقط الان"
عمر عاقدا حاجبية مستنكرا:" اي علاقة صداقة تسمين هذه؟!! اسمحي لي.. هذه ليست صداقة..  تعنين ان وقعت في مأزق لن يساندوكي؟!"
رووكي ساخرة:" بالفعل و قعت في واحد .. و كل ما فعلوه هو ان تركوني و رحلوا الي الكرنفال.. مع دعواتهم لي ان الحق بهم حين استطيع"
عمر:" انت غريبة حقا.. فانت تدركين حقيقة من حولك و مع ذلك لا يمنعك ذلك من البقاء معهم.. قد اتفهم انك مخدوعة فيهم.. و لكنك لست مخدوعة"
رووكي بنبرة ثابتة متحدية :" قلت لك لاني مستفيدة من بقائي معهم.. كما اني حرة.. ابقي مع من يحلو لي و اتركهم حين يحلو لي ايضا.. لست ملزمة باي شيء و لا اي شخص.. يحركني فقط رغبتي .. وانا الان ارغب في حضور الكارنفال"
نظر اليها عمر .. هذه الفتاة قد لا تكون سطحية او تافهة كما وصفها ابوها، ليست مغيبة العقل او منساقة خلف اصدقاء السوء.. و لكنها للاسف تحركها قوة داخلية من العناد و الرغبة الشديدة في التحرر من كل ما قد يقيدها..وتريد اثبات هذا لنفسها .. ربما فقط ابيها كان علي حق حين قال انها قد تؤذي نفسها.. تلك القوة الجامحة تحتاج للسيطرة والا كانت العواقب وخيمة..
قال بمرح ليغير جو الجدية الذي بثته نبرتها الاخير:" حسنا ان كان هناك شيئا صحيحا فس كلامك يا انستي .فهو انك حرة حقا!"
قالت بابتسامة و اثقة:" بالفعل انا كذلك!"
فعاد ليقول:" حسنا .. و انستي الحرة متي تريد الرحيل؟"
قالت وهي توجه نظرها للماء:" لنبق بضع دقائق اخري.."
جلسا في صمت معا قبل ان يعودا.. كانت هي تتأمل المنظر بينما هو يتأملها.
قامت بالاتصال باميلي في الطريق للتأكد من ان وجههتها صحيحة.. و بعد ن ودعتمهما ماريا و داعا عاطفيا .. و اعطتهم مؤنا شهية للطريق الطويل.. ركبت رُقية  خلف عمر و انطلقا بالدراجة ..
حاولت رقية و هي متمسكة بجذع  عمر ان تتناسي شكل  نفس هذا الجذع دون السترة و القميص.. كانت تبتسم حرجا كلما ادركت في رأسها انها صارت مهووسة  بذلك المنظر.. كم هي مراهقة؟!
اما عمر فقد كان يحاول ان يسترجع في نفسه حالة عدم الاحساس.. كان دوما يرافق رقية دون ان تراه.. يعرف شكلها بدقة.. يعرف كيف ترقص و كيف تضحك و كيف تتحدث و تتصرف وسط اصدقاءها .. كان يعرف انها فتاة جميلة.. فقط يعرف! الان الامر مختلف هو يشعر انها جميلة.. و كأنه يراها للمرة الاولي .. ليت تلك المهمة تنتهي.. انها تصيبه بالتوتر و الضيق.. نظر للاسفل الي ذراعيها المحيطة بخصره.. و كأنها تحتضنه.. و...
صرخت رقية صرخة اصابته بالصمم ليرفع رأسه  امامه و يتفادي بمهارة سيارة بطيئة كان سيصطدم بخلفيتها..
رقية غاضبة:" هل اصبت بالعمي.. المَ كنت تنظر ؟!"
قال محاولا التغطية علي اخفاقه:" كنت اخيفك يا فتاة.. امزح معك"
قالت رقية وقد صدقت انه يعبث معها:" لست ظريفا!! "
صمت و قد شعر انه فاشلا.. كيف سمح لنفسه بأن يتشتت بهذه الطريقة؟!! ماذا كان سيقول لوالدها ان حدث لها مكروه بسبب سهو ساذج منه مثل ما حدث للتو؟!!!!
زاد السرعة فجأة وقد بغل عاقدا حاجبيه ممتعضا و قد اصابه الغيظ من تلك الاشياء التي تحدث له..
وما زاد غيظه هو مرحها المستمر.. و لا كأنها هاربة من و ابيها .. و لا كأن لها خطيبا سخيفا ينتظر عودتها، او ام مسكينة انفطر قلبها و ذبلت عينيها بكاءا.. ولا كأن هناك شابا عرضة لأن يخسر وظيفته ومستقبله ان اخفق في مهمته التي صارت عبئا لا يطاق عليه..
وصله صوتها رغم الهواء.. انها تغني! (الهانم بتغني) كانت تغني اغنية بالانجليزية عن الحرية.. كان يعرفها جيدا .. اغنية روك صاخبة لفرقة مشهورة.. و قد وصل حماس رقية الي اقصاة في الغناء و فصارت تصيح بالكلمات  و قد افلتت احدي ذراعيها و صارت تلوح بها في الهواء في سعادة.. وجد نفسه يبتسم.. الفتاة حقا مجنونة بشكل مثيرة للاهتمام..
كانت تصرخ احيانا :"ووووووه" وترفع ذراعيها عاليا في حماس.. فيصرخ بها ان تتمسك به جيدا.. لو لم تكن المهمة ..لو لم تكن سلامتها هي مهمته.. لشاركها هذا الحماس.. لربما صحبها معه في حفلة لتلك الفرقة و رقصا معا بجنون حتي  الصباح.. ولكن عليه ان يكون سخيفا مثل الاباء و يكبح جماح تهورها..
بعد مرور مسافة طويلة و قد اقتربت الشمس من المغيب
.صاحت رقية:" الا تشعر بالجوع؟ "
عمر:" بلي.. و لكني ايضا اريد الحمام"
رقية:" اذن فلنتوقف عند اول استراحة"
كان عمر يدرك ان عليه ان يؤخر الوصول للاصدقاءها... فهي معه بمفردها الان و يسهل عليه التأثير عيلها، و هو الامر الذي سيكون صعبا وسط حشد الاصدقاء و زحام البشر..
فجأة صاحت رقية:" انظر .. انظر يا عمر.. انه مخييم"
التفت عمر الي حيث تشير.. بالفعل يبدوا انم مجموعة من الشباب تخييم في الخلاء.. لابد انهم من المسافرين الي الكرنفال و قد قرروا الوقوف للراحة هنا.. تلك المجموعات منتشرة علي مدار الطريق.. فالكثييرن في طريقهم للكرنفال السنوي.. والمبيت في الخلاء هو احد طقوس الشباب من ضمن مرح الرحلة..
قالت رقية بلهفة:" إميلي اخبرتي انهم امضوا احدي ليلاتهم في مخييم مثل ذلك.. طالما سمعت عن تلك الاشياء.. هيا فلننضم لهم.. اريد المبييت في العراء"
اوقف عمر الدراجة و التفت اليها وهو يهم ان يقنعها بسوء الفكرة.. و لكنه حين رأي تلك اللهفة في عينيها  كطفلة تنظر لمنتهي امالها .. تنظر للشباب و الفتيات و هم متناثرين و سط الخضرة  بعضهم يغني في حلقة حو ل شخص يمسك جيتار..و الاخرون يتمازحون و منهم من يلعب الكرة.. وذلك الشاب الذي يشوي بعض اللحم..
انحشرت الكلمات في حلقه.. لم لا يمنحها بعض المتعة .. لن يضير خطته في شيء.. مازالت بعيدة عن الاصدقاء و الكرنفال ، كما ان الامر سيؤخرهم اكثر..
ابتسم وقال :" حسنا ان اردت"
تهللت اساريرها و نزلت بسرعة من فوق الدراجة  اما هو فكان يبقي نظره عليها وهو يعدل وضع الدراجة بعيدا عن الطريق في سرعة حتي يلحق بها.. انها مُرهِقة بحق!
اقتربت من مجموعة من الشباب و الفتيات و سألت بابتسامة عريضة :" اهناك من يتحدث الانجليزية؟"
اجابتها احدي الفتيات :" اجل معظمنا.."
رووكي:" حسنا رائع ...هل انتم ذاهبون للكرنفال في (--)؟"
اجابو بنعم .. وقالت الفتاة :" بامكانك انت و صديقك الانضمام الينا.. سنبيت هنا الليلة و ننطلق في الصباح الباكر.. سنقيم حفلة شواء!"
رووكي:" شكرا علي العرض.. انا رووكي.. و هذا عمر"
كان عمر قد لحق بها و القي ابتسامة صفراء للمجموعة وحرك رأسه يحيهم..
حياه الجميع و اخبر كل شخص رووكي عن اسمه..
قالت الفتاة:" معكما خيمة؟"
عمر:" لا"
الفتاة:" حسنا انتما بحاجة لواحدة لان ليس لدينا اضافي.. بامكانكما شراء واحدة من ذلك المحل القريب علي بعد (-) متر بجوار الاستراحة.. وان  كنتم تفضلان النوم في العراء بلا خيمة .. ذلك يرجع لكما " ابتسمت في ود ثم اكملت :" وبامكانكما ايضا شراء اللحم او ما قد ترغبان في شواءه"
رووكي:" شكرا لك.. "
سارت مع عمر تتفقد المكان والابتسامة لا تفارق وجهها.. وكان هو يشعر بالرضا وهو يري ابتسامتها السعيدة..
عمر فجاة:" احتاج للحمام الان!"
ضحكت رووكي :" وما منعك؟ اذهب.. الاستراحة ليست بعيدة .. انا اراها من هنا.. عندما تعود فلنأكل.. ثم لنري امر الخيمة بعدها .. و لو ان فكرة النوم بلا خيمة تروادني"
ادرك عمر انه لن يتركها و يذهب كل تلك المسافة.. ولكنه يرغب في الحمام بشدة الان!
فقال:" الن تأتي معي؟"
رووكي :" لا .. اريد الاستمتاع هنا.. ساستلقي قليلا علي الحشائش"
و بالفعل استقرت علي الارض ..
عمر و هو يحاول ان يبدوا ثابتا بينما هو علي وشك اعطاء الحشائش سمادا سائلا:" طب ما تيجي تسليني.. مكسل اروح لوحدي"
رووكي :" روح يا عمر .. متبقاش طفل.. انا قعدت  خلاص"
كيف يشرح لها انها لا يجب ان تغيب عن نظره.. و لكنه (مزنووووووووووووووووووق)
الامر صار حتميا بالنسبة له.. حتي وان قامت معه لن يتمكن من الوصول..  عليه ان يتصرف الان .. الان !
لا مفر.. سيتصرف مثل ما يتصرف المصريين!
تلفت حوله ليجد مكانا بين الشجيرات ..بعيدا بعض الشيء ولكن  علي الاقل رقية مرئية من هناك.. لم يقل شيئا فقط تركها و جري .. حركت رأسها في تعجب منه وضربت كفا بكف وهي تضحك عليه..
وقف يفعل ما كان عليه فعله.. كان يسب و يلعن نفسه.. لم يتصور يوما انه قد يفعل ذلك تحت اي ظرف! كان يبقي عينه علي رقيه فلم ينتبه لتلك الفتاة التي كانت تراقبه و تضحك ساخرة..
وجد شابا ما يقترب من رقية .. حاول ان يسرع حتي يعود اليها و لكن من الواضح ان الخزان كان ممتلئا ..
الشاب تحدث لرقية و اشار الي مكان ما بعيد و هاهي رقية تنهض و تسير مع الشاب في حماس ومازالت الابتسامة علي وجهها..
اين تذهب بنت المجانين؟
اخيرا انتهي و ستر نفسه وسار مسرعا نحوها ولكنه لم يجدها..
كاد ان يتوقف قلبه..
دار في المكان بحثا عنها او عن الشاب.. لا اثر لكيلهما.. لاحظ ان معظم الناس تترك مكانها تدريجيا وتسير متوجههة الي نفس الاتجاه..
حسنا يجب ان يبحث عنها قبل ان يخبر ابابها انه فقدها.. لمَ قبل بتلك المهمة اللعينة؟!!
استوقفته فتاة شقراء بدي انها فرنسية من  انجليزيتها المعوجة :" هل تبحث عن صديقتك؟"
عمر:" اجل؟ اراءيتيها؟"
الفتاة:" نعم ذهبت مع مجموعتا لرؤية الغروب من مكان عال قريب.. لقد ذهبت اثناء قيامك بــ.. احم "
واشارت بابتسامة خبيثة  الي الشجيرات حيث نادته الطبيعة..
تنهد الصعداء ثم  قال:" واين ذلك؟"
الفتاة :" تعال معي.. انا كنت ذاهبة.. واعدك اني لن اخبر احدا عما رأيت"  قالت جملتها الاخير باسلوب مائع و خبيث
ابتسم حرجا و قال مدافعا:" كنت مملوءا و لم اكن ..."
الفتاة مقاطعة وهي تسير بجواره:" لا تقلق قلت لك لن اخبر احدا.. انه سرنا الصغير.. انا دونا.. "
عمر:" و انا.."
الفتاة مقاطعة مرة اخري:" عمر.. لقد قالت رووكي اسمك"
ابتسم عمر في برود فهو مشغول برووكي الان.
وصل عمر مع دونا الي منطقة مرتفعة قليلا تقل فيها الاشجار و بالفعل كانت رووكي تجلس وسط مجوعة من الشباب ، باالاضافة الي مجموعت اخري فد انضمت لنفس الكان.
التفتت رقية لتري عمر مقبلا.. انفرجت عن شفتيها ابتسامة ترحاب و صاحت:" تعال لتري الغروب .."
كان حانقا عليها و لكن ابتسامتها محت اي احاسيس سلبية بداخله.. توجه كالمُصير و جلس قربها علي الارض وترك دونا دون كلمة..
احكمت رقية السترة عليها طلبنا للدفء وهي تهمس له في سعادة طفولية:" انا اعيش اسعد لحظات حياتي"
 ابتسم و هو ينظر الي عينيها البراقتيين  السعيدة.. اطبق فمه.. لم يدر ماذا يقول.
رقية مشيرة الي شاب يجلس قربهما:" هذا لوك.. "
لوك لعمر:" لقد تقبالنا قبل قليل.. اهلا بك مرة اخري"
صافحه عمر و ابتسم ثم تذكر دونا فاستدار ليري كيف هي بعد ان كان قليل الذوق معها.. وجدها تجلس وسط بعض الناس قربهم و قد كانت تحدق به.. رفع يده كنوع من الشكر فبادلته بابتسامة ثم وضعت سبابتها علي شفتيها بمعني (هشش) و كأنها تشير الي السر.. وضع اصبعه علي شفتيه بدوره و ابتسم..
سألت روكي بعد ان لاحظت ما حدث:" انت تعرف دونا؟"
عمر:" قابلتها للتو، وهي من دلني علي المكان هنا"
حركت روكي رأسها متفهمة و صمتت..
امضوا دقائق عديدة يراقبون الشمس تغرب في الافق..  سبحان الله علي ابداعه.. هكذا فكر عمر.. كيف حقا تتكرر تلك اللحظة كل يوم في عمر الانسان و لا يتوقف  يوما ليستمتع بها و يقدرها؟
مالت رقية عليه قليلا و قالت همسا:" اعترف ان الان ينقصني شخصا مميزا ليكون بجواري.. سيكون الامر رومانسيا "  وضحكت في براءة
قال عمر:" مشاهدة غروب الشمس مع الحبيب هو احد بنود قائمة الاشياء الاكثر رومانسية"
قالت هائمة:" نعم.. ويليها الركض تحت المطر"
عمر:" اذن فانت تعرفين القائمة.."
رووكي:" ماذا تظن ؟.. لا يوجد فتاة علي وجه الارض تجهلها .. نحن من صنعنا القائمة "
ضحك عمر وقال هامسا:" بامكانك التخيل ان الشخص المميز موجود.."
رووكي مستنكرة:" تريدهم ان يظنوا اني جننت؟.. سأستند برأسي علي الهواء و احدثه همسا؟!!"
عمربخبث :" ان كنت يائسة لدرجة الهواء ، فعلي الاقل انا افضل .. ولن يعتقد وقتها احدا انك مجنونة"
ضربته علي صدره بظهر كفها وقالت مازحة بالمصري بلهجتها المضحكة:" بتستاد في المية العكرة؟ مش انا يا حبيبي"
عمرمتصنعا الذهول:" وعملالي فيها انجليزية ؟ "
رووكي:" لا في الهجات دي بكون صعيدية زي مامتي" وضحكت ضحكة طويلة
عمر:" اجل .. لقد رأيت بعيني ما فعلتهِ بالشاب الاسكتلندي المسكين في القطار"
رووكي مازحة وقد رسمت علي وجهها تعبير شرس و كورت قبضتها :" و علي استعداد ان افعله مرة اخري مع من يفكر في استغلالي او مضايقتي"
عمر بابتسامة ساحرة:" نا امزح يا فتاة.. انت امانة حتي تصلي لـ..لاصدقائك"
لم تدري روكي لما اجتاحتها الكلمات مع الابتسامة اجتياحا وكأنها الامواج.. اجبرت نفسها ان تلتفت للشمس في السماء.. حتي تبعد عينيها عن حرارة شمس ابتسامته..
ساد الصمت بينهما لبضعة دقائق اخري حتي غابت الشمس تماما واظلمت السماء.. والغريب ان رووكي في تلك الدقائق الاخيرة غاب عنها ايضا احساس افتقاد  ذلك  الشخص المميز.. و كأن (خير الله اما اجعله خير) قد وجد فجأة .. تماما بجوارها.. بعيون سوداء لون سترته..

12/16/2011

حُرية رُقية (3)


وقفت رووكي تتلفت حولها.. ترتدي سترة جلدية ضيقة ثمينة ووشاح شاعرة ببرودة الصباح الباكر جدا..  علي ظهرها حقيبة ظهر بها ما جمعت من بعض الملابس و احتياجات. و معها حقيبة اخري صغيرة جدا تعلقها علي كتفها بها  نقودا و اوراقها.. كانت تقف امام هاتف عمومي.. اتصلت برقم اميلي صديقتها..
جائها صوتها نائما:" الو من؟"
رووكي:" إم انه انا.."
اميلي:" رووك؟؟ ما هذا الرقم؟؟!"
رووكي وهي تحبس انفاسها انفعالا:" اميلي لقد هربت من البيت.. وسالحق بك في الكرنفال.. اين انت الان؟؟"
اميلي وقد افاقت تماما و هي تصرخ فرحا :" لا اكاد اصدق.. لقد فعلتيها اخيرا يا فتاة.. انا فخورة بك حقا... هيا الحقي بنا نحن في (---) يمكنك اللحاق بنا اركبي القطار لمكان العبارة ثم استقلي القطار مرة اخري.. و.."
قاطعتها رووكي:" لقد ركبت العبارة بالفعل و خرجت من البلد... انا الان في مدينة (--) اين انتم؟"
اميلي بانبهار:" لقد انجزتي فعلا يا فتاة.. حسنا يمكنك اللحاق بنا في (--) سنرحل اليها غدا لنتبع الكارنفال الي هناك.. حاولي الوصل الينا قبل الغد..  انا و الاصدقاء نقض و قتا ممتعا حقا.. لا ينقصنا سواك يا عزيزتي.."
رووكي:" حسنا سالحق بكم يا رفاق.. و لكن ابق هاتفك دوما بقربك .. حتي نكون علي تواصل دائم لحين اصل اليك.. سأتصل من هواتف عمومية حيث اني تركت هاتفي بالبيت  لعلمي ان ابي لديه اتصالات قوية وبأمكانه ان يراقبه و يتتبع مكاني بسهولة.."
اميلي:" حسنا رووك .. في انتظارك.. ذلك افضل خبر سمعته... هيا  يا فتاة لا تتأخري.. الي اللقاء"
رووكي مبتسمة:" الي االقاء إم.."
وضعت السماعة و تلفتت حولها مرة اخري.. كانت تشعر بسعادة غامرة.. انها تعيش المغامرة الان.. حتي لحظات هروبها كانت مثيرة و مختلفة.. لم تتنكر في زي الخادمة  كبعض المرات.. و لم تتسلق السور ايضا كبعض المرات الاخري.. لم تنتظرها سيارة الاصدقاء في مكان قريب لتهرب معهم.. بل كانت فخورة بخطتها العبقرية.. لقد طلبت البيتزا  في وقت متأخر من الليل عن طريق خدمة التوصيل، تحت مرأي و مسمع من خادمتها.. طلبت كمية كبيرة .. وفسرت للخادمة بانها مكتئبة و الكثير من البيتزا ستخفف عنها..  و بينما احتار حراس البوابة مع رجل التوصيل الذي اتي في تلك الساعة العجيبة.. ومحاولة اكتشاف ان كان الطلب بتلك الكمية - والتي يكاد عدد العلب المرصوصة رأسيا يغطي وجه رجل التوصيل الذي يحملها - اتي صحيحا ام جاء بطريق الخطاء.. ومع اصرار رجل التوصيل ان الطلب صحيح وانفعاله علي الحراس مما جعلهم  يشكون بامره وينشغلون به ..كانت رووكي قد تسللت بخفة و وحشرت نفسها في  خلفية سيارة التوصيل(الفان) الصغيرة حيث يضع  علب البيتزا.. وبعد ان اكدت لهم الخادمة ان السيدة الصغيرة هي بالفعل من قام بطلب كل هذا الكم من البيتزا ..  خرج الرجل بالسيارة وبها رووكي و هو يسب الحراس بعد سلمهم برج العلب..
 وبينما حمل احد الحراس علب البيتزا مع الخادمة لحجرة رووكي .. ليجدوها نائمة لا تجيب ...كانت هي تقفز في سرعة خارج السيارة  بعد ان اوقف الرجل السيارة عند محل البيتزا.. وسارت لمسافة كبيرة مبتعدة، ثم استقلت الحافلة الي مكان العبارة ..
 و بعد ان قضت وقتا ممتعا، خاطفا للانفاس من فرط الاثارة علي  ظهرالعبارة ، وصلت اخيرا الي غايتها الي حيث  بداية رحلتها البرية عبر مدن اوربا لحاقا باميلي و الكرنفال.. وبحثت عن الهاتف لتحدث رفيقتها..
ابتسمت عندما تذكرت كل هذا ، ثم تنفست بعمق و سارت متجهة الي اقرب محطة قطار..
عليها اللحاق بإم و الرفاق..

                                          ***
في بهو القصر الخاص بصادق و الذي تحول لمركز عمليات.. مروان و ابيه..كل منهما يتحدث في هاتفه مستغلا صلاته  الهامة في محاولة تتبع اسم رُقية علي رحلات و خطوط الطيران.. بينما وقف صادق بين بعض من رجاله  وعلي رأسهم عامر يخبرهم عن الخطواط التي عليهم اتخاذها و بين كل بضعة دقائق يحدث الحراس الذين ذهبوا في ملاحقة رُقية علي الهاتف للمتابعة.. اما نوال فقد جلست بمفردها علي احد الكراسي بين باكية و متابعة لما يحدث حولها في صمت..
مروان لصادق:" في خلال ساعة يا عمي هنعرف اذا كانت خرجت من البلد و لا لأ"
اومأ صادق برأسه و لم يرد
اما رقية فقد اتسعت عينها لفكرة ان ابنتها غادرت البلد و قالت لصادق و سط البكاء :" انت السبب يا صادق.. كله بسببك"
نظر لها صادق نظرة  شديدة محذرة ان تبدأ في ذلك الان.. لا الجمع ولا الموقف مناسبان لفقرة تبادل الاتهمات و القاء اللوم..
جاء اتصال لعامر فطرقع باصابعه فجأة بعد ان سمع الكلمات الاولي لمحدثه و اشار للجميع طالبا الصمت.. امتثل الجميع وانتبهوا بشدة له في انتظار الجديد..
بعد ان انهي الحديث قال بسرعة لصادق بالانجليزية ليفهم كل الموجودين:" اميلي جوت  صديقة الانسة روكي المقربة ذهبت في رحلة لتحضر المهرجان السنوي الذي يلف مدن اوروبا.. المعلومات تفيد ان الفتاة ذهبت مع مجموعة كبيرة من الاصدقاء و الذين هم في نفس الوقت اصدقاء الانسة روكي.. لذا هناك احتمال شبه مؤكد انها في الطريق اليهم.. حيث ان هناك معلومة عن ان فتاة بمواصفات تشابه هدفنا قد استقلت العبارة خروجا من المملكة ..كما ان التحريات تفيد ان اميلي شدت الرحال قبل هروب روكي بيومان.. كما ان هاتف الانسة روكي الذي تركته هنا يؤكد ان اميلي و روكي كانتا تتحداثان بكثافة اخر يومان.."
قاطعه صادق بعصبية:" اين الكرنفال اللعين؟"
عامر:" لقد وصل الان الي مدينة(--) و سيتحرك في اتجاه (---) من المحتمل ان الانسة روكي في الطريق لاحد تلك المدينتين"
انتفضت نوال و نهضت وهي تقول:" و ماذا تنتظرون؟ .. اذهبوا للحاق بها.. اجلبوا ابنتي لي الان! اسمعتم ؟! الان اقول!"
تردد جميع الحرس الواقفين في حيرة و توجهوا بانظراهم لصادق في انتظار التعليمات النهائية..
قال صادق بنبرة هادئة:" بهدوء يا نوال.. الامر ليس ككل مرة.. الفتاة لم تهرب في امسية لتمرح مع الاصدقاء و هي مدركة انها ستعود في نهاية الليلة  لتلقي بعض العقاب.. لقد قرأت الخطاب بنفسك.. ابنتك قررت الخروج من حياتنا.. و من المتوقع ان تبذل كل ما بوسعها للاختفاء والهرب.. اري ان ارسال الحرس ليحضروها عنوة هو تصرف غير سليم.. الفتاة حرة في قانون الدولة و قد تلجاء للشرطة.."
تنحنح مروان قبل ان يتحدث و قال:" اسمح لي يا عمي.. بامكاني الذهاب لاحضارها بنفسي.. لي اصدقاء بالفعل قد ذهبوا لمرافقة الكرنفال.. ربما لن تأتي مع الحرس  ولكنها قد تأتي مع يستميل قلبها.." و ابتسم ابتسامة واثقة..
نوال لصادق  في غيظ متجاهلة مروان:" اظن ان تلك هي فكرة غبية يا صادق! الفتاة هربت من الاساس بسببه.. كيف سيستعيدها هو؟! الم تر كيف كانت تسب فيه؟!!"
تقبل مروان الكلام اللاذع في ثبات و ابتسم في محاولة لاخفاء احراجه.. كان يدرك ان الام قد طار عقلها بسسب هروب ابنتها و لعلها لا تدرك ما تقول و غالبا لا تعنيه..
اما صادق فقد نظر لزوجته نظرة اخري محذرة.. لقد تمادت في اهانة زوج ابنته وابن شريكه مستقبليا..
فكر قليلا ثم قال:" ليست فكرة غبية تماما.. علي العكس.. الفتاة هربت بحثا عن الحرية و الحب و الحياة.. سأرسل لها كل ذلك.."
ابتهج مروان و قال بابتسامة عريضة:" تاكد اني سأكون عند حسن ظنك يا عمي.."

                                          ***
جلست رُقية علي تلك الطاولة تشرب القهوة في كافتيريا قرب محطة القطار.. لقد كانت رحلة مرهقة.. كنوع من التمويه ركبت  عدة حافلات و سيارة اجرة  حتي و صلت تلك الضاحية البعيدة ومنها ستركب القطار الذي سينقلها لتلك المدينة حيث تلقي اميلي و الاصدقاء.. رشفت من القهوة و ابتسمت.. لقد كان مذاقها مختلفا عن كل مرة تذوقتها في سنوات عمرها ..كان ممزوجا بطعم الحرية..
هاهو قطارها قد وصل.. تممت علي متعلقاتها و ذهبت لتركب..
اختارت تلك الكابينة الخالية.. و ضعت حقيبة ظهرها علي الرف اعلي المقعد.. و جلست قرب النافذة، حاولت فتحها و لكنها كانت عالقة.. لم تهتم ..جلست ومازالت الحماسة تدغدغها من الداخل.. هاهي تخرج من البلد في هذه الكابينة.. لا يهم ان لم تفُتح النافذة الان.. فالعالم له سينفتح امامها لاحقا..
بعد ان استقرت في جلستها تتأمل الخضرة خارج النافذة.. مرق شخص في ردهة القطار من امام باب الكابينة الزجاجي.. لم تلمحه جيدا و لم تهتم.. و لكن ما جعلها تعيد النظر ان الشخص بعد ان مرق عاد.. اطل برأسه داخل الكابينة..
كانت طلة تشرح القلب.. وسيم وجذاب..
سأل ببرود بالنجليزية :" اهذا المقعد خال؟"
قالت:" اجل انا و حدي في الكابينة.. و ان كنت افضل ان اظل هكذا"
قال بقليل من السخرية:" صدقيني وانا لا اتمني شيئا اكثر من الوحدة و الهدوء.. و لكني مضطر ان لان كل الكبائن الاخري مليئة"
دلف الي الكابينة ووضع حقيبته بدوره اعلي مقعده جلس مواجها لرقية قرب النافذة..
تعمدت الا تنظر اليه و ان تتجاهله تماما حتي لا يظن انها فرصة للتعارف او يحاول اي محاولة للغزل.. فلا يمكن التنبؤ بما يجعل الرجال تظن ان الفرصة سانحة..
طالت فترة الصمت.. يبدو انه لا ينوي المغازلة او التعارف... او حتي محادثتها من الاساس.. لمَ يا تري؟ الهذه الدرجة لم تثر اهتمامه؟ اي رجل كان ليحاول حتي اجراء حوار بسيط مع فتاة جميلة مثلها.. ولو علي سبيل تمضية الوقت..
نظرت بجانب عينيها اليه .. لقد كان منهمكا في قراءة كتاب.. القت نظرة علي الكتاب.. انه لكاتبها المفضل! هذا الشاب لديه ذوق ادبي رفيع..
رفعت عينيها تتأمله..  وسيم بالفعل.. ملامحه قد تكون من اصل عربي.. او اسباني.. لماذا تشعر انها تعرفه؟ لقد رأته قبلا في مكان ما.. يالهول! انه الشاب الذي انقذها من الرصاصة في الملهي.. و هاهو اثر بسيط للجرح في جانب رأسه.. يالمصادفة؟!! هل حقا جمعهم القدر لسبب ما؟؟
صاحت بحماس:" الا تعرفني؟!"
رفع عينيه عن الكتاب وقال في تململ:" وهل يجب علي؟ اسف لست متابعا للفن و الفنانات الصاعدات"
قالت:" لست فنانة! انا الفتاة التي انقذتها قبل بضعة ايام.. في الملهي (--)"
رفع حاجبيه مندهشا و بدا الاهتمام علي و جهه للمرة الاولي..تأمل و جهها و قال:" حقا؟ اسف لاني لم الاحظ.. لم اخذ وقتا ساعتها لانظر لوجهك.. "
واكمل  مازحا بنبرة ساخرة:" تعرفين ضيق الوقت.. فالرصاص لا يمهل احدا"
ابتسمت في حماس و مدت يدها اليه قائلا:" انا رُقية.. يمكنك مناداتي برووكي"
ابتسم بدوره و قال:" انت عربية؟"
قالت:" نعم مصرية.."
قال بمصرية سليمة وهو يمد يده:" وانا عمر يا روكي.. تشرفنا"
تلاشت ابتسامتها في لحظة و تراجعت وكأنها مصدومة.. ثم مدت يدها وصافحته في غير حماس..
تراجعت في مقعدها .. ولسان حالها يقول:" يعع"
فسأل:" في مشكلة؟"
قالت بتردد:" لا علي الاطلاق..  ابدا... صدفة لطيفة.. لقد اردت ساعتها أن اشكرك و لكن هناك ظروف ما منعتني.. و ها انا انتهز الفرصة لاشكرك علي انقاذك لحياتي"
فقال:" لا تشكريني.. لو كنت مكاني لكنت فعلت نفس الشيء.. انتي بتعرفي عربي ؟"
روكي:" اجل"
عمر:" بتتكلمي انجليزي ليه واحنا الاتنين مصريين؟"
روكي:" لهجتي المصرية مضحكة بعض الشيء.. كما اني ارتاح اكثر في الانجليزية.. لقد نشأت هنا واحمل الجنسية.. اعتبرني انجليزية"
عمر بابتسامة رائعة:" حسنا كما تشائين.. انا سعيد بالمصادفة الجميلة.. سأدعك الان لسكونك و سأعود لكتابي بعد اذنك.. فانا لا يتسني لي القراءة سوي في السفر.. و قد اشتقت لكاتبي المفضل.. كنت مشغولا و لم اقراء منذ فترة"
تراجع في مقعده و اعاد الكتاب بين يديه..
تأملته.. لم تعرف ما تشعر تجاهه.. هي ممتنة جدا للبطل الذي انقذها.. البطل المثقف الذي يشاركها الحب لنفس الكاتب.. و لكنه مصري مثل ابيها.. لربما ان اطالت معه الحديث لاستنكر كيف تسافر فتاة مثلها بمفردها.. ولاخبرها ان مكان الفتاة في بيت زوجها.. الافضل ان تتركه و شأنها..حتي يتركها وشأنها..
ولكنه تركها و شأنها بالفعل.. دون ان تطلب او حتي ان تحاول ابعاده.. حتي بعد ان فتحت هي  معه الحديث ، بعد ان عرف انها ممتنة له.. اي شاب اخر كان انتهز الفرصة للتعارف..يبدوا انها لا تثير اهتمامه بالمرة.. اكيد مرتبط عاطفيا .. واحد مثله لن يكون خال.. مؤكد فتاته هي عارضة ازياء مثيرة، تملاء عينه فلا يكاد يلاحظ اي فتاة غيرها.. يا لها من محظوظة..
تنهدت بصوت عال.. و تابعت المناظر من النافذة المغلقة..
فجأة انفتح باب الكابينة و دلف دون استئذان شاب اخر.. ضخم و اشقر شديد البياض.. ووجنتيه بلون الدم
قال بلكنة اسكتلندية :" لقد سئمت الناس في الكابينة الاخري.. انتم تبدون الطف"
جلس بجوار روكي و قال:" انا مارك"
رُقية بامتعاض:" روكي"
نظر الفتي لعمر و قال:" وانت ما اسمك؟"
عمر بضجر شديد:" عمر.. انا عمر"
مارك:" هل انتما معا؟"
روكي:" لا ..لسنا معا.."
مارك:" حسنا جيد.."
وعاد ليقول:" انا ذاهب للحاق بالكرنفال السنوي.. سألحق به في (--)"
رووكي وقد رأت اخيرا في مارك ما يستحق الاهتمام:" حقا؟ و انا ايضا.. "
صاح مارك بحماس:" يالها من مصادفة! فلنذهب معا .. هل ستلحقين باصدقائك؟ ان لم يكن يامكانك الانضمام لاصدقائي هناك.."
رووكي:" بلي سألحق باصدقائي.. و لكن شكرا علي العرض"
مارك:" جيد فلنذهب الطريق معا اذن.. مازال امامنا بضعة محطات و بضع حافلات.."
ثم وجه حديثه لعمر:" و انت يا (أومار).. الي اين انت ذاهب؟"
عمر بضيق:" لست ذاهبا للكرنفال! و اذا سمحتما انا ارغب في الهدوء للقراءة"
مارك:" مابك يا رجل! اهدأ! لقد كنت احاول فقط ان اشركك في الحديث.."
ثم التفت لرووكي و قال:" اتدخنين؟ تعالي معي لمنطقة المندخنين.. هناك بقعة حيث الهواء منعش حقا.. و لنتركه لهدوءه و كتابة السخيف"
رفعت رووكي كتفيها في عدم اكتراث و قالت:" لم لا؟.. هيا"
رفع عمر عينيه الي رووكي ليري رد فعلها علي عرض مارك.. و ما ان لمح موافقتها ..حتي قال:" فكرة جيدة.. احتاج للتدخين انا ايضا.. ساتي معكما"
مارك:" الم تكن ترغب في الهدوء قبل ثانية؟"
عمرساخرا:" حين تُذكر السيجارة.. يصير كل شيء اخر اقل اهمية"
ضحك مارك و هو يربت علي ظهر عمر قائلا:" ظننت هذا المثل يقال علي المرأة"
وبالفعل ذهب ثلاثتهم لمنطقة المدخنين بالقطار..
هناك وقفت رووكي وسطهما بدي عليها التردد.. ثم قالت لمارك فجأة:" اعطيني سيجارة.."
اخرج مارك واحدة من علبته و اعطاها اليها.. ثم امسك بقداحته ليشعلها لها..
كان عمر يتابعها باهتمام في صمت و هو ينفث دخان سيجارته..
اخذت رووكي نفسا .. ثم سعلت بشدة..حتي كادت تتقيا
قال مارك منزعجا:" ما بك يا فتاة؟؟ هل انت مريضة؟؟"
رفعت رووكي يديها وسط السعال  معلنة انها بخير..
فضحك مارك و قال:" هذه سيجارتك الاولي يا فتاة... بلي؟"
لم ترد و استمرت تسعل و لكن اخف قليلا..
اما عمر فقد بدا علي وجهه بعض القلق و لكنه مازال صامتا..
قال مارك:" ظننتك مدخنة.. لمَ لم تقولي؟ انا لم اجبرك...لقد طلبت السيجارة بنفسك"
قالت رووكي اخيرا وعيناها دامعة من كثرة السعال:" اريد ان اكون واحدة"
مارك و عمر في نفس الثانية باندهاش:" مدخنة؟!!"
اومأت رووكي برأسها ايجابا و قالت بنبرة واثقة:" انا  فتاة حرة بامكانها ان تفعل ما تريد..ادخن سيجارة.. ادخن مخدرات..انا حرة"
مارك مندهشا:" و لمَ تريدين هذا؟ انت في نعمة يا فتاة.. كل مدخن هو عبد لسيجارته..اي حرية تتحدثين عنها ؟؟ اسأليني انا؟ اود ان اكون غير مدخن.. و لكني غير قادر.. وكاني ...غير حر.."
اقترب عمر منها و سحب السيجارة من يدها و قال بهدوء:" بعد نوبة السعال تلك اظن انك لست بحاجة لهذه الان.."
قالت:" ولكن.."
قاطعها بعد ان اطفاء السيجارة في المطفاءة وقال رافعا كفيه :" لم يتعدي احدا علي حريتك يا فتاة!.. بامكانك التجربة مرة اخري في اي وقت اخر.. ولكن إن اخذتِ نفسا آخر من تلك السيجارة الان هناك احتمال 90 في المائة ان تتقيائ.. و صدقيني لا يرغب احدا منا الوقوف وسط القيء"
ابتسمت .. لماذا هو دائما صامت؟ و لكن كلما نطق.. زاد اعجابها بشخصيته..
كان مارك ينظر لرووكي بنظرات اعجاب و اضحة..
حين عادوا ثلاثتهم للكابية..و عاد عمر لكتابه..جلس مارك قرب رووكي يحدثها في امور شتي.. انشغلت معه في الحديث.. كانا يتحدثان بصوت خفيض حتي لا يسببا الازعاج لعمر.. ولكن رووكي بدأت تدرك انه معجب بها.. لقد دخل في مرحلة الغزل.. بدأ يثني علي جمال عينيها.. سألها ان كانت مرتبطة.. كان لطيفا لم يضايقها الامر.. و لكنها لن ترتبط عاطفيا مع شخص الان .. لديها الكثير لتفعله ..لا وقت لديها للتقيد باي علاقة.. فليبقي الامر دوما عند مرحلة الغزل اللطيفة..
طلب منها القيام معه للخارج لاحضار القهوة..لم تمانع.. وحين هم عمر للقيام معهما قال له مارك  بنبرة ذات معني بعد ان خرجت رووكي:" ابق انت يا رجل.. سأتي لك بم تريد..هيا اعطيني فرصتي"
فانتظر عمر و لم يذهب معهما.. بقي لبضعة دقائق ثم خرج بدوره من الكابينة.. سار في ردهة القطار باتجاه البار.. ها هو الان امام ماكينة القهوة.. ليسا هناك!
هل اخذا القهوة وذهبا لتدخين سيجارة اخري؟.. تقدم اكثر باتجاه منطقة المدخنين..وقف بها لا اثر لهما..
انتابه بعض القلق..
عاد ادراجه الي الكابينة.. مازلت خاوية..
دلف اليها وعاد لمقعده.. ماذا عليه ان يفعل الان؟
وفجأة فُتح باب الكابينة بعنف.. و دلخلت رووكي..وعلي وجهها غضب شديد..جلست بعصبية قرب النافذة تهز قدمها في توتر شديد..
عمر:" اين مارك؟"
رووكي بحدة:" لا اعرف.. و لا اريد ان اعرف!"
ادرك عمر ان امرا ما حدث.. هل تشاجرا؟
هل عليهما مارك و دفع الباب برفق.. ما ان  رأته رُقية حتي قفزت من مكانها لتجلس ملاصقة لعمر و قالت  لمارك بحدة شديدة محذرة:"  اقسم بالله ان اقتربت مرة اخري.. ستكون هذه المرة ركلة تحرمك من الاطفال لباقي عمرك!"
مارك مندهشا  وببعض الغضب:" ما بك يا فتاة هل انت مجنونة؟! لقد كنت لطيفة.. كيف انقلبت هكذا؟ وكيف تجروءين علي صفعي هكذا؟!"
ثم وجه حديثه الي عمر يشهده:" الم تري بنفسك انها كانت لطيفة معي.؟؟. هل بدت باي حال من الاحوال رافضة لي؟؟ كل ما فعلته هو اني لففت ذراعي حولها  اثناء وقوفنا معا في نافذة القطار .. فوجئت بها تستدير لتصفعني! انها مجنونة ! ابتعد عنها"
قال عمر بهدوء:" تفضل غادر الكابينة يا مارك!"
مارك مصعوقا:" ماذا؟!!"
عمر :" كما سمعت.. غادر الان.. وجودك يضايق الفتاة!"
مارك ومازال مندهشا من رد فعل عمر:" الاولي بك ان تطلب منها هي ذلك..هي المريضة عقليا و لست انا!!"
رووكي:" انا لست مريضة ايها الغبي.. انت من تطاول علي.. ان لم تغادر سأبلغ امن القطار انك حاولت التحرش بي!"
كان مارك يسحب متعلقاته من قبل ان تتحدث رووكي..
مارك ساخرا:" اكيد سأذهب ، ان كنت انت ستبقيين..لن ابقي مع مريضة مثلك في مكان واحد.. و انت يا  (أومار )اتمني لك حظا سعيدا مع المجنونة"
قال عمر بنبرة حازمة:" غادر!"
خرج مارك و صفق الباب ..
كانت رووكي تجلس ملاصقة لعمر وتتنفس بسرعة في انفعال.. بعد ان خرج مارك التفتت لعمر و قالت:" اشكرك لدعمي.."
ثم قامت من جانبه و عادت لمقعدها المواجه له و قالت:" كيف جروء؟ لم نتحدث سوي لوهلة و يظن ان يمكنه ان يضمني"
عمر:" لقد بدي عليك انك متقبلة له تماما"
رووكي:" نعم ..ان حديثه لطيف.. ولكن ان يضمني امرا اخر.. اعرف ان صفعه كان امرا مبالغ فيه.. كان يكفي ان اخبره اني لا ارغب.. و لكنه ايضا مخطيء بالتسرع"
عمر في عدم اكتراث:" ربما.."
رووكي و قد كادت ان تجن من عدم اهتمامه.. و لكنها اخفت ذلك خلف ابتسامة عريضة:" اشكرك مرة اخري انك و قفت في صفي"
عمر:" حسنا لا تشكريني لقد اخترت منكما الرفيق الاكثر هدوءا لابقيه"
صدمت رووكي بشدة من الرد .. بيما هو كان ينظر في كتابه غير منتبها لفمها المفتوح ذهولا..
الا انه بعد لحظة رفع راسه لها و قال مبتسما:" بالطبع امزح! لقد وقفت في صفك لاني برغم اني اعتدت العيش بالاسلوب الغربي الا ان هناك شي مازال شرقي بداخلي يجعلني امقت اولاءك الذين يغازلون النساء في وجودي..خصوصا ان كانوا يفرضون انفسهم مثل صديقك مارك"
رووكي ضاحكة:" لا تقل صديقك!"
ابتسم عمر ابتسامة ساحرة ..جعلتها تتأمله دون حياء..
قالت:" هل عشت هنا كثيرا؟"
عمر:" اجل معظم عمري..  ابي كان يعمل في عدة دول .. حتي استقر هنا منذ ان كنت في العاشرة"
رووكي:" ابويك مصريين؟"
عمر:" ابي فقط.. امي برتغالية.. تقابلا في فرنسا.. كانت هي تدرس الرسم.. و هو في مهمة عمل"
رووكي في هيام:" كم رومانسي.."
ابتسم عمر:" نعم كانت قصة حب قوية.."
رووكي:" لا بد انك عشت طفولة رائعة  في جو رومانسي وسط ابوين متحابان "
عمر:" للاسف امي ماتت وانا في السادسة.. ونظرا لانشغال ابي و السفر الدائم.. عشت مع عمتي  في مصر  لفترة الي ان استقر ابي في لندن و اتي بي انا وعمتي حتي توفت هي الاخري ..ثم لحق بها ابي منذ بضعة اعوام"
عقدت رووكي حاجبيها تأثرا  وتمتمت:" انا اسفة.."
قال:" لا تأسفي..  مايحدث للانسان في حياته يشكل ما هو عليه الان.. و انا فخور بما انا عليه..حتي و ان كنت مررت بفترات مؤلمة او عصيبة"
نظرت له بانبهار.. حقا كلما نطق اثار اعجابها!
وجه اليها سؤالا :" وماذا عنك.. هل ابويك مصريين؟"
رووكي:" هل بامكاني ان احتفظ بتفاصيل حياتي ..انه امر خاص"
حرك رأسه و رفع كفيه بما يعني :" ايا كان" وقال:" اكيد"
قالت:" اشكرك لتفهمك"
حرك رأسه بمعني " لا عليك"
مر بعض الوقت قبل ان يقف القطار في المحطة..
حملت حقيبتها كما فعل عمر و سارا معا في الردهة الي خارج القطار..
نزلت اولا و نزل بعدها..
وقفت امامه مبتسمة للحظة ثم قالت:" اشكرك ثانية علي كل شيء.. انقذت حياتي.. و دعمتني في موقفي مع مارك.. و كنت رفيق مسل للطريق.. انا ادين لك بالكثير" و ضحكت ضحكة صافية..
ابتسم بدوره ابتسامة خلعت قلبها و قال:" انت ايضا كنتِ رفيق لطيف.. و استمتعت بمرور الوقت معكِ"
مدت يدها باسلوب طفولي و صافحته قائلة:" وداعا الان.. علي الحاق بمحموعة متعددة من المواصلات لالحق الكارنفال.. اتمني ان اراك مصادفة في يوم ما"
صافحها و قال:" وانا ايضا.. وداعا رووكي"
حمل حقيبته و استدار مبتعدا.. تابعته..
وقف امام عربة القطار المخصصة للمتعلقات الضخمة.. انتظر دوره .. دخل لبرهة و خرج نازلا علي تلك الخشبات التي تشكل جسرا بين الرصيف و عربة القطار ..كان يركب دراجة بخارية سوداء.. رشيقة و لا معة مثله..يا جماله بالدارجة.. مثل ممثلين افلام الكشن.. ينقص المشهد موسيقي تصويرية مثيرة.. وقف بها خارج العربة يحمل بيده الخوذة.. ثم نظر نحو رووكي نظرة اخيرة و لوح لها من بعيد.. فابتسمت بانبهار شديد و لوحت له بدورها.. ثم انهمك في وضع حقيبته علي ظهره و ترتيب نفسه استعدادا للرحيل بالدراجة البخارية..
اما رووكي فكانت تتابعه الي ان ادركت ان عليها التحرك بدورها.. فمازال عليها السؤال عن افضل طريقة للوصول، كما ان عليها البحث عن هاتف لمحادثة إميلي..
دارت بعينها في المكان تبحث عن اقرب هاتف.. ولكنها لمحت شيئا اخر.. بل شخصا..
شخصا تحفظه عن ظهر قلب.. و تميزه وسط المئات بحكم العادة.. انه احد حراس و الدها..انه جايك...ببذلته و نظارته السوداء.. اللعنة!...لقد تبعوها الي هنا..
رأته يتحدث في جهاز اتصال ما.. انه يبلغهم انه وجدها.. تلفتت حولها في ذعر تبحث عن اخرين.. و لكن عينيها و قعت علي عمر و قد ارتدي الخوذة  و يستعد للانطلاق..
امسكت جيدا بحقيبتها.. و جرت باقصي سرعة نحوه .. و صلت اليه و هو مازال  يلف ببطء لغير و جهة الدراجة..رفع الغطاء الامامي للخوذة حين رأها  اتيه عليه تجري و قال مندهشا:" رووكي.. ماذا هناك؟"
قفزت خلفه علي الدراجة و صاحت:" انطلق! انطلق بسرعة .. اخرجني من هنا!"
لم ينتظر ليفهم... بل انطلق باقصي سرعة و هو يقول:"تمسكي جيدا"
كانت تنظر خلفها لتري ان كان هناك من يتابعها.. بالفعل رأت الحارس يقف عن بعد ويشير الي اخريين علي مكانها..و يتحدث في جهاز الاتصال.. صاحت في عمر:" اسرع .. اسرع"
ونظرت مرة اخري لتجدهم قد صاروا ابعد بكثير الي ان اختفوا تماما حين انعطف عمر في احد الشوارع  يبدوا انه يسير بسرعة حقا، تنفست الصعداء..
شعر عمر انها هدأت من نوبة التوتر و الذعر.. فقال:" هل لي ان اسأل ما كان ذلك؟..ام انه يندرج تحت الامور الخاصة؟"
رووكي:" يندرج تحت الامور الخاصة"
عمر:" حسنا و لكن حقي ان اعرف ان كنتِ مُطاردة من السُلطة ، او كنتِ ارتكبت جريمة، او متورطة في اي شيء غير قانوني"
رووكي:" و لا اي من ذلك"
عمر:" حسنا.. سأكتفي بذلك"
صمتا لبرهة قاد فيها عمر الدراجة بينما لفت رووكي ذراعيها حول وسطه، يحول بين جسديهما حقيبة ظهره ..
عمر:" هل لي ان اعرف اين اذهب بك؟  لا يمكن لذلك ان يندرج تحت الامور الخاصة..فانا من اقود"
رووكي:" الي اين كانت و جهتك في الاساس؟"
عمر:" كنت سأبيت ليلتين هنا في المدينة لاستريح فلدي قيادة طويلة لان لدي عمل بعد ذلك في (--)"
رووكي حسنا سأدفع لك لتوصلني لاصدقائي في (-- مدينة اخري )"
عمر:" لا استطيع.. انا بحاجة للراحة علي الاقل يوما.. لا يمكنني القيادة لك ثم القيادة مرة اخري بعدها لعملي"
صمتت روكي تفكر.. هي تخشي ان تركب مرة اخري الحافلة من هنا ..فمؤكد ان رجال و الدها الان يتابعون كل الحافلات في البلدة.. ليس امامها سوي دراجة عمر.. حسنا.. يمكنها البقاء هنا لليلة مثله و بذلك تتأخر علي إميلي يوما.. ثم تلحق بها و الاصدقاء  في المدينة التالية للكرنفال والتي هي نفس طريق عمر..حين يذهب في طريقه لـ(--) حيث عمله بامكانه ان يوصلها الي اقرب مكان لاصدقائها..
قالت:"حسنا سأعقد معك اتفاقا.. استريح لليلة واحدة هنا ..ثم خذني معك في طريقك.. محطة الكرنفال التالية ليست بعيدة عن المدينة التي انت ذاهب اليها.. سأدفع لك ما ترغب ..حسنا؟"
عمر:" واين ستبقيين الليلة؟"
رووكي:" اين ستبقي انت؟"
عمر:" في منزل صديقة لي..":
رووكي:" سأبقي انا في اقرب فندق قرب منزلها... حتي نقرب المسافة و والوقت"
عمر:" بامكانك المجيء معي..هي لن تمانع.."
رووكي:" لا شكرا.. لا احب التطفل.."
عمر:" كما تريدين.."
رووكي:" حسنا و لكن علي الاتصال بشخص ما.. هلا اوقفتنا عند اول هاتف؟"
وبالفعل نزلا كليهما عند هاتف عمومي.. اتصلت رووكي بإميلي تخبرها بانها ستلحق بهم في المدينة التالية..
بينما كانت هي  تحدث إميلي.. ابتعد عمر ولكن رووكي كانت مازالت في محيط نظره..
اخرج هاتفه واتصل برقم ما..
عمر:" ايوة يا فندم.. الهدف معايا.. بارادتها يا فندم.. هي طلبت مني بنفسها اوصلها الكرنفال.. هنبات الليلة هنا... لازم يا فندم عشان الخطة الموضوعة تمشي.. وكمان عشان نعطل الوصول للكرنفال.. هناك تنفيذ الخطة هيكون اصعب..  هتبات معايا في بيت آمن يافندم.. مش هتغيب عن عيني لحظة.. مش عايز سيادتك تقلق.. انا مضطر اقفل.. جاية عليا.."
اكمل عمر حديثه بالانجليزية وكانه مازال يتحدث في الهاتف: حسنا عزيزتي.. انا قادم اليك الان ..افتقدك كثيرا"
اقتربت رووكي وبدي عليها الاحراج لسبب ما لا تعرفه.. سماعه يحدث فتاة ..كان يضايقها و لو قليلا.. كانت حقا تحسد تلك الفتاة..
انهي المكالمة و نظر لرووكي ثم قال:" يلا؟ "
قالت مبتسمة : يلا.."

                                       ***
كانت نوال تجلس مع زوجها صادق وعامر مستشاره في تراس القصر في انتظار اي اخبار عن رُقية..
وقد جائت الاخبار في صورة مكالمة هاتفية تلقاها صادق بنفسه..
صادق لمحدثه علي الهاتف:" طب كويس جدا برافوا عليك..  ازاي راحت معاك؟  ... طب و امتي هتروحوا الكرنفال... بيات؟ و لازمته ايه البيات ده؟ طيب ماشي لوانت شايف كده ...طب هتبات هي فين؟ انا مش عايزك تفارقها ثانية.. حتي و هي نايمة تبقي بتحرسها.. انت مش مدرك انا قلقان ازاي.. انا اعدائي مبيرحموش.. لو حد عرف انها بنتي و لوحدها.. هتبقي مصيبة.. ليه تقفل؟ الو الو الو؟"
انهي المكالمة و التفت لزوجته قائلا:" ادي بنتك يا هانم المتربية اللي عايزة تبقي حرة.. خرجت من البلد وراحت مع و احد غريب برضاها.. و طلب منه يوصلها الكرنفال الزفت بتاعها.. و كمان ايه هتبات الليلة معاه!"
لطمت نول علي صدرها وقالت:" يا مصبتي تبات ازاي؟"
نفث صادق في غيظ ثم قال:" والله منا عارف.. انا لولا ان ثقتي في الولد ده كبيرة ومعنديش ادني شك في ولاءه و متأكد انه عارف هو بيعمل ايه؟ كان زماني مت بالسكتة! بنتك هتموتني يا نوال"
اتى عامر مقتربا بعد ان كان  قد ذهب بهاتفه بعيدا ليستمع لمكالمة تفيده بالاخبار بدوره..
قال:" الرجالة بتوعنا عند محطة القطر يا فندم اكدوا مشاهدتهم لرُقية.. همة اتلقوا رسالة من العميل عمر بتفيد انه لقي رووكي علي القطر و تواصل معاها.. و طلب منهم ان لما الانسة رووكي تنزل في المحطة ..يظهروا قدامها بحيث تشوفهم..بدون ما يطاردوها.."
صادق:" الله؟؟ طب لما تشوفهم ما هي هتهرب تاني.."
عامر:" فعلا يا فندم.. هي هربت .. لكن هربت مع عمر نفسه.. ركبت و راه الموتسكيل بتاعه وهرب معهاه قدامهم كلهم"
ضرب صادق كف بكف و نظر لزوجته قائلا:" ادي اللي بنتك عايزاه.. تهرب مع فارس الاحلام علي ضهر موتسيكل.. دنا هقطم ضهرها بس لما الولد يرجعهلنا بالسلامة.."
اذن فعمر هو عميل لصادق!
كيف؟ و ماذا؟ و متي؟

حسنا.. فلنعود للوراء قليلا..
في بهو القصر عندما قال مروان مبتهجا بابتسامة عريضة:
" تاكد اني سأكون عند حسن ظنك يا عمي..

التفت اليه صادق وقال:" لا يا مروان انا سأعفيك من تلك المهمة .. ليست مناسبة لك في الظروف الحالية.."
هنا تدخل عبد الهادي و قال متسائلا:" كيف؟ الم تقل  انك سترسل لها الحب.. لقد تهنا منك يا صادق"
تلقي صادق السؤال من عبد الهادي و لكنه ابتسم بهدوء و لم يجب، بل التفت لعامر و قال:" عامر.. هل شُفي الفتي الذي انقذها من اطلاق النار في الملهي؟.. ابن السيوفي.."
اومأ عامر برأسه وقال: "اجل سيدي.. لم تكن اصابة ذات شأن .. وهو جاهز تحت تصرفك.. "
رد صادق:" ارسل في طلبه فورا.."
ثم عاد و التفت لعبد الهادي و قال:" عمر.. عميل شاب من وكالة الحراسة الخاصة ..ابن السيوفي رحمه الله الذي  كان حارسي الخاص"
فقال مروان بالمصري حانقا:" مش فاهم يا عمي.. يعني عمر ده دوره ايه بالظبط؟!"
صادق:" الشاب ده من اكفاء الحراس السريين.. لما روكي كانت بتهرب و بيبلغوني ..كنت ببعته في المكان الي بتروحه ..يتابعها .. ولانه شاب - علي عكس بقية الحرس - كان بيندمج و سط المجموعات اللي حوالين روكي و عمرها ما كانت بتاخد بالها منه.. كمان لانها عمرها ما شافته.. كان وجوده بالقرب ده منها بيطمني.. لان طبعا لو اي و احد من الحرس اللي هي عارفاهم بيقرب .. بتكون النتيجة انها تهرب او تستخبي تاني..و اخر مرة زي ما عرفتوا طبعا انقذها من ضرب النار اياه اللي كان في الكلب"
مروان:" برضه يا عمي مش فاهم.. دوره ايه؟ هتبعته و راها يتابعها وبعدين؟؟ طب كل مرة كان بيتابعها في السر لحد ما ترجع هي بنفسها.. المرة دي هي مش ناوية ترجع.. مين اللي هيرجعها؟.."
ابتسم صادق ببعض الغموض و قال:" سيبوا الحكاية دي عليا... اطمني يا نوال .. بنتك هترجع برضاها.. و لحد ما ترجع هيكون جنبها الي بيحميها طول الوقت"

                                 ***
ترجل من علي دراجته البخارية السوداء.. يتشابه مع دراجته بشكل كبير.. نفس الغموض و الجاذبية.. يردتدي السواد..بنطلون اسود، حذاء اسود و سترة جلدية سوداء.. كذلك الخودة التي خلعها وتركها علي الدراجة سوداء.. اسود شعره القصير و سوداء عينياه الجذابة.. ولكن  طلته لم تكن بقتامة الوانه.. هناك بريق ما يطل من تلك العينان.. تلك المشية و الواثقة.. وهذا الجسد القوي..
اقترب من البهو بعد ان ادخلته الخادمة من باب القصر وسارت معه لتوصله.. سمع اصواتا.. هناك نقاشا يدور بالداخل..
سمع و هو مازل يقترب صوتا يقول:" يعني ايه يا عمي هيوقعها في حبه؟؟!! ده كلام؟ امال هترجعلي ازاي يعني؟"
وسمع صوتا اخر يرد بدا اكثر هدوءا و اكبر سنا ميزه بسهولة انه صوت السيد صادق يرد علي الصوت الاول قائلا:" يا ابني افهم.. هو هيوقعها في حبه و يستدرجها انها ترجع..و بعد ما تكتشف في الاخر انه عميل في الوكالة وانا الي باعته.. هتعرف انها كانت عبيطة وبينضحك عليها وانها مش مستعدة تواجه الدنيا لوحدها.. و ان اللي افتكرته حب طلع و هم... ساعتها مش هيكون قدامها غير انها تصدقني و تثق اني ادري بمصلحتها.. ومش هتلاقي احسن منك لما انا اقولها كده.. فهمت؟!"
اعلنت الخادمة وصول السيد عمر..
التفت الجميع نحوه.. صادق و نوال و عامر و كذلك مروان و ابيه ..
ابتسم ابتسامة بسيطة و دلف المكان بثقة و هدوء..
"تعالي يا عمر يا بني.. اتفضل"
كان هذا صادق يرحب بعمر الذي مدي يده يصافح صادق ..
تفحص مروان عمر من رأسه حتي اخمص قدميه.. ثم صاح:" ده!! ده اللي هيوقعها في حبه؟!!!"
رد صادق بنفاذ صبر:" ايوة يا مروان ..ماله؟"
تكلم عمر بصوته العميق و سأل:" مين دي يا فندم؟ انا فاهم ان دي مهمة تخص الانسة رُقية.."
تكلم مروان محدثا ابيه محاولا السيطرة علي انفعاله:" ده مينفعش خالص يا بابا.. قلهم انه مينفعش!"
عبد الهادي هامسا:" ليه يا بني ماله؟ بيقولك انه شاطر و هيعرف يرجعها.. خلينا نخلص بأة من التعطيلات دي و نتمم المصلحة"
مرون هامسا في اذن ابيه ويكاد يبكي:" وهي لما تحب ده... هتبصلي انا بعد كده ازاي؟!!!"
ابتسم عبد الهادي علي تفاهة ابنه ثم اخذه من يده و انسحبا بعيدا بعض لبشيء.. قال بهدوء حتي لا يسمع الباقون:" انت اللي بتقول كده؟!! وانا اللي بقول عليك مغرور؟ فين ثقتك في نفسك؟ دانت مروان هادي اللي مدوخ بنات لندن... يجي ايه ده جنبك... ثم هو هيقضي مهمة و يمشي.. الموضوع بالنسباله شغل.. ده الوكالة اللي بيشتغل فيها دي معندهمش هزار.. مهمة يعني مهمة.. ده محترف..انت فاكره زيك هيلبد و بقي و يسبل .. مجرد ما هيسلمها لابوها..مهمته انتهت.. و هي ساعتها  هتعرف انه كان بيضحك عليها وانها كانت مجرد مهمة و خلصت و هتتصدم فيه.. و ساعتها دورك انت تبقي الصدر الحنون.. بقي انا اللي هعلمك الحجات دي يا مروان؟؟"
جز مروان علي اسنانه و هو يرمق عمر الوسيم الجالس بجوار صادق يستمع لتفاصيل المهمة الجديدة.. قد يكون ابوه محقا.. الامر بالنسبة له مجرد مهمة.. انه الان مجرد خادم لهم ينفذ طلباتهم في استرجاع رُقية.. ابتلع تلك الغصة في حلقة و هو يتخيله مع رُقية يحاول ايقاعها في حبه.. و لكن صورته هو  زوجا لرُقية و رئيسا للشركات يملك المال و النفوذ .. جعلته يبتلع الغصة بسلاسة..
عاد هو و ابيه حيث يجلس صادق مع عمر و الباقون..
قال عمر:" يعني المطلوب مني دلوقتي اني اقابل الانسة رُقية.. علي اني زيها بحضر الكرنفال مثلا..او بأي حجة"
صادق مقاطعا:" و طبعا هي هتكلمك لانها هتفتكرك عشان انت اللي انقذتها و هي ملحقتش تشكرك.."
عمر:" واكسب صداقتها.. "
صادق: "و تفضل لازقلها .. عشان سببين الحماية وده السبب الاهم.. متغبش عن عينك ثانية.. و السبب التاني انها تتعلق بيك.. عايزها تثق فيك و تسمع كلامك.. بحيث لما تيجي تقولها نرجع لاهلك.. توافقك و تيجي"
عمر:" و مهمتي تنتهي لما سيادتك تستلمها.."
قال مروان بحدة:" يا ريت دي تفهمها كويس اوي!"
رمقه صادق بنظرة غاضبة..مما جعل عبد الهادي يلكز و لده ليطبق فمه علي لسانه..
صادق لعمر:" بالظبط.. وللاسف اي مهمة تانية في المستقبل كمان.. كده انت اتحرقت بالنسبة ليها..خسارة مع انك احسن واحد اشتعل معايا.."
عمر:" يا فندم الوكالة مليانة عملاء شباب من كل الجنسيات.. اختيار عميل سري تاني للانسة رُقية مش هيكون صعب"
صادق ضاحكا ضحكة قصير:"اكيد.. انا بدفع دعم للوكالة مش قليل و اكيد مش هيبخلوا عليا بعميل  تاني ممتاز زيك.. ولو اني اشك ان في زيك... انت صورة حية من و الدك الله يرحمه... كان عزيز عليا جدا"
عمر:" اشكرك يا فندم.. لولا دعمك ووساطتك مكنتش هقدر اتعين في الوكالة دي.."
صادق:" لا .. انت عارف ان هنا مفيش و ساطة.. تميزك هو اللي خلاهم يقبلوك.. انا مجرد حطيتك قدام فرصة الاختبار"
عمر:" و ده في حد ذاته جميل انا مش هنساه.. "
ابتسم صادق ثم قال:" نرجع لموضوعنا ..دلوقتي احنا مش واثقين مية في المية انها راحت هناك للكرنفال.. عشان كده انا هبعت الحراس قبلك يحاولوا يكتشفوا مكانها..  في احتمال تكون خرجت من البلد في المعدية.. هيحاولوا يلحقوها  بس من بعيد من غير اي احتاكاك بيها ..همة هيكونوا الدعم بتاعك و هيكونوا منتشرين حواليك و حواليها من بعيد..لازم تبقي علي اتصال معاهم لتحديد مكانها"
عمر:"  تمام .بس يا فندم تفاصيل مقابلتها و التفاصيل الصغيرة عموما سيبلي حرية اختيارها.. لانها هتكون متغيرة و بتتعدل كل ثانية حسب اللحظة و ظروف الموقف..فا ياريت تسيبها لتقديري انا "
مروان:" نسيبهالك ازاي يعني؟ هتمشينا علي مزاجك؟ انت هنا عشان تنفذ اللي  احنا بنقوله؟"
رمق عمر مروان نظرة باردة ثم سأل صادق بتعالٍ:" مين ده؟"
قال صادق لمروان:" مروان.. عمر خبير و عارف هو بيعمل ايه؟"
ثم قال لعمر:" ده مروان خطيب رُقية.. باعتبار ما سيكون.."
اردفت نوال بغيظ:" واللي كان السبب انها هربت!"
قال صادق محذرا:" نوال!".. بينما ترك مروان المكان و خرج غاضبا..
فاكمل صادق لعمر:" هو بس قلقان عليها شوية.. كمان مهمتك حساسة بالنسبالة.. انت بتوقع خطيبته في حبك"
قال عمر:" يا فندم دي مهمة.. انا بكون مُجرد من اي مشاعر وهدفي كله اني انجز المطلوب مني.. يا ريت السيد مروان يطمن"
صادق:" كلنا فاهمين  يا عمر.. انا واثق فيك.. "
عمر:" وانا قد الثقة...انا محتاج  دلوقتي اقعد مع مدام نوال اسمع شوية تفاصيل عن الانسة رُقية.. و في خلال ساعة هكون وراها"
نظرت له نوال و قالت بمرارة و الدموع تملاء عينيها:" تعالي يابني  .. تعالي اقولك ازاي توقع بنتي في حبك و بعدين تكسر قلبها..ايه الظلم ده يا ربي.. منه لله اللي كان السبب!"
ورمقت صادق بنظرة كلها لوم ثم نهضت و توجهت للحديقة و تبعها عمر بعد ان شارت له ان يتبعها..